عودة إسرائيل إلى إفريقيا، 1980 ـ 1990
كلمات مفتاحية: 
العلاقات الخارجية الإسرائيلية
نبذة مختصرة: 

يحاول هذا المقال إلقاء نظرة فاحصة على مسار عودة إسرائيل إلى أفريقيا، ووتيرة هذه العودة ونتائجها قياساً بالجهود التي وظفتها إسرائيل في هذا السياق. يستعرض المقال بداية الخلفية التاريخية للعلاقات الإسرائيلية - الأفريقية ويختار بعدها بداية الثمانينات كنقطة إنطلاق للبحث في العودة الإسرائيلية إلى أفريقيا متوقفاً عند المتغيّرات الجديدة التي حصلت في هذه الفترة ووفرّت المناخ الملائم لعودة إسرائيل عبر حملة ديبلوماسية كثيفة إلى القارة الأفريقية. يتوقف المقال أيضاً عند الوجه العسكري للعلاقات الإسرائيلية - الأفريقية مفصّلاً علاقة إسرائيل بأثيوبيا "إحدى أهمّ الدول الأفريقية من وجهة النظر الإستراتيجية الإسرائيلية" ومخاطر وجود إسرائيل بقوة فيها (من هذه المخاطر مثلاً إمكان تدخّل إسرائيل في جريان نهر النيل). مستنتجاً في الختام آفاق العودة الإسرائيلية إلى أفريقيا والعوامل المعيقة لهذه العودة والمساعدة لها.

النص الكامل: 

بين أيار/ مايو 1982، تاريخ عودة العلاقات بين إسرائيل وزائير، التي كانت أول دولة إفريقية تتجاوز القطيعة الدبلوماسية لإسرائيل، وبين تشرين الثاني، نوفمبر 1989، تاريخ عودة العلاقات بأثيوبيا في نهاية الثمانينات، عَقْد من الزمن يسمح بإلقاء نظرة فاحصة على مسار عودة إسرائيل إلى أفريقيا، ووتيرة هذه العودة ونتائجها قياساً بالجهود والإمكانات التي وظّفتها إسرائيل في هذا السياق.

إن اختيار بداية الثمانينات نقطة انطلاق للبحث في العودة الإسرائيلية إلى أفريقيا، هو نتيجة وجود مقاربة إسرائيلية جديدة إزاء هذه القارة، أو خطة إسرائيلية للعودة إليها، تقوم على التحرك الإسرائيلي الكثيف الذي بدأ منذ تلك السنة في هذا الاتجاه، ولا يزال مستمراً حتى الآن. فهل توازي وتيرة العودة وحجمها الجهد الدبلوماسي الإسرائيلي الموظف؟ وما نوع العلاقات، وبأية دول؟

 خلفية تاريخية:

من الذروة إلى الحضيض

عاشت العلاقات الإسرائيلية – الأفريقية ربيعها المزدهر منذ بداية الخمسينات، حيث كان لإسرائيل علاقات دبلوماسية بدول القارة كافة، عدا الدول العربية – الأفريقية، حتى حرب 1967؛ إذ أدى العدوان الإسرائيلي على مصر وسوريا والأردن، واحتلال أراض واسعة من هذه الدول، إلى تغيير صورة إسرائيل، من دولة فتية ومسالمة، لا طموحات استعمارية لديها في نظر الأفارقة، إلى دولة قوية عدوانية وتوسعية. هكذا، شكلت حرب 1967 بداية مراجعة لدى بعض الدول الأفريقية، وبداية مسار لقطع العلاقات شمل آنذاك أربع دول فقط هي: غينيا، وأوغندا، وتشاد، والكونغو – برازافيل.

أما الدول الأفريقية الأخرى، فقد استمرت في علاقاتها بإسرائيل حتى نشوب حرب 1973، حين اتخذ المجلس الوزاري لمنظمة الدول الافريقية، الذي عُقد في تشرين الثاني/نوفمبر 1973، قراراً بقطع العلاقات الدبلوماسية بإسرائيل، ومطالبتها بالانسحاب من الأراضي المحتلة ومنح الشعب الفلسطيني حق تقرير المصير. وقد استجابت لهذا القرار الدول الافريقية كافة، باستثناء جنوب أفريقيا والدول الخاضعة لها (ملاوي وسوازيلاند وليسوتو)، وذلك بدوافع وأسباب مختلفة تراوحت بين تأثير العامل الديني (وجود أكثرية أو أقلية إسلامية ضاغطة)، وبين مراعاة للعلاقات بالدول العربية واستجابة لضغوطها، أو لضغوط الواقع الاقتصادي (أنظر الجدول رقم 1). لقد غيرت نهاية الستينات صورة دولة إسرائيل كدولة نموذجية، نجحت في مجالات تحتاج أفريقيا إليها (الزراعة الصحراوية مثلاً) إذ اتضح آنذاك فشل مشاريع التحديث الزراعي بعد مغادرة الفنيين الإسرائيليين، وتعبئة الشبيبة في منظمات مشابهة للغدناع والناحل، نتيجة التركيب القبلي للمجتمع في إفريقيا، وصعوبة تجاوز الفوارق بينه وبين المجتمع الإسرائيلي العصري.

في هذا الوقت اضطرت إسرائيل إلى توظيف المزيد من الأموال في قوتها العسكرية، ولم يعد في قدرتها تلبية المتطلبات الاقتصادية للدول الأفريقية، على قلتها في الأساسي، وأصبحت أكثر انتقائية في مساعداتها لأفريقيا. وقد أدى ذلك، بين أمور أخرى، إلى تطلع الدول الأفريقية نحو توثيق علاقاتها بالدول العربية، أملاً بأن تساعد قوة النفط المالية في التخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية لدول أفريقيا، وإيجاد طريق ما لتخفيف عبء الزيادة الكبيرة في أسعار النفط.

