ابني، لا أريدك أن تضعف
التاريخ: 
25/11/2020
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
الأسرى

عوفر .... مشاعر متناقضة

في طريق العودة إلى مكان احتجازي في سجن نفحة، بعد أن تمكنت من زيارة والدتي ولقائها للمرة الأخيرة، وقفت داخل مركبة (البوسطة) لأشاهد من خلال شِباكٍ مرتفعة وضيقة البلدات والأحياء التي نمر بها.

تتصارع الأفكار في رأسي عن جدوى هذه الحياة ومعاني أوجهها المتعددة الحالية والمستقبلية. كنت أدرك أن هذه اللحظات ربما تكون الأقسى في مسيرة حياتي، كأني أعبر من مرحلة إلى أُخرى تأخذني نحو المجهول، ونحو عدم اليقين حول ما هو آت. وعلى الرغم من معاناتي المستمرة والطويلة خلالها في داخل الأسر، فإن شيئاً ما كان يُشعرني بالطمأنينة والأمان، وأن لا خشية من المستقبل، إنه وجود والدتي والشعور بحضورها أينما كنت.

في اليوم الثالث من الإضراب عن الطعام الذي خاضته الحركة الأسيرة في سنة 2004 للمطالبة بتحسين شروط الحياة داخل السجون والمعتقلات، كنت في محكمة عوفر الاحتلالية لحضور جلسة لاستئناف الحكم الصادر بحقي لثلاثين عاماً.

دخلت قاعة المحكمة فوجدت والدتي وشقيقتي تجلسان بين عدد من أهالي المعتقلين الذين أتوا لحضور محاكمة أبنائهم. ومن دون أي جدل أو نقاش أو حتى مرافعة من جانب محاميَّ الخاص، أصدر القاضي قراره برفض طلب الاستئناف وتخفيض الحكم الصادر بحقي. لم أكترث كثيراً بما قاله القاضي، بل انصبّ كل تركيزي تجاه والدتي، فأنا أخشى من وقع هذا الرفض على مشاعرها وهي التي ارتبطت بي حتى الجنون، فقد كنت عالمها ودنياها. ابتسامة ترتسم على محياها ممزوجة بالحسرة، لكن عينيها كانتا تقولان لي، لا تقلق كل شيء سيكون على ما يرام. غريبٌ شأن هذه المرأة، تتألم، تحزن، تفجع، لكنها أبداً لا تفقد الأمل.

 من يحاكمهم هم؟

في ذلك الوقت لم أكن أعي تماماً ماهية هذه المنظومة التي تتحكم بمصيري ومصير آلاف من زملائي الأسرى، وماذا يعني أن تُحاكم أمام محاكم عسكرية، وهل هي محاكم حقيقية أم صورية؟ كل هذه الأسئلة والتفصيلات لم تكن تخطر في بالي، لكن ما كنت أعيه وأشعر به هو عنصريتها، فالسؤال الذي كان يراودني حينها، إذا كانت هذه الدولة تعتبر ما قمت به أنا وزملائي الأسرى عملاً تخريبياً وإرهابياً ومخالفاً للقانون ونستحق عقوبة السجن عمّا اقترفناه، فلمَ لا أجد أحداً من الاسرائيليين يُحاكَم مثلنا؟ ألم يرتكبوا هم جرائم بشعة؟ ألم يقتلوا آلاف الفلسطينيين في إبان الانتفاضة الثانية أضعاف ما قُتِل من الاسرائيليين؟ من يحاكمهم هم؟ أم أن ما يسري عليهم لا يسري علينا؟ هل دمهم أثمن وأغلى من دمنا؟ كل هذه الأسئلة راودتني وخلصت، انا ابن الواحد والعشرين عاماً حينها، إلى نتيجة أننا بين يدي نظام عنصري لا يرانا إلاّ أدنى مرتبة ومنزلة منه.

بعد ثماني سنوات من رفض طلب الاستئناف، يتم إخباري بإصابة والدتي بمرض السرطان، كان وقعه قاسٍ عليّ، حلمي الذي عشته لسنوات بأن احتضنها بعد تحرري أصبح مهدداً، كينونتي المرتبطة عاطفياً ووجدانياً بها اهتزت أركانها.

لكن الغريب في الأمر أنني لم أجد في الزيارات التالية هذا الفزع الموجود لدي يتملكها، بل على العكس كانت هادئة واثقة بأنها ستتغلب على المرض، وأصبحتْ أكثر يقيناً من قبل بأنني لن أقضي ما تبقى لي من محكومية داخل السجن، وأن تحرري بات قريباً، لا أعرف مصدر هذه الثقة ومنبعها، لكنها بدت راسخة لديها.

تتوالى الأيام ويزداد المرض انتشاراً وحِدّة، وهي تزداد عنفواناً في مقاتلته. عند تشخيص مرضها قدّر الأطباء أنها لن تعيش إلاّ أشهراً معدودة، وها هي تكمل عامها الرابع في مصارعته، بينما كل المؤشرات تقول إن النهاية باتت وشيكة.

