كوهن. "الله برميل بارود" (بالفرنسية)
الكتاب المراجع
النص الكامل: 

الله برميل بارود

Dieu est un Baril de Poudre

Par: Shalom Cohen. Paris: Calmann Levy, 1989.

 (الخيرة بين إله الحرب وإله السلام)

 

يقال للعودة إلى الله بالعبرية "بعل تيشوفا". أما بلغة الصحافي اليساري الإسرائيلي فيقال لها فشل التجربة الاشتراكية الصهيونية. فالعودة إلى الله حركة لا تزال تتعاظم في إسرائيل منذ أكثر من عشرة أعوام، بحيث أنَّ أعداد المنتمين إليها باتت تنوف على المائة ألف – ينتمون إلى النخبة السائدة في الجيش وفي المجتمع، وبدأوا يشكلون حوزات وتكيَّات (إذا جازت ترجمة اليشيفا اليهودية بالتكية الصوفية). وقوام هذه الأعداد، رجالًا ونساء، خاب أملهم بالصهيونية (أي بالدولة والجيش) لأن معظمهم تلقى تربية يسارية تتعارض مع الواقع الإسرائيلي، ولا سيما من حيث ذلك الجانب الذي يتناقض فيه "الحقَّان الفلسطيني والإسرائيلي". وهكذا، فإنَّ كثيرين من ضباط المدرعات الشبان أو من الطيارين باتوا يطالبون بوقف تنفيذ عقودهم مع الجيش، أو أنهم يأبون تجديدها لمدد إضافية حين تشرف على الانتهاء، ويقبلون على التعبد معتمدين على أيديولوجية دينية هي، في النهاية، أيديولوجية الغيتو وعقيدة المنفى والشتات. ينتظرون المسيح المخلص الذي يظهر حين تتم توبة اليهود، ولهذا فإنَّهم يعيشون المنفى الذي فرضه الله والذي يرفعه بإذنه حين يرسل مسيحه، وهم لا يجاوزون بثيابهم السود وقبعاتهم السود أنْ ينتظروه (ص ٩١).

هذه العودة إلى اللّه هي، في رأي الصحافي اليساري، دليل على فشل التجربة الاشتراكية الصهيونية كما تقدم. وهو فشل يعود أولًا إلى ما يسميه "خطيئة إسرائيل الأصلية التي ولدت مع قيام الدولة." ذلك بأنَّ إسرائيل لم تتأسس على كرامة الكدح، ولا على العدل الاجتماعي، لأنَّ مؤسسيها استكانوا إلى أشنع المراودات. فالمدن العربية المهجورة والقرى التي جلا فلاحوها عنها، والتي هي من حيث المبدأ لا تزال في قيد الاحتجاز، قد ذهبت غنيمة اقتسمها الإسرائيليون وكان الأرفع في سلم القيادة هم الأوفر غنما. وهكذا، فإنَّ قادة الهاغاناه استقروا في "فيلات محررة". ورأينا ضابطًا شابًا – والده قيادي – يصادر أثاث منزل عربي لتأثيث شقته. ورأينا آخرين ينسفون صندوق مصرف عربي في يافا ويستولون على محتوياته. وحتى "الكيبوتسيم" نالت نصيبها من الغنيمة. ولهذا، فإنَّ القادة الاشتراكيين حين يروون للمهاجرين الجدد أعوام كدحهم، فإنَّ هؤلاء ينظرون إلى سكناهم فيكتشفون الكذبة للفور.

وهو – أي الفشل – يعود ثانيًا إلى نقطة ضعف أساسية في سياسة الاشتراكيين تعود هي إلى كونهم لم يحددوا حدود العودة: الأرض أم السلام. وكان جوابهم أبدًا بين بين، أو نصف نصف.

لكن الفشل الاشتراكي أفضى، في النهاية، إلى انتصار اليمين الإسرائيلي. ولا يحمل هذا اليمين أسطورة بديلة؛ فالاقتصاد الحر وحرية المؤسسات ليسا أيديولوجية تستطيع تعبئة الجماهير. وهكذا، فإنَّ إله الصهيونية العلمانية سيخيب أمل يهود الشتات مثلما خيب أمل الجماهير التي حلمت بمجتمع كريم منصف من الإسرائيليين. أما اليمين، فإنَّه بدا عاجزًا عن التقدم مرفقًا بإله جديد. فكان أنْ انبعث فراغ كبير، "لكن الفراغ لا يمكن أنْ يطيل حياة أمة. وهكذا فإنَّ الإسرائيليين، الباحثين عن قيم صلبة يتمسكون بها، استداروا نحو دين أجدادهم يملأ الفراغ، ويخرجهم من البلبال" (ص ٧٣).

لكن التدين الجديد هو تدين متزمت. فمطاليبه الاجتماعية هي من نوع تحريم التلفزة لأنَّها أداة الغزو الذي تقوم به الثقافة الكافرة للمنزل اليهودي الطاهر، ومن نوع منع الرياضة أو الحيلولة دون خلوة المرأة برجل ليس من محارمها – في العمل... إلخ. أما أساليب عمله فإنَّها بدأت تفضي إلى العنف، وهو أمر يثير أبلغ المخاوف لدى جمهرة الإسرائيليين الذين يخشون أنْ تصل الأمور إلى حد أنْ يقتل اليهودي اليهودي.