  

الجدول رقم (1)

قطع العلاقات بين الدول الأفريقية وإسرائيل:

تواريخ وأسباب رئيسية

 

اسم البلد

التاريخ

الأسباب الرئيسية

1-    غينيا

6 حزيران/يونيو 1967

هـ، ج

2-   أوغندا

30  آذار/مارس 1972

أ، ب، د

3-   تشاد

28 تشرين الثاني/نوفمبر 1972

أ، ب

4-   الكونغو

31 كانون الأول/ديسمبر 1972

هـ، أ

5-   النيجر

5 كانون الثاني/يناير1973

ب، أ

6-   مالي

5 كانون الثاني/يناير 1973

هـ. ب، أ

7-   بوروندي

16 أيار/مايو 1973

أ، هـ

8-   توغو

21 أيلول/سبتمبر 1973

أ، ج

9-   زائير

4 تشرين الأول/أكتوبر 1973

ج، أ

10-     رواندا

8 تشرين الأول/أكتوبر 1973

ج، أ

11-     بنين

9 تشرين الأول/أكتوبر 1973

هـ، ج

12-     فولتا العليا

10 تشرين الأول/أكتوبر 1973

ج، هـ

13-     الكاميرون

13 تشرين الأول/أكتوبر1973

ج، د

14-     غينيا الاستوائية

14 تشرين الأول/أكتوبر 1973

ج

15-     تنزانيا

19 تشرين الأول/أكتوبر 1973

ج، د

16-     مدغشقر

20 تشرين الأول/أكتوبر 1973

ج، أ

17-     جمهورية أفريقيا الوسطى

21 تشرين الأول/أكتوبر 1973

ج، أ

18-     أثيوبيا

23 تشرين الأول/أكتوبر 1973

ج

19-     نيجيريا

25 تشرين الأول/أكتوبر 1973

د، ج

20-     غامبيا

26 تشرين الأول/أكتوبر 1973

ج، ب

21-     زامبيا

26 تشرين الأول/أكتوبر 1973

ج

22-     سيراليون

27 تشرين الأول/أكتوبر 1973

ج

23-     غانا

28 تشرين الأول/أكتوبر 1973

ج

24-     السنغال

28 تشرين الأول/أكتوبر 1973

ج، ب

25-     الغابون

29 تشرين الأول/أكتوبر 1973

ج

26-     كينيا

1 تشرين الثاني/نوفمبر 1973

ج

27-     ليبيريا

2 تشرين الثاني/نوفمبر 1973

ج

28-     ساحل العاج

8 تشرين الثاني/نوفمبر 1973

ج

29-     بوتسوانا

12 تشرين الثاني/نوفمبر 1973

ج

30-     موريشيوس

15 حزيران/يونيو 1976

ج

الرموز التي تحدد الأسباب الرئيسية لقطع العلاقات:

أ – الحافز المالي عام من قبل دول تعاني أوضاعاً اقتصادية بائسة.

ب – العامل الديني (الإسلام).

ج – التضامن مع مصر باعتبارها أفريقية (إما طوعاً وإما بفعل ضغط عربي).

د – طموح زعيم الدولة الإفريقية إلى تبوّء منصب قيادي في أفريقيا.

هـ - نظام راديكالي أو متأثر بنفوذ المعسكر الشيوعي.

المصدر: Arye Oded, Africa and the Middle East Conflict (Boulder, Colorado: Lynne Rienner Publishers, 1987), p. 224.

 

قطع علاقات دبلوماسية ونمو علاقات تجارية

لم يؤد قطع العلاقات الدبلوماسية لثلاثين دولة أفريقية إلى انقطاع كامل بينها وبين إسرائيل، بل العكس هو الصحيح؛ إذ بقيت المبادلة التجارية في ظل قطع العلاقات الدبلوماسية على ما كانت عليه، لا بل ازدادت نمواً. ففي سنتي 1980 و 1981 (آخر فترة الانقطاع الكامل للعلاقات)، ارتفعت الصادرات الإسرائيلية إلى أفريقيا 60%، ومال الميزان التجاري إلى مصلحة إسرائيل خلال هذه الفترة؛ فقد صدّرت إسرائيل إلى أفريقيا ثمانية أضعاف ما استوردته منها سنة 1981 (أنظر الجدول رقم 2). وتصدر إسرائيل إلى دول أفريقيا معدات زراعية، وأسمدة وكيماويات وأدوية، وقطع غيار ومعدات إلكترونية. وتستورد منها منتوجات زراعية مثل: البن والكاكاو والخشب والقطن. وتحتفظ إسرائيل بعلاقات تجارية مع أكثر من ثلاثين دولة أفريقية، بينما يعتبر شركاؤها الرئيسيون في التجارة دول نيجيريا، وكينيا، وزائير، وتنزانيا، وزامبيا، وأثيوبيا، وساحل العاج، وغانا. وتوازي تجارة إسرائيل مع نيجيريا وحدها نصف حجم تجارتها مع أفريقيا كلها.(1)

تدير تجارة إسرائيل مع أفريقيا شركات عامة وشبه عامة، أهمها "كور ساحر – حوتس" (كور للتجارة الخارجية)، و"ديزنغوف"ـ و"إلداه". وهناك شركات خاصة مثل "تاديران" و"أمكور" و"طيبع" تتفاوض مباشرة مع مختلف الدول الأفريقية. وبالإضافة إلى التجارة، هناك مجال الخدمات؛ إذ تفيد التقديرات بأن شركات مختلفة وقعت عقوداً مع الدول الأفريقية، تتراوح قيمتها بين 1,5 مليار دولار وثلاثة مليارات دولار. وتنفذ شركة "سوليل بونيه" مشاريع كبيرة في كل من كينيا ونيجيريا والكاميرون وساحل العاج وتوغو وزائير والغابون، تشمل سلسلة من الطرق والفنادق والمصانع والمباني العامة. يضاف إلى هذه الشركة شركات أخرة مثل "اشطروم" و"إيزوريم" و"تاهل" (شركة المياه الإسرائيلية الرئيسية)، وشركات خاصة أخرى ويبلغ عدد العاملين الإسرائيليين في هذه الشركات 4000 شخص تقريباً، وتقدر عائداتها بـ 35% من قيمة العقود في سنة 1983. وهكذا نشأت خلال الثمانينات شبكة معقدة من النشاطات الاقتصادية الجريئة، التي توثق علاقات إسرائيل بأفريقيا.(2)

  

الجدول رقم (2)

علاقات إسرائيل التجارية بأفريقيا السوداء

1975 - 1981

السنة

التصدير

الاستيراد

الحجم العام

1975

38,8

27,5

66,3

1976

43,1

29,8

72,9

1977

57,1

24,5

81,6

1978

72,5

31,8

104,3

1979

75,4

19,3

94,7

1980

111,7

18,6

130,3

1981

124,0

15,93

139,93

المصدر: "سكيراه حودشيت"، العدد 6، حزيران/يونيو 1984، ص 19.

