ماهر الأخرس... معركة جديدة في مواجهة الاعتقال الإداري
التاريخ: 
26/10/2020
المؤلف: 

"...أريد أن أموت بين أهلي وأولادي.. لا يضعوني في ثلاجة ولا يشرٌحون جثتي بتاتاً. أريد من الأسرى القدامى الذين خاضوا معركة الإضراب عن الطعام وأهالي الشهداء أن يحملوا نعشي، وأوصي شعبي أن يحموا الوطن.. ". هذه الكلمات هي جزء من وصية الأسير الفلسطيني ماهر الأخرس بعد أن أنهى ثلاثة أشهر في إضراب متواصل عن الطعام رفضاً للاعتقال الإداري في السجون الإسرائيلية.

نقلت المحامية أحلام حداد وصية الأخرس بعد ساعات من اقتحام قوة احتلالية للغرفة التي يُحتجز فيها في مستشفى كابلان الإسرائيلي، ومحاولة اقتياده إلى عيادة سجن الرملة، بحجة صدور قرار بإعادته للاعتقال الإداري من جديد. ولكن بعد التماس عاجل، ألغت المحكمة العليا الإسرائيلية القرار وقضت بإبقائه في المشفى لخطورة حالته الصحية.

ويواصل الأسير الأخرس إضرابه المتواصل عن الطعام رفضاً لقرار اعتقاله الإداري، ومطالباً بالإفراج الفوري عنه، وهي معركة بدأها منذ يوم اعتقاله في 27 تموز/ يوليو 2020.

تقول زوجته هبة الأخرس إن قوة كبيرة من جيش الاحتلال اقتحمت منزله، وتعاملت بوحشية مع جميع أفراد عائلته، "حتى عندما حاولت طفلته "تقى" احتضانه منعوها بطريقة وحشية".

وخلال اعتقاله، كان الضابط يهدده بأنه هذه المرة سيبقى في السجن وسيدمر حياته وعمله، وهو ما جعله يعلن إضرابه عن الطعام قبل خروجه من البيت. وقال الأخرس لجنود الاحتلال: "أعلن إضرابي ولن أتناول أي شيء في السجون حتى عودتي إلى بيتي".

تهديدات سابقة

هذه التهديدات ليست جديدة كما قالت زوجته، إذ كان الأخرس يتلقى تهديدات هاتفية "بتدمير عمله ومشاريعه والمساس باستقرار عائلته" من قبل ضباط المخابرات الإسرائيلية، بعد كل مشاركة له في الفعاليات الوطنية والخاصة بالشهداء والأسرى.

كل ذلك جعل الأخرس يصرّ على إضرابه، ويرفض جميع المساومات والعروض التي قُدمت له لفك إضرابه، والتي لم تتضمن أي منها "وقف اعتقاله الإداري والإفراج المباشر عنه كي يعود إلى بيته ويفك إضرابه هناك" كما طالب.

وكان الأسير ماهر الأخرس (49 عاماً)، وهو من بلدة السيلة الحارثية قرب جنين شمال الضفة الغربية، قد عتقل لأكثر من خمس سنوات في سجون الاحتلال، وخاض الإضراب الفردي عن الطعام سنة 2018 لمدة 16 يوماً، رفضاً لظروف التحقيق القاسية التي خضع لها، وهو متزوج وأب لستة أبناء، أصغرهم ابنته "تقى" التي تبلغ من العمر ستة أعوام.

ورغم تدهور حالته الصحية، ترفض إدارة السجون، بتوصية من مخابرات الاحتلال، الإفراج عنه حتى نهاية فترة اعتقاله الإداري الحالية، وذلك من دون أن تقدم أي تعهد بعدم تجديد اعتقاله. وكل ما قامت به هو قرار تجميد اعتقاله الإداري لحين علاجه، وذلك بتاريخ 23 أيلول/سبتمبر الماضي.

وخلال هذه الفترة، رفض الأسير الأخرس كل محاولات التأثير عليه لدفعه إلى التراجع عن مطالبه، بما في ذلك مطلب زوجته التي رافقته في آخر أسبوعين له في المستشفى. ففي اليوم الثالث والسبعين على إضرابه، استطاعت زوجته الوصول إلى المستشفى، وكان وضعه الصحي سيئاً للغاية مما جعلها تحاول إقناعه بفك إضرابه خوفاً على حياته، لكنه رفض وأصر على أنه لن يتناول الطعام إلا في بيته "وأن عليها أن تتركه إن لم تسانده في هذا القرار".

لم يكن الأمر سهلاً عليها، لكنها استمدت قوتها من كلماته، وقالت: "أنا مقتنعة بأن كل الخيارات هي انتصار له، فالإفراج عنه هو انتصار له، واستشهاده سيكون الشرارة لثورة ضد الاعتقال الإداري".

قناعة الأخرس ومن خلفه عائلته بالانتصار أو الشهادة، كانت عقيدة جميع الأسرى الفلسطينيين الذين خاضوا تجربة الإضراب الفردي عن الطعام خلال السنوات العشر الأخيرة.

