عَبقٌ من: "عطر الإرادة: قصص قصيرة ونصوص"
التاريخ: 
14/10/2020
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
الأسرى

كان ذلك عقب انتهاء التحقيق معي، كنت في عزلة تامة في إحدى الزنازين عندما جاء الشرطي واقتادني إلى إحدى غرف التحقيق، وفي اللحظة التي أزال بها العصائب عن عينيّ أبصرت محققاً يجلس إلى طاولة، كان لاهياً يطالع شاشة الكمبيوتر ويعبث في لوحة المفاتيح فلم تطرف له عين، ولم يتلفظ بكلمة حتى أنه لم يأتِ بحركة أو إيماءة تشي بأنه شعر بدخولنا. أجلسني الشرطي على كرسي موضوع إلى الطاولة من دون أن يوثق قيود يديّ إلى الكرسي كما تجري العادة، ظل المحقق محجماً – صامتاً دون أن يتحول بناظريه إليّ. شعرت بأنه يتقصد هذا التلهي المفتعل. كأنما يريد أن يرفعني إلى التدبر في تجاهله لي. فآثرت أن التزم الصمت من جانبي أيضاً مبقياً على حبل الكلام معلقاً بين صمتين يتربص أحدهما بالآخر.

ساد الصمت ثقيلاً وانتصب مثل جدار يفصل بيننا، حتى كدت أن أغيب نفسي بالانسلال إلى عوالمي الداخلية، كان الفضول قد بدأ يتسلل إلى نفسي فرحت أحاول أن أجتهد في النفاذ إلى غايته من هذا الفعل، ثم وبحركة مباغتة صوب سهام ناظريه إليّ وهو يستدير بالكرسي نصف استدارة، حتى أصبح يواجهني بشكل جانبي، حرر يديه واستند بإحداهما إلى الطاولة ولمّا انفغر فاه عن الإنذار الذي بدّد به انفلاش حواسي:

سؤال للاختيار؟!

خرجت عبارته مثل رصاصة، دوت الطلقة في رأسي، فانبريت متحفزاً لا أدري كيف تراءيت له، لكنني كنت متحفزاً جداً وفي هذا كان شيء من ارتباكي. شعرت وأنا مقذوف في تلك الأجواء بأنه كان يريد أن يخترق نطاق تفكيري ويخضعه لسلطة أتوهمها فيه، أن ينفذ إلى تلقائيتي ومكمن الإجابة العفوية المجردة من حساب التفكير.

قلت مترصداً: اسأل!

وعلى نحو مباغت أطلق سؤال الاختيار: ما هو أهم شيء في الحياة؟؟

رسمت ابتسامة صغيرة، وحاولت أن أظهر لامبالاة، لا أعلم إن افلحت حقاً في بثها من خلال لغة الجسد في الوقت الذي كنت أقلب السؤال على مختلف أوجهه لأتبين وجه الإجابة التي يمكن أن تستر وهني.

كان السؤال فاتحةً تفضي إلى غرفة مغلقة، إلى باحة صغيرة تؤطرها جدران عالية ومسقوفة بالأسلاك الشائكة، كان السؤال بمعنى ما ينفتح على مصيري الذي سألقاه، بوابة العبور إلى مستقبل يتحدد في إطار من الحدود الضيقة والأحكام القسرية، وفوق كل ذلك من الحرمان.

هكذا أوحى لي السؤال من مجرد سماعه، نعم هكذا عزّني وعيي البسيط وصوّر لي الإدراك هذه الحقيقة دون غيرها، اعتقدت يومها أن إجابة السؤال هي على نحو ما تكمن في السؤال ذاته، وإلاّ ماذا سيكون معنى السجن إن لم يكن مصادرة الحياة.

فأجبت باقتضاب: ببساطة أن تعيش الحياة ....

نظر إليّ المحقق بنظرات تخلو من إعجاب ثم قال: كلامك صحيح. لكن هذه نصف الإجابة. ثم ترك لي فسحةً من الصمت للبحث عن الأجابة الوافية.

كان اندفاع التحدي فيّ يطغى على بصيرتي فلم أجعل للحياد مكاناً في علاقتي بالمحقق ولم أجد في سؤاله إلاّ تلك الإجابة التي تلغي الحياة بالنسبة إليّ، فرحت أناور في استكمال الإجابة بإعطائها بعداً تفصيلياً، كأن تجعل من السعادة مثلاً غايةً من غايات الحياة.

