فلسطينيو الداخل والخارج في مؤتمر مدريد
كلمات مفتاحية: 
مؤتمر مدريد 1991
عملية السلام
الفلسطينيون في إسرائيل
تسوية النزاعات
نبذة مختصرة: 

يتضمن الملف أجوبة لعدد من الشخصيات الفكرية الفلسطينية والعربية التي تمثل مختلف الاتجاهات والتيارات السياسية عن السؤال الذي وجهته مجلة الدراسات الفلسطينية وهو التالي: في ضوء بدء أعمال 'مؤتمر السلام' ماهي في رأيكم، الآفاق التي يطرحها هذا المؤتمر لحل أو عدم حل القضية الفلسطينية والصراع العربي ـ الإسرائيلي؟ شارك في الإجابة كل من : الناطق الرسمي باسم حركة حماس إبراهيم غوشة، ونائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أبو علي مصطفى، وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح الانتفاضة الياس شوفاني، والباحث المصري جميل مطر، والباحث الفلسطيني جميل هلال، وأستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية ومستشار الشؤون الخارجية في القصر الحكومي جورج ديب، وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عبد الله حوراني، والمستشار السياسي للملك الأردني حسين [عدنان أبو عودة]، والأستاذ المشارك في العلوم السياسية بجامعة بير زيت علي الجرباوي، والعلامة اللبناني محمد حسين فضل الله، والكاتب المصري محمد سيد أحمد، والأمين العام للجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين نايف حواتمة. يتضمن الملف رسالة ربى الحصري من مدريد عن المؤتمر، ورسالة وليد العمري عن آراء فلسطينييو 1948 في عملية التسوية ومقالة أحمد خليفة عن المواقف الإسرائيلية من هذه العملية.

النص الكامل: 

عندما بدأ وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر جولاته في الشرق الأوسط بعد حرب الخليج، والتقى – أول مرة – طاقماً فلسطينياً من الأراضي المحتلة في مبنى القنصلية الأميركية في القدس الغربية، بدأ هؤلاء حديثهم بعبارة تكررت فيما بعد في كل اللقاءات التي تبعت، حتى أصبحت جزءاً من جدول أعمال كل اجتماع. أما العبارة، فكان فحواها: نحن لم نأت للقائك كأفراد بل كمفوضين من ممثلنا الشرعي وأنت تعرفه، إنه منظمة التحرير الفلسطينية.

لم يبد الوزير بيكر اهتماماً خاصاً بهذه العبارة التي تحولت إلى ما يشبه "الكليشيه" وهو يفاوض محاوريه ويحاول إقناعهم بجدوى عدم تفويت القطار، الذي تحول فيما بعد إلى "باص" في تعبيرات بيكر. لكن الأكيد أنه سمعها وفهمها وسجلها مساعدوه في تقريرهم لوقائع الاجتماع في كل مرة.

وفي الوقت ذاته، كان المسؤولون الإسرائيليون يحاولون الإثبات، في كل مرة، إنهم نجحوا بمفهومهم في إيجاد قيادة بديلة من داخل الأراضي المحتلة ليتحاوروا معها ويفاوضوها. وفي الوقت نفسه أيضاً، تجاهلوا رسائل "الفاكس" التي كانت تأتي بالتعليمات قبل كل اجتماع مع بيكر، وتذهب بتقرير الوقائع بعد كل اجتماع، كما صمّوا آذانهم عن الحوارات التي كانت تجري بين منزل فيصل الحسيني أو سيارته من جهة وبين مسؤول فلسطيني من الجهة الأخرى، والتي كانت تنقلها إليهم أجهزة التنصت للحوارات الهاتفية.

ولم تكن فرحة الإسرائيليين لتقاس عندما نجحوا في فرض وفد فلسطيني مفاوض، تتلاءم مقاييسه مع الأصول التي حددوها بأنفسهم: سكان من الضفة الغربية وقطاع غزة، من دون القدس الشرقية، يقبلون مفاوضة إسرائيل على أساس مبدأ المسارين اللذين حددتهما الولايات المتحدة في طرحها للمسيرة السلمية.

لكن، لا الأميركيون ولا الإسرائيليون كانوا يتوقعون، وهم يحضّرون للحدث التاريخي المهم والأول في مدريد، إنهم إنما كانوا يحضّرون لسقوط العديد من المحرمات في مدريد، وبالذات تلك التي تخص العلاقة بين الفلسطينيين تحت الاحتلال وأولئك المسؤولين الذين كانوا يرونهم حتى الآن على شاشات التلفزة، ويعبرون عنهم بقولهم "هؤلاء قيادتنا".

في فندق "فكتوريا" في قلب العاصمة الإسبانية مدريد، حيث كان ينزل الوفد الفلسطيني من الأراضي المحتلة وشريكه الأردني، كانت اللقاءات بين فلسطينيي الداخل وأعضاء في منظمة التحرير تتخذ نمطاً تصاعدياً، حتى أصبحت في الأيام الأخيرة قبل مغادرة مدريد جزءاً من دورة الحياة في الفندق.

في اليوم الأول لوصول الوفد الفلسطيني إلى مدريد، كان المسؤولون الفلسطينيون من الخارج في استقباله. عبروا مدخل فندق فكتوريا كالأشباح. لم يتحدثوا إلى الصحافيين المتجمهرين أمام المدخل، والذين حال رجال الأمن دون دخلوهم ردهة الفندق، باستثناء عبارات مقتضبة "على الماشي" مع من يعرفونهم منهم. لكن، وعلى الرغم من ذلك، لم تظهر عليهم الرغبة في كشف أمرهم على الملأ، حتى أن أحدهم أشار على صحافي تربطه به صداقة من بعيد بأن يصمت، واضعاً اصبعه على فمه.