 

لقد شكلت العلاقات التجارية المستمرة، خلال فترة الانقطاع الدبلوماسي، أساساً مساعداً في تسهيل عودة العلاقات الدبلوماسية. وتشير محصلة التبادل التجاري خلال سنة 1989 إلى أن الاستيراد الإسرائيلي من أفريقيا فاق التصدير إليها (أنظر الجدول رقم 3)، إذ بلغت قيمة المستوردات 240,9 مليون دولار في مقابل 164 مليون دولار قيمة الصادرات. وقياساً بالمبادلة التجارية خلال فترة قطع العلاقات (1975 -  1981) يلاحظ تفوق التصدير الإسرائيلي إلى أفريقيا على الاستيراد منها بعدة أضعاف، إذ بلغت قيمة التصدير 124 مليون دولار في مقابل 16 مليون دولار قيمة الاستيراد (أنظر أعلاه الجدول رقم 2). وهذا يطرح تساؤلاً عن سبب حدوث عجز بعد أن عادت العلاقات بعدة دول في القارة. لكن التفسير الأكثر معقولية هو أن الإحصاءات الإسرائيلية الرسمية لا تتضمن التجارة المقنعة، ولا عائدات الخدمات من شركات عامة وخاصة، مثل "سوليل بونيه" وغيرها، وربما لا تشمل تجارة السلاح غير الرسمية.

 بداية الثمانينات: متغيرات جديدة

انتهت السبعينات بتغييرات عديدة على مستوى الصراع العربي – الإسرائيلي، كانت مساعدة في توفير مناخ ملائم لعودة إسرائيل إلى القارة الأفريقية. فقد تميزت نهاية هذا العقد بتراجع في العلاقات العربية – الأفريقية. فقد تميزت نهاية هذا العقد بتراجع في العلاقات العربية – الأفريقية نتيجة عوامل عدة، كان أبرزها توقيع مصر اتفاق كامب ديفيد، وخروجها من ساحة المواجهة مع إسرائيل. وقد كان احتلال إسرائيل لأراض مصرية يحتل مرتبة أولى في الموقف الأفريقي من إسرائيل، كون مصر إحدى الدول الأفريقية المهمة، وذات ثقل سياسي بارز على مستوى القارة. فكانت المرحلة الأولى من الانسحاب الإسرائيلي من سيناء ذريعة لبعض الدول الأفريقية كي يعيد علاقاته الدبلوماسية بإسرائيل، علاوة على توقف مصر – في عهد الرئيس أنور السادات – عن القيام بدور ضاغط على الدول الأفريقية. وبالعكس، فإن مصر لم تتوقف عن الممانعة في عودة العلاقات الإسرائيلية – الأفريقية، بل تحولت إلى جهة مشجعة على ذلك.

ثمة عامل آخر قام بدور سلبي مؤثر في العلاقات العربية – الأفريقية، هو الصراعات الإقليمية على مستوى القارة، حيث كان بعض الدول العربية طرفاً رئيسياً فيها مثل: ليبيا – تشاد، والسودان – أثيوبيا، وقضية أريتريا، وقضية الصحراء الغربية. وقد سببت هذه الصراعات انقسامات بين الدول الأفريقية، وأحدثت شرخاً في العلاقات العربية – الأفريقية، وأدت في النهاية إلى نوع من الشلل على مستوى مؤسسات التنسيق العربي – الأفريقي، كمنظمة الوحدة الأفريقية ومؤتمر القمة العربي – الأفريقي، وإلى عدم تفعيل للمؤسسات المنبثقة منها.

 

 

كان لتفاقم الأزمات الاقتصادية في دول افريقيا دور بارز في تراجع العلاقات العربية – الأفريقية، إذ حُمِّلت الدول العربية بعض المسؤولية عن هذه الأزمة، بفعل ارتفاع أسعار النفط بعد الحظر الذي فرضته الدول العربية المصدرة للنفط بعد حرب 1973. وعلى الرغم من المساعدات العربية لدول افريقيا وتشكيل أجهزة دائمة للتعاون المالي مع أفريقيا، مثل الصندوق العربي لتقديم القروض للدول الأفريقية برأس مال يبلغ 200 مليون دولار، والمصرف العربي للتنمية الاقتصادية الذي بلغ رأس ماله 230 مليون دولار،(3)   فإن هذه المؤسسات لم تكن كافية لعدم تحميل الدول العربية مسؤولية تفاقم الأزمات الاقتصادية. ومع أن المساعدات العربية للدول الأفريقية غير العربية بين سنة 1975 وسنة 1983 بلغت سبعة مليارات وخمسمائة وواحداً وثمانين مليون دولار،(4)    وهو رقم كبير نسبياً، فإن ذلك لم يساعد في تحسين العلاقات أو الحيلولة دون تراجعها.

لقد تضافرت في هذا العقد جملة متغيرات دولية، كانت لمصلحة عودة العلاقات الإسرائيلية – الأفريقية أيضاً. ففي سنة 1981، تم توقيع اتفاقية التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة التي أُطلقت بموجبها يد إسرائيل في أفريقيا، وحصلت على تجيير المساعدات الأميركية للدول الأفريقية لمصلحة إسرائيل. وتؤكد المادة الثالثة من هذه الاتفاقية "قيام واشنطن بوضع الأرصدة في تصرف إسرائيل لتمويل البرامج العسكرية في أفريقيا.(5)   وإذا أخذنا في الاعتبار الحظر الأميركي على دعم الأنظمة الإفريقية التي لا تحافظ على حقوق الإنسان، يصبح مضمون هذا البند منح وكالة أميركية عامة لإسرائيل تضع في تصرفها ما لا ترغب هي في تقديمه، وهو تلبية المتطلبات المادية لهذه الأنظمة، والاستفادة من المعونة الأميركية بتقديمها عبر إسرائيل.

