مسافر يطا… التمسك بالحياة بصفر مقومات
التاريخ: 
03/12/2020
المؤلف: 

إن قضاء يوم في مسافر يطا يعني العبور إلى حياة لا تشبه التي نعرفها، تبدأ بعد الفجر بسفر طويل من رام الله إلى قلب الخليل، ومن هناك تحتاج إلى مركبة أجرة خاصة للوصول إلى القرية الوحيدة في المسافر، التواني، جنوبي الخليل الصحراوي، على بعد ساعة أيضاً.

طول المسافة يجعلك تعتقد أن اسم "مسافر" مشتق من البعد وطول السفر، لكن بحسب الأهالي فإن التسمية مرتبطة بروايات أُخرى، إحداها تعود إلى الفترة العثمانية عندما كان جباة الضرائب يصلون إلى المنطقة فلا يجدون أحداً، فيسجلون قيمة الجرد "أصفاراً"، وأُخرى تتحدث عن قسوة الحياة في المنطقة التي كانت تُسمى "صفر يطا" أي أنها لا تصلح لشيء ولا حياة فيها.

وصلنا التواني عند الظهر، هي بوابة المسافر والأقرب إلى الحياة العادية، تفصلها ثلث ساعة عن بلدة الكرمل، وقرابة النصف ساعة من يطا العالم الأكبر بالنسبة إلى الأهالي هنا. قال سائق الأجرة "لا أستطيع مواصلة السير إلى الخرب الأُخرى، الطريق تحتاج إلى مركبة ذات دفع رباعي." في التواني استقبلنا فؤاد العمور منسق لجنة الحماية والصمود في المسافر، وهي اللجنة التي شكلها سكان المنطقة لمواجهة خطر الاحتلال والاستيطان من جهة، والتهميش الرسمي من جهة أُخرى.

"الطريق إلى الداخل صعبة جداً، نحن محظوظون بعدم سقوط المطر وإلاّ ما استطعنا الوصول" قال العمور مشيراً إلى الجنوب.

وفي هذا الجنوب تقع سائر التجمعات السكانية، أو الخرب كما يطلق عليها السكان هنا، وهي تضم بحسب دليل أصدره مركز الأبحاث التطبيقية "أريج" سنة 2009، بالإضافة إلى التواني 21 تجمعاً هي: الفقير، الطوبا، جنبا، المركز، الحلاوة، الفخيت، التبان، المجاز، خربة أصفي ( الفوقا والتحتا)، مغائر العبيد، البقلة، بير العبيد، قواويس، خربة المعقورة، الركيز، شعب البطم، خلة الديب، صارورة، ومنيزل.

يعيش في المسافر 1094 فلسطينياً حياة ذات طابع خاص تقوم على رعي الأغنام والزراعة، فالسكان يعيشون في هذه التجمعات ذات الطابع الفلاحي حياة البداوة منذ مئات السنين.

 

الجدة فاطمة في أرضها

 

نكبات متتالية

في قرية التواني لا ترى المنازل الحديثة إلاّ نادراً، إذ إن معظم البلدة بُني على الطراز القديم من الطين والقش، فالأوضاع الاقتصادية الصعبة للسكان وملاحقة الاحتلال لهم بالهدم جعلهم يلجأون إلى هذه المنازل بعد ترميمها .

توجهنا إلى الطريق المؤدية إلى الخرب الأُخرى، كل الطرق وعرة ومن دون أسفلت، ومن بعيد لمحنا سيدة مسنّة تحت شجرة زيتون تلتقط ما تساقط من حبات تحتها، "هذه جدتي فاطمة" قال العمور، والجدة هنا لقب استحقته السيدة التي عُرفت بقوتها، وتمسكها بالأرض قرّبها من أهالي التواني كبيرهم وصغيرهم.

فاطمة هدار، سُرقت أراضيها لتضم إلى إحدى المستعمرات، ومنزلها مهدد بالهدم، لكن الخروج من بيتها يعني هجرة ثالثة لن تسمح بها ولو كلفها ذلك حياتها: "راحت عيني وهومي بحاولوا يطلعوني من أرضي" قالت وهي تشير إلى عينها اليسرى التي فقدتها برصاصة جندي خلال اشتباكات وقعت بين أهالي الخربة والمستوطنين قبل سنوات.