الإضراب أو الاعتقال المتجدد

ولكن ما الذي يدفع الأسير الفلسطيني إلى التفكير في الإضراب عن الطعام رغم صعوبته؟ يجيب المناضل بلال ذياب الذي خاض معركة الإضراب عن الطعام مرتين ضد اعتقاله الإداري، استمرت الأولى منهما 78 يوماً بما يلي: إن الأسير يكون أمام طريقين: إما تحمّل عذابات الاعتقال لفترة طويلة وغير محددوة، أو معاناة شديدة خلال فترة وجيزة محفوفة بمخاطرة فقدان الحياة".

وكان بلال ذياب (35 عاماً) قد اعتقل قبل أن يتجاوز سن السابعة عشرة، وحكم بالسجن سبع سنوات، وبعد الإفراج عنه أُعيد اعتقاله إدارياً بعد أقل من عام دون تهمة أو تحقيق، مع تهديد ممن يسمى بـ "قائد المنطقة الوسطى الإسرائيلي" بإبقائه في الاعتقال الإداري لخمس سنوات، وهو ما جعله يعلن إضرابه عن الطعام في نيسان/أبريل 2012.

استلهم ذياب إضرابه من تجربة من أُطلق عليه لقب "مفجر ثورة الإضرابات الفردية ضد الاعتقال الإداري" وهو الشيخ خضر عدنان، واعتقد في حينه أن "الإضراب هو مفتاح طريق الحرية لمن يستطيع تحمل صعوباته".

ويقول ذياب إن الإضراب عن الطعام تجربة قاسية، وإن أوجاعها ترافق الأسير طوال حياته، ويضيف: "لا أزال أتذكر الهلوسات التي انتابتني آخر أيام الإضراب، كنت أكلم الموتى وكأنني أعيش بينهم". لكن، على الرغم من الهذيان وعدم الاتزان الذهني الذي أصابه، فإن التراجع عن الإضراب لم يكن في حساباته، وهو ما جعله يحقق مطالبه كافة.

وقد يبدو أن مطالب الأسرى لا تستحق كل هذه المعاناة، إلا أن الأسير لديه حسابات مختلفة يتحمل الألم في سبيلها، من أهمها عزمه على كسر هيمنة الاحتلال وإجباره على الموافقة على مطالبه، كما قال ذياب، الذي استطاع إجبار الاحتلال على السماح له برؤية شقيقه الأسير والمحكوم بالسجن المؤبد، وهو الأمر الذي لم يسمح له به سابقاً.

الاعتقال ليس قدراً

صحيح أن الإضرابات الفردية ضد الاعتقال الإداري برزت، في الدرجة الأولى، بعد تجربة الأسير خضر عدنان سنة 2011، إلا أن السجون الإسرائيلية شهدت عشرات حالات الإضرابات الفردية قبله. وكانت تجربة الأسيرة الفلسطينية عطاف عليان من التجارب الملهمة في تاريخ الحركة الأسيرة. إذ خاضت عطاف عليان الإضراب عن الطعام مرات عدة، أرادت في كل واحدة منها أن تثبت أن الأسير الفلسطيني لديه ما يكفي من الإرادة والقوة لمواجهة بطش السجان وقوانينه الظالمة، كما قالت.

وأضربت عليان في أول اعتقال لها سنة 1987، حينما حاول المحققون الإسرائيليون الضغط عليها وإجبارها على نزع حجابها، وهو ما جعلها تعلن إضرابها عن الطعام لمدة 12 يوماً متواصلة، وذلك إلى أن تلقت تعهداً بعدم المساس بحجابها. وفي المرة الثانية، استمر إضرابها لمدة 32 يوماً، مطالبة بأن تخرج من العزل الذي قضت فيه أربع سنوات متواصلة، وهو ما حققته في النهاية.

وكان الإضراب الأصعب بالنسبة إليها في سنة 1997، حينما اعتقلت وجرى تحويلها إلى الاعتقال الإداري بصورة مباشرة، وهو ما استفز إنسانيتها، ودفعها إلى إعلان إضراب عن الطعام استمر 44 يوماً، وانتهى بالإفراج الفوري عنها. وفي المرة الرابعة، كان إضرابها في سنة 2003 بعد أن رفضت سلطات السجن أن تقوم باحتضان طفلتها "عائشة" داخل السجن، واستطاعت بهذا الإضراب الناجح أن تسجل سابقة، وأن تمهد الطريق أمام أسيرات أخريات لاحتضان أطفالهن الرضع.

تقول عليان: "مهما تعددت أسباب الإضراب الفردي، فهو ينطوي، في النهاية، على فكرة مفادها أن الإجراءات ضد الأسرى ليست قدراً على الأسير تقبله، فنحن نملك، بإرادتنا، الكثير الذي يمكن أن نواجه من خلاله". وهي ترى أن هذه الإضرابات توازي، في هذه المرحلة، عمل سنوات لقضية الأسرى؛ فالإضراب، كما هو الحال في معركة الأسير ماهر الأخرس، يعيد القضية إلى الواجهة محلياً وعربياً ودولياً من جديد.

عن المؤلف: 

عزيزة نوفل: صحافية فلسطينية.

اقرأ المزيد