من جهة أخرى كان وصول فرنسوا ميتران إلى سدة الرئاسة في فرنسا، وهو المعروف بتعاطفه مع إسرائيل، عاملاً مساعداً في التمهيد لعودة إسرائيل إلى أفريقيا، على أساس رغبته في محو شعور إسرائيل بالعزلة، مفترضاً أن إسرائيل الواثقة بنفسها ستكون شريكاً أكثر عقلانية في المفاوضات المتوقعة في الشرق الأوسط. كذلك، فإن إسرائيل تتعاون مع دول مثل هولندا وألمانيا، إذ تحصل إسرائيل من هاتين الدولتين على الأموال التي تخصصانها لمساعدة الدول النامية، بينما تقدم هي الكوادر المطلوبة للتنفيذ.(6) 

 العودة: حملة دبلوماسية كثيفة

تلقفت إسرائيل هذه المتغيرات لتردفها بحملة دبلوماسية كثيفة في اتجاه دول أفريقيا، في حركة كانت تعبيراً عملياً عن خطة إسرائيلية لكسر حلقة العزلة في أفريقيا، واستنفاد الفائدة القصوى من المتغيرات الإقليمية والدولية الجارية. وكانت سنة 1981 سنة عودة الليكود إلى الحكم، إذ تولى يتسحاق شمير منصب وزير الخارجية، وأريئيل شارون منصب وزير الدفاع.

إن شارون هو صاحب النظرية الاستراتيجية القائلة إن أمن إسرائيل يتجاوز الدول العربية، ليمر بتركيا وباكستان وإيران وأفريقيا، معتبراً هذه الأخيرة ذات موقع استراتيجي مهم، كعمق للدول العربية يتيح الوجود فيها التسبب بمتاعب للدول العربية، كما في جنوب السودان، والحصول على موقع استراتيجي فعال في البحر الأحمر. وبالنسبة إلى شمير، فإن دول أفريقيا تتمتع بثقل دبلوماسي هائل، إذ تشكل أصواتها ثلث أصوات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتستطيع وحدها – إذا أجمعت – أن ترجح كفة أي قرار سلباً أو إيجاباً.

تناوب المدير العام لوزارة الخارجية دافيد كمحي، وأريئيل شارون يوم كان وزيراً للدفاع، ويتسحاق شمير وزير الخارجية، وشمعون بيرس رئيس الحكومة، على زيارة الدول الأفريقية والاتصال بها. وكانت زيارات كمحي إلى أفريقيا سرية غالباً، وعلنية نادراً، بحيث يمكن التقدير أنه لم يترك دولة إفريقية واحدة من دون أن يقوم بزيارة لها، إلى أن عُيّن أخيراً سفيراً متجولاً في أفريقيا.

افتتح يتسحاق شمير وزير الخارجية، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في تشرين الأول/أكتوبر 1981، حملة تضمنت عرضاً إسرائيلياً لتصدير التكنولوجيا إلى الدول النامية. وفي تشرين الثاني/نوفمبر، من السنة نفسها، قام أريئيل شارون وزير الدفاع بزيارة سرية للغايون وجمهورية أفريقيا الوسطى وساحل  العاج وزائير وليبيريا والسنغال، ووقع خلالها اتفاقات عسكرية سرية مع الغابون وزائير، وتم فتح مكاتب لرعاية المصالح الإسرائيلية في كل من جمهورية أفريقيا الوسطى والغابون.

بعد بدء الانسحاب الإسرائيلي من سيناء، في آذار/مارس 1981، والذي وفّر ذريعة مهمة للدول الإفريقية كي تعيد علاقاتها بإسرائيل، ارتسمت الأحداث التالية لعودة هذه العلاقات:

  • في 15 أيار/مايو 1982، أعلنت زائير أنها ستيعد علاقاتها الدبلوماسية بإسرائيل، وتبع ذلك زيارات ولقاءات كان أبرزها يتسحاق شمير لأفريقيا وزائير.
  • تركزت الاتصالات الإسرائيلية على ليبيريا، بصورة سرية، إلى أن تم استئناف العلاقات في آب/ أغسطس من السنة نفسها. وبعد ذلك بأسابيع قام رئيس الدولة، صموئيل دو، بزيارة لإسرائيل.(7)
  • في كانون الأول/ديسمبر 1985، اجتمع رئيس الحكومة شمعون بيرس، إلى رئيس ساحل العاج هوفوا بوانيي، في جنيف. وقد صدر في إثر هذا الاجتماع بيان مشترك أوصى حكومتي البلدين باستئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما. وفعلاً، استؤنفت هذه العلاقات في شباط/ فبراير 1986.
  • في آب/ أغسطس 1986، قام رئيس الحكومة شمعون بيرسن، بزيارة دولة الكاميرون. وفي الشهر نفسه، استأنفت الكاميرون علاقاتها الدبلوماسية بإسرائيل. وقال بيرس، بعد عودته من الكاميرون، إن لدى إسرائيل اليوم علاقات بأهم الدول الأفريفية، وأنه فوجىء بأن رئيس الكاميرون يتلقى دروساً في التوراة اليهودية.(8)
  • في شباط/فبراير 1987، قام وفد من ليبيريا يضم رئيس مجلس النواب ورئيس أركان الجيش وشخصيات أخرى، بزيارة إسرئايل حيث بحث مع رئيس حكومتها يتسحاق شمير في سبل توثيق العلاقة بين البلدين.
  • في نيسان/ أبريل 1987، اجتمع وزير خارجية إسرائيل، في إطار اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى نظيره النيجيري، وتم الاتفاق على استئناف العلاقات الدبلوماسية على أدنى مستوى، أي مكاتب تمثيل مصالح.
  • في تشرين الثاني/ نوفمبر 1987، اجتمع وزير الخارجية شمعون بيرس، إلى رئيس جمهوري السنغال عبدو ضيوف، الذي قال إن أبواب بلده ستكون مشرعة أمام زيارات الإسرائيليين كخطوة لتحسين العلاقات. وأشار ضيوف إلى أن بلده مهتم بالتعاون مع شركات إسرائيلية.(9)