هدار لا تذكر عمرها بالتحديد، تقول إنها خرجت من قريتها الأصلية في فلسطين المحتلة سنة 1948 وهي ابنة 20 عاماً، وكانت متزوجة وأمّاً لطفلتين، لجأت بهما إلى منطقة على مدخل بلدة يطا، وفي سنة 1967 مع احتلال الضفة طُردت وعائلتها التي كبرت واستقر بها الحال في التواني.

تتحدث بحسرة كبيرة عن قطعة أرض كانت تملكها في التواني وسيطر عليها المستوطنون وزرعوا فيها كروماً من العنب، تقول إنها على الرغم من الإصابة والشيّك الفاصل الذي بُني حولها تتسلل إليها باستمرار وتجلس في ظل أشجارها رغماً منهم.

وتمتد منطقة المسافر بمساحة تزيد على 30,000 دونم، وتتاخم المنطقة الجنوبية الفاصلة بين فلسطين المحتلة سنة 1948 وبقية فلسطين التي احتُلت سنة 1967، وهو ما جعلها مطمع الاحتلال والمستوطنين.

ففي السبعينيات أعلنتها سلطات الاحتلال بموجب قرار عسكري رقم 918 منطقة عسكرية، ومنذ ذلك الحين يحاول الاحتلال ترحيل السكان بشتى السبل. وفي سنة 1999 بدأت ملاحقة السكان بقرارات الإخلاء وهدم مساكنهم. وأُقيمت حول قرية التواني والخرب الأُخرى تسع مستعمرات يسكنها غلاة المستوطنين.

 

توانة

 

الأقرب إلى السماء 

واصلنا طريقنا إلى خربة خلة الضبع، وهي الأبعد بين كل الخرب والأكثر عزلة، الطريق إلى الخربة وعرة للغاية، لا تتوقف المركبة عن الهز بينما يواصل العمور حديثه عن الخرب الواقعة على طرفي الطريق، قال لنا عن المفقرة الواقعة إلى اليمين أن سكانها تركوها بفعل الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة وهدم منازلهم بالكامل في فترة الثمانينيات، لكنهم عادوا من جديد إلى أراضيهم، والآن يواجهون إخطارات بهدم جميع مساكنها، هي وخرب التبان والمجاز والحلاوة، ويضيف العمور:"600 فلسطيني مهدد بالكامل بالإجلاء في أي لحظة بعد دخول موعد الإخطار في العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر حيز التنفيذ."

وصلنا إلى خربة الضبع التي تقع أعلى جبال الخليل حيث السماء أقرب إلى الأرض، منها ترى الداخل الفلسطيني المحتل سنة 1948 وفي الوقت نفسه تطل على جميع خرب المسافر. لكن جمال الطبيعة تشوهه حال السكان الأصعب من كل الخرب، فهم يخوضون حربهم المستمرة للبقاء على الرغم من الملاحقة الاحتلالية من جهة والتهميش الرسمي من جهة أُخرى.

يقول جابر علي من سكان البلدة، وعضو لجنة مقاومة الاستيطان فيها إن الملاحقات لأهالي القرية مستمرة بهدم منازلهم وعدم السماح لهم بالبناء، فجميع المباني الموجودة سقفت بالصفيح، ومع ذلك لم تتوقف جرافات الاحتلال عن الهدم.

ويسكن القرية البالغ عدد سكانها 74 فلسطينياً، 14 عائلة تنتمي بالكامل إلى حمولة الدبابسة، من دون مرافق خدمات، فلا مركز صحياً ولا عيادات وحتى المدرسة الوحيدة في الخربة مهددة بالهدم.

ويقول رائد هديب، مدير المدرسة المكونة بالكامل من غرفتين وممر ضيق خصص للطاقم التعليمي، إن المدرسة تستقبل الطلبة من الصف الأول وحتى الرابع الأساسي، وينتظم في كل غرفة صفان في وقت واحد.

