زيارة بومبيو تنطوي على دلالات خطيرة
التاريخ: 
20/11/2020
المؤلف: 

لم تكن زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو لإسرائيل، ما بين 18 و 20 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، زيارة بروتوكولية وداعية  لوزير سينقلع  بعد شهرين من السلطة، بل كانت زيارة انطوت على دلالات خطيرة، واندرجت في مسار النهج الذي انتهجته إدارة  دونالد ترامب، منذ وصولها إلى البيت الأبيض، لتصفية  القضية الفلسطينية.

 تكريس شرعية الاحتلال والاستيطان

ففي يوم الأربعاء، قام بومبيو بزيارة حي سلوان الواقع جنوبي المسجد الأقصى في مدينة القدس المحتلة، وصرّح يوم الخميس في مؤتمر صحفي مشترك مع بنيامين نتنياهو: "أتيحت لي البارحة فرصة التنزه في مدينة دافيد (سلوان)، وسأزور اليوم موقعاً يطل على المدينة القديمة، وهضبة الجولان التي اعترفت إدارة ترامب بالسيادة الإسرائيلية عليها". وبالفعل، قام بومبيو بزيارة مستوطنة "بساغوت" المقامة على أراض خاصة تابعة لبلدية مدينة البيرة، ثم توجّه منها لزيارة هضبة الجولان السورية المحتلة، ليكون بذلك أول وزير اميركي، وأجنبي، يزور منطقتين خاضعتين للاحتلال الإسرائيلي بصورة غير شرعية بحسب القانون الدولي.

وكان بومبيو نفسه قد اوضح، في 25 آذار/مارس 2019، أن إدراة ترامب لا تعتبر الاستيطان في المناطق الفلسطينية المحتلة غير شرعي، وأضاف آنذاك أن وزارة الخارجية الأميركية "تبنت في الماضي وجهة نظر خاطئة إزاء المستوطنات، بينما تدعم  الوزارة بحزم اليوم الموقف الذي يرى أن الاستيطان يمكن أن يتواصل بطريقة مناسبة". ثم عاد وأعلن، في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 ، أن واشنطن "لم تعد تعتبر المستوطنات الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية "مخالفة"  للقانون الدولي"[1]. وقبل قيامه بزيارة هضبة الجولان السورية المحتلة صرّح  بومبيو: "اليوم سأكون محظوظاً بزيارة هضبة الجولان. إن الاعتراف بهذه المنطقة بوصفها جزءاً من إسرائيل كان قراراً ينطوي على أهمية تاريخية للرئيس ترامب، كما كان مجرد إقرار بواقع قائم"[2].  

إضفاء شرعية على منتجات المستوطنات

لم يكن اختيار مايك بومبيو لمستوطنة بساغوت مجرد صدفة؛ فهذه المستوطنة كانت، في سنة 2016، في قلب نزاع سياسي-قانوني، عندما اتخذت السلطات الفرنسية  قراراً،  صادقت عليه فيما بعد المحكمة الأوروبية، يقضي بأن يشار إلى النبيذ الذي تنتجه بأنه أنتج في المستوطنات الإسرائيلية  وليس في إسرائيل. وكان أحد كبار منتجي النبيذ في هذه المستوطنة، ويدعى ياكوب برغ، قد أنتج سنة 2019  نبيذاً حملت الزجاجات التي عبئت فيه اسم "بومبيو"، ووضع عليها عبارة "أنتجت بصورة شرعية"، وذلك بعد  إقرار الوزير الأميركي أن المستوطنات لا تخالف القانون الدولي. وقد صرّح مايك بومبيو بعد زيارته المستوطنة أن الولايات المتحدة الأميركية لن تميّز بين صادرات المستوطنات في الضفة الغربية  وغيرها من الصادرات الإسرائيلية، وأضاف في بيان "أن كل المنتجين في المناطق الخاضعة لسلطة إسرائيل يتوجب عليهم أن يكتبوا على منتجاتهم "صنع في إسرائيل" لدى تصديرها إلى الولايات المتحدة[3].

وبغية دعم عملية بيع منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة في الخارج، أعلن بومبيو أن واشنطن "ستتخذ إجراءات فورية ضد المنظمات المنخرطة في حملة الكراهية التي تقودها حركة مقاطعه إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها ("ب.د.س)"، واصفاً هذه الحملة بأنها "معادية للسامية"، وهو موقف استهجنه فوراً عدد من المنظمات الدولية مثل "آمنستي انترناسيول" و "هيومن رايتس ووتش"[4].    