وفي الأيام الأولى لافتتاح مؤتمر مدريد، كان رجل أربعيني، مستدير الوجه ويضع نظارات يتمشى حول فندق فكتوريا، يستقبل صحافيين ويتحدث إليهم في المقاهي والمطاعم المجاورة، ثم يمر كالشبح عبر بوابة الفندق، ويسير بشكل مستقيم ومباشر بخطى واثقة ومصممة نحو المصعد، من دون أن يلتفت يميناً أو يساراً، وقبل أن يتنبه أحد الصحافيين الفضوليين ليقول: أليس هذا أحد مستشاري رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات؟

وعلى الرغم من هذه البوادر المحدودة، فقد تجنب معظم مسؤولي منظمة التحرير الذين كانوا في مدريد، لكن في فندق يقع في أقصى الطرف الشمالي للمدينة، الإكثار من الظهور في فندق فكتوريا بصورة علنية في البداية. وفي إحدى المرات استعانوا بشخصية فلسطينية باريسية غير ذات منصب رسمي في المنظمة، لتنقل الرسائل بين الفندقين، فتستقل سيارة أجرة ثم تترجل منها على بعد خطوات من الفندق تقطعها في لمح البصر ليلاقيها أحد أعضاء اللجنة الاستشارية عند المدخل فيتسلم منها الرسالة المكتوبة، ثم تقفل عائدة من حيث أتت. فقد ثبت في مدريد أن تلك الطريقة لنقل الرسائل تفوق، في محافظتها على السرية، الهاتف و"الفاكس" وكل التكنولوجيا الحديثة.

مع الوقت، أصبحت الاجتماعات المختلطة بين الفلسطينيين في فندق فكتوريا تتخذ شكلاً طبيعياً، لكن من دون صحافة أوعدسات تصوير تلفازية، أي من دون شهود. حتى أن أحد أعضاء الوفد الفلسطيني من الأراضي المحتلة اعترف، في إحدى الجلسات مع الصحافيين في ردهة الفندق، بأنه حضر اجتماعاً في الغرفة "205" شارك فيه أشخاص مهمون في منظمة التحرير، لكنه استدرك قائلاً: "لكن لم نتحدّث معاً". واحتار مستمعوه فيما إذا كانت تلك نكتة أم أنه قصد بها الإقناع فعلاً.

ومن طرافة التحادث من دون التحادث فعلاً، أو الالتفاف على الحوارات المحرمة، رواية ترددت في مدريد في أكثر من مجلس، والأكيد أنها وصلت إلى فندق "برينسيزا" حيث كان ينزل الوفد الإسرائيلي. وتدور هذه الرواية في شأن حوار دار بين وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر والمستشار السياسي لرئيس منظمة التحرير الفلسطينية نبيل شعث. وتقول إحدى صيغ هذه الرواية أن الحوار كان في الواقع بين بيكر وعرفات. وفي التفاصيل أن المتحدثة باسم الوفد الفلسطيني، الدكتورة حنان عشراوي، كانت تمسك في إحدى المرات بسماعتي هاتف على أذنيها، تحادث بواحدة منهما أحد مساعدي بيكر، دينيس روس، وتحادث نبيل شعث بالأخرى، في الوقت الذي كان روس يرد عليها بإحدى سماعتين ويستمع بسماعة أخرى إلى تعليمات بيكر. وربما كان شعث أيضاً يستمع إلى عرفات بإحدى سماعتين، ويمرر الرسالة إلى عشراوي بسماعة أخرى.

طبعاً، جرت عدة لقاءات "سرية" بين أعضاء الوفد الفلسطيني ومسؤولي منظمة التحرير في مدريد. لكن أحد اللقاءات المميزة، قبل أن يقفل الوفد عائداً إلى الأراضي المحتلة، كان ذلك الذي جرى بين أعضاء في المنظمة ومجموعة من صحافيي الداخل الذين كان بعضهم يلتقي، أول مرة، مسؤولين على هذا المستوى أو بهذه الصفة. في ذلك اللقاء، سقطت المحرمات وتبعثر قانون مكافحة "الإرهاب" الذي أقره الكنيست الإسرائيلي سنة 1986، والذي يحظر لقاء مسؤولين في منظمة التحرير . تبخرت الخشية والريبة، ولم يخطر ببال أي منهم أجهزة التنصت والعدسات الخفية وكل ما له علاقة بأعمال التحري التي قد تخطر ببال أي منهم لو مرّ، في إحدى العواصم الأوروبية، أمام بوابة كتب فوقها "سفارة فلسطين" أو "مكتب منظمة التحرير الفلسطينية". كان اللقاء، بأبسط العبارات، طبيعياً بحيث بدأ بعضهم يشكو إلى المسؤول الإعلامي في المنظمة أوضاع العمل الصعبة في الأراضي المحتلة، وظلم ذوي القربى من الفلسطينيين.

وبانتهاء مرحلة مدريد، كان التداخل واضحاً بين أعضاء الداخل والخارج، ولم يكن يُتخذ قرار إلا ولمنظمة التحرير يد فيه. لم تكن المنظمة قادرة على فرض نفسها بالاسم على طاولة المفاوضات، أو في قاعدة قصر الشرق. وبدلاً من ذلك برز فلسطينيو الداخل في تبادل متناسق، يتحدثون باسم الشعب الواحد، تحت الاحتلال وفي الشتات. ومع ذلك، فلا الأميركيون ولا الإسرائيليون يستطيون إعادة عجلة الزمان إلى الوراء، بعد أن جمعوا بأيديهم قيادة الداخل وقيادة الخارج في غرفة واحدة، وأسقطوا المحاذير والممنوعات. 

اقرأ المزيد