اعتراف الريماوي: بعد 57 يوماً من التعذيب المُدمي.. قام من بين الأموات
التاريخ: 
02/10/2020
المؤلف: 

عام كامل ولم تطأ قدما اعتراف الريماوي الإسفلت بعد

سجلوا عندكم: اعتراف الريماوي، 44 عاما، من قرية بيت ريما، يقطن في رام الله المحتلة. زوج محب لرفيقة دربه ريناد، وأب لأربعة أطفال، وخامسهم أتى قبيل اختطافه بأيام. حصيلة اعتقالاته ثمانية، نصفها إداري، وأكثر من 2400 يوماً أمضاهاً في سجون الاحتلال.

 

اعتراف الريماوي وريناد والعائلة

 

صناعة البدايات ومزيد من البدايات

تبتسم ريناد بتهكم، وتقول: "ثلث حياتنا الزوجية أمضاها اعتراف داخل الأسر. ربما يجب أن تضاف إلى عهود زواج الفلسطيني، إلى جانب المكوث بقرب الشريك في الأفراح والأتراح، والشدة والمرض، عهود خاصة.. في الاعتقال والأسر، والتحقيق والتنغيص". وتكمل: "اعتقل اعتراف في أولى سنوات الجامعة، وفي إبان خطوبتنا، وقبل زواجنا بأيام، وفي أول يوم لأطفالي في المدرسة بعد أن وعدهم باصطحابهم إليها، وفي بداية مشواره المهني، وبعد أيام من ولادة طفلي الخامس (وطن)، وفي كل بداية كنا نشق طريقنا لحياكة أفراحنا طوعاً. احتلال يظن أنه باستباحة بداياتنا، قد ينجح في حياكة نهاياتنا عنوة، وتقويض دورة حياتنا المزهرة.. لكننا نصر على صناعة البدايات، والمزيد منها."

محاطاً بحب الموسيقى، كَبُرَ اعتراف على أشرطة الشيخ إمام، حتى بات يحفظ سعال الشيخ وحشرجات صوته و"إحممم" تلك التي يعيد فيها دوزان صوته بين المقطع والآخر. يعمل (أبو المجد) مديراً لمعهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى - فرع رام الله، جُبِل على محبة الآلات الموسيقية، التي لم تتسنَ له فرصة العزف عليها، فوفّر فرصاً بديلة لأطفاله، وحرّضهم على إتقانها. ابنه الكبير (مجد - 18 عاماً)، محترف على الكلارينت، ينفخ فيها مفاصل حياة فتىً شبّ عوده على اقتحامات واعتقالات والده المتكررة. أمّا ابنته (وجد- 16 عاماً) وابنه (باسل- 9 أعوام) فكلاهما يميل إلى آلة العود الشرقية. وبين المشاغب وديع، ذي الأعوام الثلاثة، والشقي وطن ابن العام؛ تتناوب العائلة بأكملها لضبط إيقاع أسرة كبيرة، متماسكة تجمعها المحبة، وتنتظر عودة اعتراف إلى حضنها من جديد.

أيلول الأسود 2019

تدرج الاحتلال في بشاعته تصاعدياً، فتفنن في أشكال التعذيب إلى حد الجنون. في بداية الاعتقال، زُجّ اعتراف رهن الإداري المقيت ستة أشهر. وما إن مضى الشهر الأول، حتى اقتيد إلى مسلخ المسكوبية، وهناك خضع للتحقيق العسكري زهاء 57 يوماً، من بينها 25 يوماً من التحقيق المتواصل والتعذيب النفسي والجسدي والشتائم.