يتضح من خلال التحرك الدبلوماسي الإسرائيلي النشيط أن إسرائيل تمكنت، منذ بداية عقد الثمانينات حتى نهايته، من إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بثماني دول إفريقية (أنظر الخريطة)، وإيجاد ممثليات للمصالح الإسرائيلية في دول عديدة، والحصول على وعود من عدة دول باستئناف العلاقات لاحقاً. وإذا كانت المحصلة الراهنة للنشاط الإسرائيلي تبدو ضئيلة في الظاهر، قياساً بالجهود الدبلوماسية الكبيرة التي وظّفتها إسرائيل، ولا تزال توظّفها في الساحة الإفريقية، فإن مسارها البطيء -  لكن المتواصل – يشير إلى إمكان كبير للنجح الإسرائيلي في العودة إلى معظم الساحة الأفريقية، ما لم تطرأ عوامل جديدة معاكسة من نوع الضغوط العربية الاعتراضية لهذا المسار.

 

 

 العلاقات العسكرية*

يشكل الوجه العسكري للعلاقات بإفريقيا العمود الفقري في شبكة العلاقات هذه، وغالباً ما يكون الأول بينها. وقد بدأت المساعدة العسكرية لبعض دول أفريقيا قبل استقلالها؛ فقد أرسلت أوغندا وغانا عسكريين للتدرب في إسرائيل سنة 1962. وعادت أول مجموعة من الضباط التنزانيين من إسرائيل قبل يومين فقط من الاستقلال. وتدرب في إسرائيل أو طيارين من أثيوبيا وغانا وأوغندا، بالإضافة إلى طاقم الطيران المدني النيجيري. وأنشأت إسرائيل أول مدرسة حربية في غانا سنة 1966، بلغ عدد أفراد البعثة العسكرية الإسرائيلية 100 شخص، وكانت الثانية في الحجم بعد الولايات المتحدة. وفي أوغندا، كانت البعثة العسكرية الإسرائيلية أكبر بعثة أجنبية في البلد سنة 1965، وكان الجيش وجهاز الاستخبارات وضباط الشرطة يتلقون تدريباتهم على يد الجيش الإسرائيلي. وكان الوضع في سيراليون مشابهاً خلال سنة 1964.(10)  والجدير بالذكر أن فترة قطع العلاقات الدبلوماسية لم تؤثر، غالباً، في التعاون العسكري.

بعد إعادة سيناء إلى مصر، كانت زائير أول دولة تعيد علاقاتها بإسرائيل. كما أنها طلبت مساعدة إسرائيل عسكرياً في غثر محاولة الانقلاب الفاشلة فيها. وعندما قام أريئيل شارون بزيارتها سنة 1983، تم توقيع معاهدة سرية للتعاون العسكري، تقوم إسرائيل بموجبها بتدريب وحدات الجيش الزائيري، وفق خطة خمسية تتضمن إنشاء فرقة من 12,000 رجل في قاعدة شابا. وتعهدت إسرائيل أيضاً بتدريب الحرس الجمهوري، وبتزويد زائير بمعدات عسكرية سوفياتية من الأسلحة التي غنمتها من لبنان في أثناء اجتياحه سنة 1982.

وفي 17 أيار/ مايو، زار وزير الدفاع الزائيري إسرائيل، وأدلى بتصريح فور وصوله اتهم فيه إسرائيل بعدم، احترام التزاماتها العسكرية تجاه زائير. وقال الوزير لدى لقائه رئيس الحكومة، يتسحاق شمير، إن إسرائيل وعدت زائير بمساعدة عسكرية بشروط ملائمكة في مقابل إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.(11)

على صعيد العلاقة بليبيريا، تقوم إسرائيل بمساعدة الجيش الليبيري في قمع التمرد على النظام، وعقدت صفقة عسكرية بقيمة عشرة ملايين دولار، شملت تسليم الجيش الليبيري 3 طائرات من نوع "عرافا" وتدريب طواقم جوية ليبيرية على قيادة الطائرات. وعلم أن ليبيريا معنية بشراء أسلحة خفيفة وطائرات نقل ومعدات قتالية. وقد وعدت إسرائيل بأن تطلب من الولايات المتحدة تمويل الصفقة.

أما وضع الكاميرون، لجهة التعاون العسكري، فلا يختلف عن باقي دول أفريقيا؛ إذ يقوم الخبراء الإسرائيليون بتدريب الجيش الكاميروني. وذكرت الصحف أن شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية قد باعت الكاميران 12 طائرة من نوع "كفير:، و4 طائرات من نوع "عرافا". وقد بلغت قيمة هذه الصفقة 50 مليون دولار.(12) 

 

أثيوبيا: أهم المواقع الاستراتيجية

تعتبر أثيوبيا إحدى أهم الدول الإفريقية من وجهة النظر الاستراتيجية الإسرائيلية، كونها البلد الوحيد غير الغربي الذي يحول دون أن يصبح البحر الأحمر بحراً عربياً. والتحالف الإسرائيلي معها يساعد إسرائيل في الوجود العسكري في البحر الأحمر، ويسهل دعمها للانفصاليين في جنوب السودان، علاوة على الاهتمام الإسرائيلي بضرب ثورة أريتريا لأن انتصارها يعني قيام دولية عربية جديدة هناك.