الزيارة الاخيرة

قدمت طلباً لإدارة السجن من أجل السماح لي بأن تزورني والدتي في سجن عوفر، حينها كنت محتجزاً في سجن نفحة البعيد في صحراء النقب، حيث لا تستطيع والدتي المنهكة الوصول إليّ، فالخيار أن يتم نقلي إلى سجن عوفر القريب من رام الله، لكن المعضلة أن هذا السجن كان مخصصاً للأسرى من ذوي المحكوميات "الخفيفة"، ولا يستقبل أي أسير محكوم مثلي. إلاّ إن جهوداً بُذلت من الصليب الأحمر وممثلي الأسرى ومحاميَّ الخاص  تكللت بالموافقة على طلبي.

وفعلاً، تم نقلي إلى عوفر، لكن عند وصول مركبة (البوسطة) إلى بوابة السجن استدارت وانطلقت في اتجاه المحكمة، وبينما كنت أراقب مسيرها من خلال الشباك شاهدت سيارة إسعاف تقف على زاوية الشارع، دلني حدسي أنها تقلّ والدتي.

مرة أُخرى يقودني القدر إلى محكمة عوفر وقد رفضت محكمة إدارة مصلحة السجون أن يكون اللقاء في سجن عوفر وتم الترتيب بأن يكون في إحدى مكاتب المحكمة.

تم وضعي في قفص محاط بسياج مكبل اليدين والقدمين في انتظار اقتيادي إلى المكان الذي خصص للزيارة. وبعد مرور ربع ساعة على وصولي يأتي أحد الضباط ويخبرني بأن والدتي في انتظاري، أسير إلى جانبه إلى أن أصل إلى باب المكتب حيث كانت. أطلب من الضابط تحريري من القيود كما جرت العادة داخل السجون بأن يسمح للأسير بزيارة أهله من دون أصفاد، لكن المفاجأة أنه رفض وأخبرني بأن الأوامر لديه أن أبقى مكبلاً.

أزعجني رده حتى الغيظ، حاولت مجادلته لكنه لم يتزحزح عن موقفه. قلبتُ الأمر في رأسي، أمر صعب ومؤلم أن تراني أمي للمرة الأخيرة والسلاسل تلف أطرافي، لا أريد أن يكون المشهد الأخير لي في عينيها على هذه الصورة، وفي المقابل أخشى إن رفضت دخول المكتب إلاّ بعد حل وثاقي أن يتم إلغاء كل شيء.

في النهاية حسمت أمري وأخبرت الضابط بأنني لن أقابل والدتي بهذا الشكل، فكان رده كما توقعت: إذن لن يُسمح لك برؤية والدتك وستتم إعادتك إلى نفحة. وتمت إعادتي إلى القفص ذاته الذي أتيت منه.

وبعد وقت من التوتر وشدِ الأعصاب جاءت ضابطة وأخبرتني بأنها أجرت اتصالاتها وأخذت موافقة من الجهات المسؤولة بأن يتم فك القيود عني في أثناء الزيارة، وفعلاً هذا ما تم. وعند دخولي إلى المكتب أذهلني منظر والدتي إلى درجة الصدمة، فأنا الذي تعودت أن أراها قوية صلبة دائمة الابتسامة، أجدها أمامي ملقاة على سرير منهكة، غيّر المرض ملامحها، جعلها إنسانة أُخرى، بدا عليّ التأثر من هذا المشهد ولم استطع إخفاء مشاعري. بقبضتها الرخوة ضربتني على صدري وبكلمات مثقلة بأوجاعها قالت لي: "لا أريدك أن تضعف". نعم، هذه هي أمي التي أعرفها والتي وإن تغيرت ملامحها، فإن روحها ما زالت كما هي، مقاتلة، عنيدة، لا تلين.

ما زالت ترافقني كلماتها في أثناء هذا اللقاء، أخبرتني عن أحلامها التي تراني فيها حراً أشق مستقبلي بعيداً عن عتمات السجن. التفاؤل لا يفارقها حتى وهي تدرك أنها ستفارق الحياة. رائعة هذه النفسية التي تمتلكها، لكن الواقع يقول إنني لن أبرح السجن حتى أنهي ما تبقى لي من قرار الحكم الاحتلالي.

نقطة ضوء

بعد مرور عامين على وفاة والدتي، وبينما كنت أمشى في ساحة سجن هدريم، بلغوني أن محاميَّ الخاص أتى لزيارتي، في البداية شعرت بأن هناك خلل ما، فالعادة جرت أن يتم تنظيم زيارات المحامين في ساعات الصباح أو ما بعد الظهر، أمّا أن يأتي المحامي لزيارة السجين في ساعات المغرب فهذا أمر مستبعد وغير معتاد.