ظل المحقق يستحثني في البحث عن الإجابة التي يبتغيها، وهي التي ستحملني على الاستهزاء به وبالمنطق الذي يقيس به، لكن دون أن أصل إلى نقطة التقاء فيما بيننا، عندئذ أكمل هو نصف الإجابة قائلاً: "أن تعيش الحياة بين أولئك الذين تحبهم ويحبونك،" ثم أضاف بعد برهة صمت: "سوف تتذكر هذه العبارات طالما أنت داخل السجن."

يومها لم أدرك عمق المعنى الذي كان يقصده، نظرت إلى عبارته باعتبارها صادرة عن شخص يسعى للنيل مني، كأنه أراد أن يقول لي "لقد خسرت أثمن شيء في الحياة، وسوف تعيشها منقوصة من أهم الأشياء فيها." رددت عليه بحزم كمن يتحول من الدفاع إلى الهجوم: "قد نخسر حياتنا من أجل الذين نحبهم تحديداً،" ثم أضفت: "لعل دافع التضحية يكون أقوى كلما تعزز ارتباطنا بما نؤمن، فكيف إذا أضيف إلى ذلك عنصر العاطفة الذي يضفي عمقاً إنسانياً على تضحيتنا، التضحية ليست خسارة على كل حال."

سنواتٌ طوالٌ مرت وأنا ما زلت أحاور نفسي أمام تلك الإجابة – المرآة -، ما زلت أهذب إحساسي وأعاود فهم تلك الإجابة – المرآة -، ما زلت أهذب إحساسي وأعاود فهم تلك الإجابة في كل مرة من جديد إلى أن تحولت إلى منارة ترتفع في ظلام النفس الملوثة بلوثات السجن، المنارة التي ظلت ترتفع مع تقادم السنوات إلى أن أبصرتها النفس نجماً في سمائها فقررت أن تهتدي بهديها. عندما أعود إلى البدايات يأخذني السجن ويقذفني في دهاليزه القاتمة، بالكاد كنت أتبين الطريق كي أبصر خطواتي، عشرون عاماً مرت وأنا أحاول دائماً ألاّ أتعثر، أي طريق هذه التي حملتني على أن أجعل من الكراهية والانتقام هاوية لسقوط الذات وخسارتها إن لم تكن طريق الآلام التي خضتها مقهوراً وأنا أبحث عن نور أتلمس النهايات من خلاله؟ لقد علمني السجن كيف أصنع من الألم ضمادة لوجع الآخرين، وكيف أمسح حزن المكلومين بإطراقة صامتة تعانق عجزهم الذي عشته مراراً، وأن أسعى ما تأتى لي لتحويله إلى مكان أحب فيه الناس ويحبونني، عندئذ فقط سوف أنجح في الاختيار.

المصدر: من كتاب "عطر الإرادة، قصص قصيرة ونصوص". هو باكورة الأعمال الأدبية للأسير سائد سلامة، صدر عن دار الرعاة للدراسات والنشر في رام الله في سنة 2018، في 144 صفحة. وهو مجموعة قصص من حياة الاعتقال ومراكز التحقيق.

في مقدمته للكتاب كتب الأسير المحرر المحامي سعيد نفاع: "أن يقيّضَ لك أن تكتبَ تقديماً لإبداع وجد الطريقَ إلى الحريّة، وما زالت الحريّةُ أمنيةً بعيدةَ المنالِ للمبدع، الأسير، ليس بالأمر التقليديّ ولا العاديّ، ولكنك تجد نفسَك مفعما بكلّ الأحاسيس الجيّاشةِ والحيرةُ سيّدةُ عقلِك وقلمك."

عن المؤلف: 

سائد سلامة: 44 عاماً، من سكان جبل المكبّر جنوبي القدس، اعتقل بتاريخ 30 آذار/ مارس 2001، وأدانته محكمة الاحتلال الإسرائيلية بتهمة الانتماء إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والمشاركة في خلية عسكرية، وهو يمضي حكماً بالسجن مدة 24 عاماً. وقد تنقل في عدة سجون، وهو حالياً في سجن جلبوع. كان له دور قيادي في السجون، ويُعتبر من الوجوه الثقافية والإبداعية للحركة الأسيرة.

اقرأ المزيد