ولقد سبق أن قال دافيد بن – غوريون، في الخمسينات، "إن أهم أعمال إسرائيل الاستراتيجية هو تطويق الدول العربية بشكل من أشكال التحالفات بين إسرائيل وتركيا وإيران وأثيوبيا."(13)   لذلك كانت أثيوبيا أول بلد إفريقي أقامت إسرائيل فيه قنصلية لها سنة 1956. وفي عهد الامبراطور هيلاسلاسي، كانت البعثة العسكرية الإسرائيلية تقارب في حجمها بعثة الولايات المتحدة، إذ بلغ عدد أفرادها نحو 100 ضباط وفني. ومنذ ذلك التاريخ، يقوم ضباط من الجيش الإسرائيلي بتدريب وحدات المظليين وقادة الشرطة الأثيوبية. وحتى بعد أن قطع الامبراطور علاقاته بإسرائيل بعد حرب 1973، استمر التعاون العسكري بين البلدين، ولم ينسحب المستشارون العسكريون مع السفير الإسرائيلي.(14)  

في سنة 1977 تحدثت صحف فرنسية عن امتلاك إسرائيل قاعدتين جويتين في باب المندب. وفي السنة نفسها، تناقلت الصحافة أخباراً عن مشاركة مستشارين عسكريين إسرائيليين في القتال إلى جانب الجيش الأثيوبي في معركة أوغادين. وأنه لمن المفارقات التاريخية أن هذا التعاون استمر بعد الانقلاب الماركسي بقيادة منغيستو هيلا مريام.

لقد كشفت صحيفة "فورين ريبورت" أن مدربين إسرائيليين أشرفوا على تدريب سبع فرق جديدة للجيش الأثيوبي الذي كان يقاتل في أريتريا، وأن طيارين إسرائيليين يقومون بالتحليق فوق البلد.(15) 

في تشرين الثاني/نوفمبر 1989، جددت أثيوبيا علاقاتها بإسرائيل. وترافق ذلك مع أخبار كثيرة عن تعزيز التعاون العسكرية بين البلدين، وخصوصاً بعد أن باشر الاتحاد السوفياتي سحب مستشاريه من أثيوبيا. ويبدو أن هذا ما حدا حاكم أثيوبيا على محاولة الاعتماد الكلي على الدعم العسكري الإسرائيلي. ويظهر أن إسرائيل عقدت صفقة كاملة مع حاكم أثيوبيا، تضمنت تزويده بالأسلحة في مقابل تجديد العلاقات والسماح لليهود بالهجرة من أثيوبيا.

في التاسع من كانون الأول/ ديسمبر 1989 صرح الرئيس جيمي كارتر، رئيس الولايات المتحدة السابق، أن إسرائيل (لم يسمّها في التصريح) زوّدت النظام الأثيوبي بالقنابل الانشطارية، حيث سيستخدمها سلاح الجو ضد السكان المدنيين في شمال أثيوبيا وغربها.

ونقلت صحيفة "هآرتس" عن الصحافة الأجنبية،(16)   أن التفاوض بشأن الصفقة التي عقدتها إسرائيل مع أثيوبيا استمر ستة أشهر، وهي تتضمن تقديم مساعدات عسكرية وذخائر وقطع غيار لأسلحة من إنتاج الاتحاد السوفياتي، على أن يسمح لإسرائيل بإنشاء محطة تنصّت لحاجات الاستخبارات الإسرائيلية.

ومؤخراً، أشارت الصحافة الإسرائيلية إلى قيام وفد من كبار ضباط أسلحة الجيش الإسرائيلية، برئاسة ضابط برتبة لواء، بزيارة أثيوبيا لدراسة المتطلبات العسكرية للجيش الأثيوبي. ونقلت الصحافة الإسرائيلية، عن الصحف الأجنبية، أن ثمة صفقة لبيع 15 طائرة من نوع "كفير" لأثيوبيا.(17)   ومن المعروف أن الولايات المتحدة الأميركية اعترضت لدى إسرائيل على تزويد منغيستو بأسلحة أميركية، وهي تجري تحقيقاً في شأن صحة تزويده بالقنابل الانشطارية. وفي هذا الوقت لمحت الصحافة الإسرائيلية إلى أن القنبلة من إنتاج إسرائيلي، لكن ذلك لم يؤد إلى سكوت الأميركيين لأن إسرائيل استخدمت تكنولوجيا أميركية.

ويدور نقاش في شأن هذا الموضوع بين تيارين داخل الحكومة الإسرائيلية: التيار المؤيد لـ"عودة عسكرية" إلى إفريقيا، وتجاوز اعتراض الولايات المتحدة؛ ومبرر ذلك أن هذه العودة ستساعد الغرب في تعزيز موقع ذي أهمية استراتيجية كبيرة، وأن واشنطن ستكون راضية في النهاية، علاوة على المصلحة الإسرائيلية في إنقاذ يهود أثيوبيا (الفلاشا). أما التيار الآخر فينادي بعدم الاستجابة لطلبات الحكم في أثيوبيا، نظراً إلى ضعف النظام وتقدم الثوار الأريتريين والتيجرانيين وإمكان سقوطه. إذ يمكن في هذه الحالة أن ترتد المسألة سلباً على إسرائيل. وبالإضافة إلى ذلك، يقول هذا التيار إن لجوء حاكم إثيوبيا إلى إسرائيل كان نتيجة خروج المستشارين السوفيات ورفض الأميركيين التعاون، وليس حباً بها. ومن يعتقد أن أميركا ستكون راضية لا يكون قد رأى بوضوح أبعاد التغييرات التي حدثت في علاقات الدولتين العظميين.(18)  

لقد نفت إسرائيل خبر الصفقة في صحافتها، وأكدت أنها اتخذت قراراً بعدم الاستجابة لطلبات الحكم الأثيوبي، على الرغم من القرائن المعاكسة كلها. لكن رئيس الحكومة، يتسحاق شمير، أكد أن إسرائيل جددت علاقاتها بإثيوبيا من أجل "تحقيق الهدف الأساسي لنا في إثيوبيا – جمع شمل العائلات المشتتة." وأكد أن "عملية موسى" لا تزال مستمرة وأنه شخصياً على علاقة بالهجرة من أثيوبيا.(19)   أما رحاميم ألعازار، رئيس المجلس الوطني ليهود إثيوبيا، فيقول أن الجالية اليهودية في إثيوبيا أوضحت لإسرائيل سابقاً أنه لا يمكن إعادة العلاقات الدبلوماسية من دون تهجير  اليهود البالغ عددهم 18,000 نسمة. وفي تأكيد لما أُشيع عن تدريب اليهود الأثيوبيين وإرسالهم إلى إثيوبيا، قال "إن اليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل واكتسبوا ثقافة وتأهيلاً، في المجالات المختلفة، سيعودون إلى إثيوبيا لمساعدة السلطات." ويبلغ عدد اليهود الأثيوبيين في إسرائيل، الذين تم نقلهم في "عملية موسى"، أكثر من 16,000 نسمة.(20) 