تكريس ضم المنطقة ج  والانفصال بين الضفة الغربية وقطاع غزة

والأخطر في الأمر، ما أعلنه مايك بومبيو من  أن المنتجات المصدرة من منطقتَي أ و ب في الضفة الغربية يجب أن تصنف بأنها "مصدرة من الضفة الغربية"، بينما  تصنف المنتجات المصدرة من المنطقة ج، الخاضعة لسلطة إسرائيل المدنية والعسكرية، مثل التمور التي ينتجها المزارعون الفلسطينيون، بأنها "منتجات إسرائيلية"، وذلك في إشارة غير مباشرة إلى شرعنة ضم إسرائيل لهذه المنطقة. ومن ناحية أخرى، أشار بومبيو إلى أن المنتجات المصدرة من قطاع غزة  يجب أن تصنف بأنها "مصنوعة في غزة"، معتبراً  أن "الضفة الغربية وقطاع غزة منطقتان منفصلتان سياسياً وإدراياً ويجب اعتبارهما كذلك" في محاولة لتكريس الانقسام بينهما[5].

ما الهدف من هذه الزيارة؟

تأتي زيارة مايك بومبيو هذه  قبل شهرين من تسلم إدارة جو بايدن الجديدة السلطة في البيت الأبيض، فما هو الهدف الذي ابتغاه من هذه الزيارة؟

ترى الصحافية في جريدة "لاكروا" الباريسية، كاترين دوبيرون، أن المرحلة الانتقالية في واشنطن ستكون فرصة سانحة لإسرائيل كي تكرس مزيداً من الحقائق الاحتلالية والاستيطانية على أرض الواقع، مقدّرة أن زيارة بومبيو لإسرائيل في هذا الوقت بالذات تهدف ربما لإعطاء دفعة قوية للحليف نتنياهو، الذي تبيّن استطلاعات الرأي في إسرائيل تراجع شعبيته، أو لزيادة تعقيد مهمة جو بايدن القادمة، أو أخيراً  بغية التمهيد لمشاركة بومبيو في انتخابات الرئاسة الأميركية في سنة 2024. وتستشهد الصحافية المذكورة، في هذا السياق، بما قاله أحد أقرب المقربين لنتنياهو،  وهو النائب ميكي وزهار الذي يصرّح علناً بما يفكر فيه الآخرون سراً، وفحواه أن المرحلة الانتقالية في واشنطن "توفر فرصة قد لا تتكرر لتعزيز سيطرتنا على أرض إسرائيل"، وأضاف: "انا متأكد من أن صديقنا، الرئيس ترامب، ورئيس الوزراء نتنياهو، سيستغلان هذه الفترة ويوظفان فيها  أقصى طاقاتهما"[6].

ماذا ستفعل إدارة جو بايدن ؟

أمام هذه الحقائق التي يكرسها هذا الثنائي الاحتلالي على أرض الواقع، ماذا ستفعل إدارة الرئيس جو بايدن القادمة؟

هل ستحترم، على الأقل، وتعيد تأكيد التزامها بالقرار الذي أقره مجلس الأمن الدولي في 23 ديسمبر/كانون الأول 2016، وصدر بأغلبية 14 صوتاً، من أصل 15، وامتناع  الولايات المتحدة الأميركية عن التصويت، بعد أن رفضت إدارة الرئيس باراك أوباما، ونائبه جو بايدن، استخدام حق النقض (الفيتو) ضد القرار المذكور،  رغم مطالبتها بذلك من جانب الرئيس المنتخب آنذاك دونالد ترمب، علماً بأن هذا القرار يؤكد عدم شرعية المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ سنة 1967 بما فيها القدس الشرقية، ويعتبر إقامتها انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، ويطالب بوقف فوري لكل الأنشطة الاستيطانية على الأراضي المحتلة؟

 

الهوامش

[1] https://www.aa.com.tr/fr/monde/palestine-mike-pompeo-visite-la-colonie-isra%C3%A9lienne-psagot-en-cisjordanie-occup%C3%A9e/2049527

[2] https://www.france24.com/fr/moyen-orient/20201119-isra%C3%ABl-mike-pompeo-annonce-qu-il-se-rendra-jeudi-sur-le-plateau-du-golan

[3] https://www.lemonde.fr/international/article/2020/11/18/a-psagot-les-colons-israeliens-attendent-la-visite-de-mike-pompeo_6060181_3210.html; https://www.leparisien.fr/international/les-etats-unis-labellisent-les-exportations-des-colonies-comme-venant-d-israel-19-11-2020-8409266.php

[4] https://www.lemonde.fr/international/article/2020/11/19/le-chef-de-la-diplomatie-americaine-dans-une-colonie-israelienne-une-premiere-pour-un-secretaire-d-etat_6060368_3210.html

[5] https://www.lorientlejour.com/article/1241626/pompeo-sera-le-premier-secretaire-detat-americain-a-visiter-le-golan-occupe.html

[6] https://www.lesechos.fr/monde/afrique-moyen-orient/moyen-orient-mike-pompeo-legitime-les-colonies-israeliennes-1266559

اقرأ المزيد