لا تعرف ريناد أشكال التعذيب الكاملة التي مورست بحق اعتراف، فما وصلها ليس إلاّ مقتطفات من مؤسسة الضمير فقط، وكان لخيالها الجامح أن يسرح في احتمالات الوجع والعذابات وتكسير العظام التي طالت زوجها. معصوب العينين، ومقيد اليدين إلى الخلف، ضُرِبَ اعتراف، فهُشّم رأسه، ولُطِمَ مرات عديدة على وجهه، شبح على شكل الموزة، وتم تثبيته في وضعية القرفصاء بزاوية 45 درجة مدة تزيد على الساعة، وأُجبر على الوقوف على حائط خشن وثني رجليه، ضغط خلالها المحقق على كتفيه لزيادة الثقل، ثم شد وجهه وفكيه مرة إلى الأعلى، وأُخرى إلى الجنب. كُسّرَت قدما اعتراف- اللتان لم تطآ الإسفلت بعد- حتى أُقعد على كرسي متحرك.

تتحدث ريناد: "بعد 42 يوماً، شاهدتُ اعتراف أول مرة في المحكمة مدة دقيقتين، قبل البدء بجلسة المحكمة تحت ذريعة سريتها، ومنع النشر، ولم يسمح لي الجنود المحيطون به بسؤاله كيفك! مدعين أن 'كيفك' تلك، التي لم يقوَ أصلاً على تحريك فكّه والإجابة عنها، ستتعارض مع قرار منع النشر، الذي انتهجته ماكينة الاحتلال القضائية في شرعنة غطاء قانوني، تتحايل فيه لإبقاء التعذيب الذي جرى بحق اعتراف وغيره في أيلول/سبتمبر الأسود الماضي طيّ الكتمان."  وتتابع: "صدقاً، لم أعرف اعتراف.. فقد كان وجهه شديد الصفار، ملتحٍ كأنه شاخ سنوات طوال، تبدلت ملامحه كلياً، يداه وقدماه متورمتان مع بقع دماء، يبدو أنها جرّاء نزيف داخلي، ينتفض جسمه مع رجفات لا أستطيع نسيانها، بدا صامتاً بلا حول ولا قوة، لم ينبس ببنت شفة. وأفظع ما في الأمر أنني علمت فيما بعد أن اعتراف، كان يحضر المحاكم وهو طريح كرسي متحرك."

وعلى الرغم من شحوبه وهزاله، فقد استطاع اعتراف بصوت شبه معدوم الإدلاء للقاضي، بأنه قد تعرض لتعذيب وحشي على يد المحققين، إلاّ إن القاضي لم يكترث، ووافق بدوره المتواطئ مع المنظومة الصهيونية على تمديد الاعتقال.

أنيميا حادة ونقص في الفيتامينات والأملاح

يبدو أن ميثاق أبقراط الطبي الذي يقسم بموجبه الأطباء على مزاولة مهنة الطب النبيلة تجاه المرضى بأمانة وتقوى، لا يشمل الفلسطيني المعذب لدى طبيب الاحتلال؛ فقد حدث بين جولة تحقيق وأُخرى أن غاب اعتراف عن وعيه، ليقتاد إلى عيادة المسلخ، حيث كان أقصى ما يُطبَّبُ به قياس نبضه وضغطه، وحبة (أكامول) لا تقدم ولا تأخر في علاج أوجاعه وندوباته، ثم يعطي الطبيب المتواطئُ الضوء الأخضر (والإيشور) للمحققين بمواصلة جولاتهم مرة أُخرى.

يماطل الاحتلال حتى اللحظة في تسليم الصور التي تدين وحوشه لممارستهم أبشع أشكال التعذيب بحقّ اعتراف، كذلك الأمر فيما يتعلق بتقاريره الطبية، التي تكشف وضعه الصحي، بينما يواصل المحامي العمل للحصول عليها قانونياً. وتتابع ريناد: "جل ما أعرفه من اعتراف نفسه، أنه أخبرني- في إحدى الزيارات التي لم يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة- أن التورم الذي شاهدته في يديه وقدميه يوم المحكمة، بسيط أمام هول ما حلّ في فخذه الأيمن من تورّم دامٍ، كما أنه بُلّغ شفوياً بأن شحوبه هو نتيجة إصابته بأنيميا حادة، جرّاء ما فقده من دم، وأنه بحاجة إلى مقويات وأملاح وفيتامينات، إلاّ إن الاحتلال يتعمد عدم إعطائها له بحسب الجرعات المطلوبة، وأن المواظبة على توفير الدواء رهن المزاج العام لدى السجان وعيادة السجن، كما لا يمكن للأسير التدقيق في ماهية الدواء المعطى له وكميته واسمه."