وفعلاً، أكدوا لي أن المحامي ينتظرني وأنه عليّ أن أكون مستعداً لمقابلته خلال دقائق. عند دخولي إلى الغرفة المخصصة لمقابلة المحامين، أيقنت أن الأمر حقيقي إذ وجدت في الجهة المقابلة محامٍ صديق لعائلتي كان قد تطوع لمحاولة القيام بشيء ما ليخفف من السنوات التي حُكم عليَّ أن أمكثها في السجن، لقناعة تشكلت لديه بعد أن درس تفصيلات القضية التي حوكمت بسببها، وأن هناك مبالغة في الحكم مقارنة بالتهم الموجهة إليّ، وكان قد باشر العمل منذ ثلاث سنوات سبقت هذا اللقاء مع مواظبته على إبقاء آمال النجاح منخفضة، أيضاً لقناعته بأن المحاكم العسكرية لا يحكمها منطق القوانين والبراهين والحجج بقدر ما تحكمها الاعتبارات الأمنية، ولأن مسألة تعديل الأحكام أو تخفيضها، وخصوصاً بعد مرور أكثر من خمسة عشر عاماً على اعتقالي، هو أمر نادر الحدوث وإن لم يكن مستحيلاً.

وجدت في عينيه فرحة أتبعها بكلمات مفادها، بأنه تمكن من إيجاد ما سماها ثغرة قانونية في إجراءات المحاكمة التي خضعتُ لها، وأن هذه الثغرة هي هدية السماء، وأنهم سيدفعون ثمنها غالياً، لكنه عاد من اندفاعته إلى طبيعته المعهودة، فأكد أنه لا يريد رفع مستوى الأمل لديّ، أكثر من اللازم، إذ لا ضمانات تجاه منظومة المحاكم العسكرية.

مرّت تسعة أشهر، وبعد جهود مضنية بذلها الصديق المحامي، ها أنا مرة أُخرى في محكمة عوفر، لكن بمشاعر مختلفة عن المرات السابقة، ترقّب وأمل، حذر وحزم. أُجلت جلسات المحكمة ثلاث مرات متتالية في ذلك اليوم في محاولة من الصديق المحامي تحقيق أفضل نتيجة من خلال جلسات نقاش ومفاوضات مع النيابة والقضاء والعسكر، وبعد كثير من التوتر والترقب تم الإقرار بالخطأ الذي ارتكبوه، وصدر قرار بتخفيض حكمي من ثلاثين عاماً إلى عشرين عاماً. أمّا عائلتي التي كانت حاضرة في قاعة المحكمة، بغياب والدتي هذه المرة، فقد دبّت في وجوه أفرادها الحياة، كأنهم من فرط سعادتهم يريدون التحليق في السماء ليعانقوا روح والدتي التي صدقت نبؤءتها.

في طريق عودتي إلى سجن هدريم، بعد هذا التحول الهائل، كان أكثر ما شغل تفكيري هو أنه إذا كان قد تسنى لي أن أحظى بتوكيل محامٍ تمكّن من إحداث هذا الاختراق، فكم من الأسرى زملائي تعرض لأخطاء مماثلة أو شبيهة ويدفع ثمنها سنوات من العذاب، ولا قدرة لديه لتغيير هذا الواقع المجحف والقاسي.

محكمة عوفر، هذا المكان المملوء بالتناقضات في وعيي وذاكرتي، هو ذلك المكان الذي حكم عليّ أن أمضي أعواماً طويلة من عمري داخل السجن، وهو نفس المكان الذي التقيت فيه والدتي للمرة الأخيرة وما رافق ذلك من ألم وشجن وحلم، وهو المكان الذي صدقت نبوءتها فيه بأن تحرري بات قريباً، على الرغم من أن ذلك لم يكن واقعياً أو منطقياً في لحظة من اللحظات، لكن يبقى هذا المكان في المحصلة أحد معالم الاستعمار الاستيطاني التي أقيمت على أرض فلسطين المسلوبة وأحد أدواته القمعية، وإذ يبدو في هذه الأوقات أن اقتلاعه وزواله غير واقعي أو غير منطقي، لكن الحلم والإيمان يقول غير ذلك.

عن المؤلف: 

مجد زيادة: أسير من رام الله، اعتقل بتاريخ 2/4/2002، وقد أصدرت محكمة الاحتلال بحقه حكماً بالسجن لثلاثين عاماً، بتهمة تشكيل خلية عسكرية نفذت عدداً من عمليات إطلاق النار. توفيت والدته في سنة 2015. وفي سنة 2017 وبجهد مكثف، نجح المحاميان عنان عودة ولبيب حبيب اللذان وجدا ثغرات وخروقات قانونية في ملفّه، في إعادة فتح الملف في المحاكم الإسرائيلية، لتقرّ المحكمة بذلك وتستبدل حكمه بعشرين عاماً بدلاً من ثلاثين عاماً.

المدونات التابعة لملف "الأسرى"
علاء العلي
سائد سلامة
عيسى ديبي، هكذا رأيت غزة مدينة لم أرها، زيت على قماش، أبيض وأسود، ،٢٠١٨، مجموعة مؤسسة الدراسات الفلسطينية
رأفت العسعوس
أيمن الشرباتي
شادي الشرفا
محمد رشدة

Read more