لكن ماذا عن الطلبة بعد الصف الخامس، يجيب هديب إنهم حتى الآن ينتظرون ترتيبات فتح صف جديد لهم، بينما الأطفال في بيوتهم.

قتيبة دبابسة، 10 سنوات، واحد من الطلبة وعددهم خمسة، تقول والدته زينب إنه يبكي كل يوم بعد خروج شقيقه الأصغر إلى المدرسة، فعلى الرغم من تخصيص الأهالي غرفة لتكون صفاً لا يزال الطلبة بانتظار الإجراءات الإدارية من وزارة التربية والتعليم لفرز معلم للصف.

يقول قتيبة إن الفصل الدراسي الأول شارف على الانتهاء قبل أن يلتحق بصفه أو أن يتابع دروسه التي قام بتحضيرها ذاتياً في المنزل: "أقول لوزير التربية إننا نريد صفاً جديداً لنكمل دراستنا."

يتمنى قتيبة أن ينهي دراسته ويدرس فن الطبخ في الجامعة، لكن هذه الأحلام تبدو أمامه، وهو المتفوق في دراسته، صعبة المنال إذا ما استمرت حال الدراسة على هذا المنوال.

المدرسة التي لا تتجاوز مساحتها 70 متراً، والتي بنيت بدعم من دول الاتحاد الأوروبي، لا تختلف عن باقي المدينة في خلة الضبع، فهي مسقوفة من الصفيح، وبنيت قبل ثلاث سنوات فقط بعد مصادرة الاحتلال كرفانات مدرستهم السابقة في سنة 2017، كما يقول المدير هديب.

بُعد خربة "خلة الضبع" هو ما جعل الأهالي يسعون لهذه المدرسة، ففي السابق كان الطلبة يضطرون إلى السفر إلى القرى القريبة، كما هي حال خربة الركيز التي يستقل طلابها حافلة خصصت لنقلهم إلى مدرسة التواني القريبة، ومن أراد منهم إكمال دراسته في التخصصات العلمية عليه السفر إلى بلدة الكرمل

 

خربة الفخيت

اللجوء إلى رحم الأرض 

يحتاج الوصول إلى خربة الركيز التي وصلناها في طريق العودة من خلة الضبع، المشي على الأقدام، فلا تصلها المركبات، ويستخدم السكان هنا تراكتورات الدواب للتنقل، وإيصال أطفالهم صباحاً إلى الطريق الرئيسية حيث تقف الحافلة لنقلهم.

في هذه الخربة الحياة بدائية أكثر من التواني وخلة الضبع، فحتى المساكن (عبارة عن أعمدة حديد مسقوفة بالصفيح ومجللة بالنايلون) تلاحقها جرافات الاحتلال بالهدم كما جرى مع عائلة الطحان في 30 سبتمبر/ أيلول الماضي.

الشقيقان عامر ورائد الطحان، اللذان هُدمت مساكنهما وبركساتهما، يمثلان حالة الخربة. عامر الطحان وزوجته وابنه الوحيد يامن، تسع سنوات، وجدوا ملجأً لهم في مغارة في رحم الأرض، لكن رائد، وهو أب لخمسة أبناء، وجد نفسه وعائلته في العراء.

تقول زوجة رائد: "هدم بيتنا على كل ما فيه، وفي اليوم الثاني تلقينا خيمة من الصليب الأحمر لكن جرافات الاحتلال عادت من جديد وهدمتها."

والعيش في المغارة ليس خيار عائلة عامر الطحان فقط، فمعظم أهالي الخربة والخرب القريبة يلجأ إلى هذه المغارات التي يطلق عليها السكان اسم الطور مع كل هدم لمساكنها.

وعلى الرغم من كل هذه المعاناة يؤكد أهالي كل الخرب تمسكهم بالأرض وعدم تركها للمستوطنين للسيطرة عليها: "نحن لا نعرف سوى هذه الأرض وطناً لنا ولن نتركها مهما كانت المعاناة"، قالت زوجة الطحان.

عن المؤلف: 

عزيزة نوفل: كاتبة صحافية مقيمة في رام الله، متخصصة في الصحافة الاستقصائية وتغطية القضايا الاجتماعية والثقافية.

Read more