الأسرى على خشبة الصليب الأحمر

يعاني أهالي الأسرى جرّاء انحياز اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى الاحتلال، وعدم التزامها أقل ما تدعيه من "حيادية" بلهاء. فسكوتها عن الحق ما هو إلاّ محاولة لتلميع صفحة الاحتلال، وعدم فضح جرائمه.

تقول ريناد: "تعاظمت مخاوفي عندما اتصلت بي موظفة من الصليب الأحمر، تبلغني أنها زارت اعتراف، وأنه (منيح) على حد تعبيرها، ورفضت إعطائي أي معلومة أُخرى، لتعود بعد أقل من أسبوع إلى الاتصال مجدداً، لإعلامي بأنهم يتابعون بعض الحالات الخاصة، وأن اعتراف من بينها، وبالتالي، فقد زارته مرة أُخرى، مشيرة إلى أن حالته 'أفضل' من المرة السابقة. ما هو يا ترى معيار (منيح) أو (أفضل) بحسب دليل الصليب الأحمر 'الحيادي'؟ وكيف بحق السماء كانت حال زوجي في المرة السابقة، لكي ينطبق عليه وصف (منيح) بينما لا يستطيع الوقوف أو الحديث؟"

اعتقل اعتراف سبع مرات قبلها، خضع في بعضها للتحقيق، ولم يكن الصليب الأحمر يزوره إطلاقاً. فما الذي استجد هذه المرة، لأن يزور زوجي بعد 29 يوماً من التحقيق، أي بعد الانتهاء من التحقيق المتواصل معه، والذي كان يتعرض خلاله للتعذيب الشديد. زار الصليب الأحمر اعتراف، وهو على حافة الموت، ليتأكد أنه لا يزال في قيد الحياة فقط، بينما لم يزره نهائياً طيلة فترة التحقيق الوحشي، ولم يكن له أي دور، سوى تعظيم مخاوفي لما يجري معه، تلك التي يسجلونها في تقاريرهم 'طمأنة أهل الأسير'!"

"ولا أتوب عن حبك أنا"

يقبع اعتراف حالياً في سجن ريمون الصحراوي، وهو يعاني أوجاعاً في ظهره، ويديه، ورجله اليمنى، وينتظر محاكمته التي تأجلت مرات عديدة، وبلائحة اتهام، أقل ما يمكن وصفها بأنها تافهة، وتلفق اتهامات باطلة. قد يكون الاحتلال سلبنا فرحة البدايات مرات عديدة، كان آخرها حرماننا واعتراف الفرح كعائلة عند حصول ابننا الكبير مجد على شهادة الثانوية العامة، كذلك حرمان اعتراف تربية وطن في كنفه بيننا؛ إلاّ إننا نصنع بداياتنا وأفراحنا، وننتزعها من قبضة الاحتلال. فجميعنا ننتظر اعتراف ليخرج على الإسفلت، ويعانق أبناءه، مجد ووجد وباسل ووديع ووطن من جديد. أمّا أنا، فلن أحرمه سماع الشيخ إمام، وسأغني له ما يحب سماعه "إن غبت سنة، أنا برده أنا.. لا أقدر أنساك، ولا ليا غنى.. ولا أتوب عن حبك أنا."

عن المؤلف: 

هند شريدة: كاتبة من القدس.

اقرأ المزيد