في أية حال، يشكل الوجود الإسرائيلي في إثيوبيا خطراً داهماً على العرب، وخصوصاً لجهة دعم إسرائيل لحركة الانفصاليين في جنوب السودان. فقد ذكرت وكالات الأنباء في 10 تشرين الثاني/نوفمبر 1989 – نقلاً عن مصادر دبلوماسية – إن زعيم المتمردين، غارنغ، غادر العاصمة الأثيوبية سراً إلى إسرائيل، حيث اجتمع إلى رئيس الأركان الإسرائيلي، دان شومرون، وطالب بتدريب 10 طيارين على قيادة مقاتلات خفيفة لشن هجمات على القوات الحكومية، وتزويده بنظام دفاعي جوي متطور.

خطر التدخل في جريان نهر النيل

 إن أخطر مشكلة أُثيرت نتيجة وجود إسرائيل بقوة في إثيوبيا، هي إمكان التدخل في جريان نهر النيل، الذي يعتبر مصيرياً بالنسبة إلى السودان ومصر بصورة خاصة. ومصدر الخطورة في هذا الموضوع كون 85% من مياه نيل مصر تأتي من مصادر في إثيوبيا، و15% فقط تأتي من منابع أعالي النيل في أوغندا وزائير. وغني عن البيان أهمية النيل كمصدر رئيسي، وشبه وحيد، لتزويد مصر والسودان بمياه الشفة والري.

لقد عكست الصحافة قلق مصر  واهتمامها بالدور الإسرائيلي في إثيوبيا "لجهة تأثيرها في الساحة الإفريقية عامة، وفي العلاقات المصرية – الأثيوبية خاصة." ونقلت عن مصدر رسمي في وزارة الخارجية المصرية قوله: "إن أهم ما تدرسه الوزارة هو ما تردد عن مسح إثيوبيا الأراضي بمساعدة إسرائيلية، تمهيداً لإنشاء عدد من السدود على منابع نهر النيل للتحكم بالمياه التي تصل إلى السودان ومصر."(21)    والجدير بالذكر أن إثيوبيا ترفض حتى الآن الانضمام رسمياً إلى اتفاق دول حوض النيل المسماة "الأوندوغو"، وتحضر اجتماعاتها بصفة مراقب فقط.

وكشفت معلومات صحافية، لم تتأكد رسمياً، أن "مصر وجهت إنذاراً إلى أدريس أبابا بعد ورود أنباء عن نشاطات إسرائيلية في الأراضي الأثيوبية قد  تؤثر في جريان نهر النيل." وأوضحت هذه المعلومات أن هذه النشاطات تشمل "دراسات إسرائيلية" أُجريت على التربة الأثيوبية للبحث في إمكان بناء ثلاثة سدود تمثل جزءاً من برنامج واسع لتطوير الزراعة والري في إثيوبيا." وأكدت المعلومات الصحافية أن اديس أبابا تلقت رسالة مصرية عبر ليبيا تشدد على "أن مصر لن تسمح بأية محاولة للتدخل في جريان نهر النيل."(22)  

وشارك السودان مصر في قلقها، إذ صرح وزير الري السوداني، يعقوب موسى أبو شوري، أن "بناء سد على النيل الأزرق في إثيوبيا سيؤثر على كمية مياه النيل في السودان ومصر"، مشيراً إلى اهتمام البلدين بإجراء مفاوضات مع إثيوبيا في شأن تقاسم مياه النيل. لكن السفارة المصرية في تل أبيب أفادت بأن المسؤولين الإسرائيليين كذّبوا الأنباء التي ترددت عن مشاركة خبراء إسرائيليين في إقامة سد على النيل الأزرق في إثيوبيا.(23) 

بين النفي الإسرائيلي غير المباشر للعمل على إقامة سدود إثيوبيا، والقلق العربي في هذا الصدد، تبقى حقيقة واضحة لا لبس فيها، وهي أن إسرائيل تعود إلى إثيوبيا على نطاق واسع، عسكري وغير  عسكري، ولا شيء يردعها عن التعاون مع السلطات الأثيوبية في المجالات كافة، ومنها إنشاء سدود على النيل الأزرق.

آفاق العودة الإسرائيلية

والعوامل المعيقة والمساعدة

عبر جهد دبلوماسي كبير، بكل المقاييس، ونشاط طوال عقد من الزمن، استطاعت الدبلوماسية الإسرائيلية إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بثماني دول هي: زائير، وليبيريا، وساحل العاج، والكاميرون، وجمهورية إفريقيا الوسطى، والتوغو، وكينيا، وإثيوبيا. والدول المرشحة لإعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة هي: نيجيريا، وأوغندا، وموزامبيق، وزامبيا، وغينيا، والسنغال، وأنغولا، وغانا، والغابون، وفولتا العليا. وتحتفظ إسرائيل بمكاتب لرعاية مصالحها في تسع دول إفريقية، يمكن أن يكون بعضها دولاً مرشح لاستئناف العلاقات.

في المحصلة، توجد علاقات لإسرائيل، على مستويات مختلفة، بأكثر من عشرين دولة. وبصورة عامة، فإن عدد الدول الإفريقية التي تعاني صراعات داخلية أو خارجية هو قليل، وبالتالي لا يشكل هذا الاعتبار أساساً يمكن من خلاله الحكم على نوعية الدول التي تعيد علاقاتها بإسرائيل، على الرغم من أن أنظمة الحكم الدكتاتورية هي الأكثر تعاوناً مع إسرائيل، وخصوصاً من الناحية العسكرية التي لا بد من أن تجر إلى شكل من أشكال العلاقات الدبلوماسية. يضاف إلى ذلك عامل الرغبة في تحسين علاقات الدول الإفريقية بالولايات المتحدة، والحصول على مساعدات أميركية تساعد في حل الأزمة الاقتصادية العامة في دول إفريقيا. ولكون إسرائيل تطرح نفسها جسراً بين هذه الدول والولايات المتحدة، وهي كذلك غالباً، فإن هذا العامل يشكل أحد الاعتبارات المهمة في إعادة العلاقات بإسرائيل.