ويقول كوهين أنَّ هذه المخاوف بدأت تزداد منذ مطلع هذه السنة. ففي شباط/ فبراير، جرى إحراق باب السيدة، مينا ريماخ – على سبيل تحذيرها – لأنَّها أجرت إحصاء للرأي العام الإسرائيلي يظهر أنَّ ٥٣٪ من الإسرائيليين يؤيدون إجراء مفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية، كما أفهمتها مكالمة هاتفية جرت في إثر وقوع عملية الإحراق. وبعدها بثلاثة أسابيع، أُحرقت سيارة الكاتب  دان ألماغور لأنَّه انتقد الحكومة الإسرائيلية التي "ترسل جنودها يقتلون أطفالًا فلسطينيين." وبعدها أُحرق باب الصحافي دان مرغليت تحذيرًا له أيضًا، لأنَّه أجرى مقابلة مع القيادي الفلسطيني فيصل الحسيني على التلفزة، بينما اكتشفت الشرطة الإسرائيلية عبوة ناسفة تستهدف شقة النائب يائير تسابان، رئيس حزب مابام، "لأنَّه يحب الفلسطينيين".

هذا والتوتر السائد بين جمهور المتدينين هؤلاء وبين العلمانيين، بحيث وصل صداه إلى الكنيست. فالمتدينون يعتبرون أنَّ الصحف الإسرائيلية تشتمهم هم أكثر مما تشتم العرب، بينما يعتبر العلمانيون المتدينين هؤلاء "جماعة بدائية خطرة" (ص ١٢٥).

وقد أفضى الأمر مرة إلى تدخل رئيس الدولة، هيرتسوغ، سنة ١٩٨٦ حين أعلن على الملأ: "إنَّها لحظة حرجة وربما كانت آخر لحظة نستطيع فيها أنْ نوقف التدهور الذي يتهددنا جميعًا بحرب أخوية: إنَّنا نجلس على برميل بارود."

لكن الأمور تفاقمت منذ سنة ١٩٨٦ بدل أنْ تهدأ، كما تشهد على ذلك العمليات السالفة الذكر، وعمليات منع أكشاك الصحف في الحي الديني (بني براك)، ومحاولات إحراق تلك التي لم تقفل. ولعل مما له دلالته أنَّ عمليات الإحراق تحمل دائمًا توقيع مجموعة تدعى سيكاري (وهي كلمة يونانية تعني سكين). وأصحاب السكاكين تاريخيًا هم أكثر "الزيلوت" أي الغيارى على الله تحمسًا في غيرتهم وتعصبًا. فقد كانوا يقتلون اليهود المتأثرين بالهيلينية بسكين. كانوا يريدون تطهير الأرض استقدامًا للمسيح المخلص، واستعجالًا لظهوره. أما الرجس الذي كانوا يريدون تطهير الأرض منه، فهو روما الوثنية، والتجمعات اليونانية الكبرى التي كانت مستقرة في فلسطين – وهو أمر أدَّى إلى الحرب الخارجية التي ما أنْ انتهت حتى آذنت ببداية الفتنة الداخلية التي استخدم فيها سكين الاغتيال. والشبه بين غيارى تلك الأيام وبين "سيكاري" هذه  الأيام، في رأي الكاتب، قائم وكبير. فهناك المؤمنون الذين يعتقدون أنَّهم يعيشون فترة تبشر بقرب قدوم المخلص، وأنَّه ليس عليهم سوى استعجال قدومه بتطهير الأرض قبل ظهوره. وهناك اليهود الذين يخشونهم. أما يونانيو الأمس فهم فلسطينيو هذه الأيام. وأما اليهود المتأثرون بالهيلينية اليونانية، فهم اليسار الإسرائيلي المسالم الذي يريد التفاهم مع م. ت. ف. وأما القوى العظمى فإنَّها ورثت سلطة روما.

غير أنَّ الشبه بين الوضعين القديم والحديث لا يعني الحتم. وبعبارة أخرى، فإنَّ غيارى هذه الأيام غير غيارى تلك. فحتى مئير كهانا يعتبر أعمال السيكاري أعمالًا غبية لأنَّها تطاول أناسًا لا أهمية لهم، وهو يقول لهؤلاء إذا أردتم القيام بعمل مجد فعليكم بالعرب. ويأبى كهانا تحقيق أهدافه بالحرب الأهلية اليهودية. وهو لا يستخدم القوة إلَّا إذا حان حينها. فهو يريد البدء بطرد العرب. فأما إذا عارضه يهود، فإنَّه يحين حينذلك حينها لأنَّه يستخدم عندها القوة ضدهم.

والواقع أنَّ مستقبل العرب مرتبط بإمكانات هذه الحرب الأهلية في رأي إلياكيم هعتساني، أحد أيديولوجيي غوش إيمونيم. فهو يرى أنَّ الحرب الأهلية تنشب "إذا سحبت إسرائيل الجيش والشرطة والإدارة من يهودا والسامرة." ثم إنَّ الحرب الأهلية باتت موضوع نقاش وسط الأصوليين القوميين. والنقاش آخذ في التصلب بحيث أنَّ إحصاء للرأي العام يظهر أنَّ ٥٨٪ من الإسرائيليين يعتبرون أنَّه يمكن أنْ يفضي إلى حرب أهلية.

لكنْ، أتُرى الحرب قدرًا محتومًا؟ كلا. فإله العبرانيين إله سلام وإله حرب في آن واحد. فيهوه محارب في نشيد موسى، لكنَّه يحكم بين الشعوب بحيث لا يرفع شعب السيف على شعب آخر في نبوءة أشعيا. فمن ذا الذي تراه ينقل إرادة الله النهائية: موسى أم أشعيا؟ ويجيب كوهين أنَّ ليس ثمة سلطة شرعية يمكنها الفصل في ذلك. فالإنسان نفسه – أي اليهودي – هو الذي ينبغي له أنْ يختار بين إله الحرب وإله السلام.

اقرأ المزيد