ومن خلال التدقيق في العوامل التي أدت إلى قطع العلاقات، لا يشكل العامل الديني عاملاً حاسماً في العلاقات الإسرائيلية – الإفريقية؛ فغينيا، على سبيل المثال، التي تبلغ نسبة المسلمين فيها 80%، لم يؤخرها هذا العامل عن إعادة العلاقات بإسرائيل. كما أن السنغال، التي تبلغ نسبة المسلمين فيها 85%، لا يعيقها هذا العامل عن التعاون مع إسرائيل إلى حد الاستعداد لإعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة. وينطبق هذا الأمر على باقي الدول الإفريقية ذات الأقليات الإسلامية الكبيرة أو الصغيرة.

إن مراجعة للجدول رقم 1، وإجراء بعض المقارنات يشيران إلى أن العامل الديني عامل ثانوي التأثير، وأن عامل العلاقات بمصر أكثر أهمية من العوامل الأخرى وهو يطغى عليها. وتشكل تجربة الدول العربية السلبية عاملاً مساعداً في عودة العلاقات، بالإضافة إلى النجاح الإسرائيلي – قبل قطع العلاقات، وفي الوقت الحاضر – في تقديم تجربة ناجحة في تنفيذ مشاريع حيوية لا تزال تترك بصماتها على دول إفريقيا. ولا يمكن الاستهانة بالرصيد الأميركي الموضوع في خدمة العلاقات الإسرائيلية – الإفريقية، أو برصيد المساعدات الألمانية والهولندية التي تنفذ عبر إسرائيل.

يمكن الاستخلاص من مجمل الموضوع، أن النجاح الإسرائيلي لم يكن باهراً خلال العقد الماضي، غير أنه نجاح لا يستهان به  ويجب عدم التقليل من أهميته، على الرغم من تواضعه قياساً بالجهد الدبلوماسي الكثيف والمتواتر. لكن آفاق العلاقات الإسرائيلية – الإفريقية مرهونة بعدة عوامل تتعلق بمنحى الصراع العربي -  الإسرائيلي من جهة، وبتحرك الدبلوماسية العربية من جهة أخرى.

وفي حال خرج مسار التسوية العربية – الإسرائيلية من مأزق التأزم نحو انفراجات عملية، كبدء الحوار الفلسطيني – الإسرائيلي مثلاً، فمن غير المستبعد أن تحسم الدول الإفريقية المترددة خيارها في اتجاه إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بإسرائيل. هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، ستؤدي السياسة العربية إزاء إفريقيا دوراً مهماً في كبح، أو تسريع إعادة العلاقات، بنهجها المقبل في التعاطي مع الدول الإفريقية. فإذا تمكنت من ترميم العلاقات وترميم المؤسسات الأفرو – العربية، بجدية أكبر في التعاطي مع أزمات إفريقيا، يمكن أن تشكل عاملاً معرقلاً لهذه العودة. أما في حال المراوحة، الذي لا يبدو أنه سيتغير في المدى المنظور – وخصوصاً مع الاسترخاء المتوقع في حال إقلاع مسار التسوية، فمن المرجح أن تعود إسرائيل إلى إفريقيا وتستعيد مجد الخمسينات بزخم أكبر كثيراً.

 15/3/1990

 

(1)   "سكيراه حودشيت"، العدد 6، حزيران/ يونيو 1984، ص 19.

(2)   المصدر نفسه.

(3)    محمد عبد الغني السعودي [وآخ]، "العلاقات العربية الأفريقية: دراسة تحليلية في أبعادها المختلفة"، بإشراف محمود خيري عيسى (القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية، 1978)، ص 277.

(4)   Arye Oded, Africa and the Middle East Conflict (Boulder, Colorado: Lynne Rienner  Publishers, 1987), p. 76.                                                                                      

(5)   أنظر: "نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية"، العدد (10)، تشرين الأول (أكتوبر) 1981، ص 639.

(6)   "هآرتس"، 8/1/1986.

(7)   "سكيراه حودشيت"، العدد 8، 1986، ص 28.

(8)  "هآرتس"، 7/9/1986.

(9)   المصدر نفسه، 20/11/1987.

*   لا يغطي هذا الموضوع جميع الدول الأفريقية، بقدر ما يتناول الدول التي أعادت علاقاتها الدبلوماسية بإسرائيل. ومن الثابت أن الوجود الإسرائيلي في دول أفريقيا مقرون دائماً بشكل من أشكال التعاون العسكري المتفاوت بين إسرائيل وتلك الدول.

(10)   Olusola Ojo, Africa and Israel Relations in Perspective (Jerusalem: Leonard David Institute for International Relations – the Hebrew University, 1988), pp. 20-21.                        

(11)   "دافار"، 18/5/1987.

(12)   المصدر نفسه، 27/8/1968.

(13)   نقلاً عن: "الحياة" (لندن)، 19/12/1989.

(14)   رون بن – يشاي، "ملحق يديعوت أحرونوت"، 12/1/1990.

(15)   Ojo, op.cit., p. 74.

(16)   "هآرتس"، 10/12/1989. يمنع على الصحافة الإسرائيلية نشر الأخبار العسكرية، بموجب أنظمة الرقابة على الصحف. لذلك تنسب الصحافة الإسرائيلية هذا النوع من الأخبار إلى صحف أجنبية.

(17)   زئيف شيف، "هآرتس"، 4/2/1990.

(18)   "هآرتس"، 14/1/1990.

(19)   أنظر: المصدر نفسه، 18/11/1987؛ "معاريف"، 3/1/1985.

(20)   "دافار"، 5/1/1990.

(21)   "الحياة" (لندن)، 8/1/1990. من اللافت للنظر أن الصحافة المصرية الصادرة في التاريخ لم تورد تصريح المصدر الرسمي المشار إليه.

(22)   المصدر نفسه.

(23)   المصدر نفسه، 12/1/1990.

اقرأ المزيد