بيروت
النص الكامل: 

 I

حمامة بيضاء ترتقي على عجل أدراج السماء تليها أُخرى، بيضاء أيضاً، ترسم شكلاً غامضاً، ثم أُخرى، بيضاء، تنقر أطراف الريح لتعبر. حمامات بيض تشق فضاء الغيب بأجنحة لا ترفرف.

لا، ليست حمائم تلك التي تتقاذفها ظهيرة أيقظها الدويّ فتلفتت ذاهلة، بل أطفال رُضّع محشورون داخل القُمط البيضاء، لفظتهم مهودهم خشية اللهب الوحشي فنزحوا بعيداً عن الحضن والثدي والحليب لتتلقّفهم أيادٍ سماوية، أيادٍ رحيمة، الواحد بعد الآخر.

 II

 لم تسعفها الحنجرة كي تطلق الصرخة الأخيرة. المرأة الواقفة لصق النافذة تصقل زجاجها، وتغسل غبار يوم شاقّ تلكأ في زواياها، وتمسح أثر حلم عجول مرّ البارحة ولم يدخل نومها إذ باغتها انفجار غاضب هزّ البيت وهشّم الزجاج الصقيل فتناثرت شظاياه في الأرجاء:

شظيةٌ شملت بحنانها وجه امرأة ضرّجه الرعب وأخفى ملامحه؛

شظيةٌ لملمت بقايا بيت حزين ما عادت أحجاره تسرد القصص؛

شظيةٌ شمّوا فيها أنفاس غرقى كانوا للتوّ يحملون المرفأ بسواعدهم الغضّة؛

شظيةٌ رأوا فيها الموت يرنو دامع العينين صوب مدينة تنهش الحرائق أطرافها شارعاً شارعاً.

 III

 حطام سفينة

حطام بيت

حطام مستشفى

حطام فندق

حطام سيارة

حطام شجرة

حطام إنسان.

ينظر إلينا دامي الوجه، مغبرّ الشعر، بقميص ممزق ومتسخ. لا تشفّ ملامحه عن غضب أو خوف.. تشفّ نظراته عن ذهول وحيرة.

لا يريد يداً تغسل دمه، ولا يداً تنفض الغبار عن شعره وثيابه، ولا صوتاً يحنو ويكترث.

يريد أن يعرف فحسب: ما الذي حدث بالضبط؟ مَن فجّر المرفأ؟

أمام تحديقته الثاقبة المخترقة جلودنا، كرمح ينوي ابتكار جرح لا يندمل؛ أمام صمته المديد الأشبه بصمت الخليقة إزاء غيب يجترح الخارق والمعجز من دون أن يردّ على الأسئلة، لا نملك غير أن نشيح وجوهنا، ونطرق إطراقة العاجز الخجول، لعله يرأف بنا، بضعفنا، بوجعنا، بيأسنا، غير أنه يسرف في الفتك بنا، وليس بيننا غير فراغ وعتمة وتيه.. وأنقاض مدينة.

 IV

 الطفلة التي كانت تدحرج أعوامها الثلاثة في طرقات الضاحية، وتؤرجح ضاحكة براعم الصباح وهي تنزّه أحلامها الشفيفة وتنثر دعاباتها بين رصيف ورصيف، وترشّ المارة المرحين، العابرين تحت قوس المطر، بأنداء العذوبة، ثم وحيدة تعود إلى حضن أمها ومعها ريش وأصداف وأوراق شجر. تلك الصغيرة، صديقة النهار وأنيسة المساء، لم تعد تدحرج أعوامها، والأرصفة لم تعد تصيخ لوقع أقدامها، والأشجار لم تعد تنحني كلما مدّت أناملها، والأحلام الشفيفة ما عادت تشفّ عن لعب وضحك، منذ أن مسّ اللهب ذيل ثوبها.

 V

 الذين دخلوا المرفأ ما خرجوا

والذين ذهبوا مع الدويّ ما عادوا

عاد الدويّ وحده يجرجر أسمال المدينة.

كل مساء

ينسلّ من أطراف المرفأ

أشباح لا ظلال لهم، لا اسم ولا هوية،

من قمصانهم تفوح رائحة الورد.

يتناثرون في الطرقات والأزقة

يطرقون الأبواب ويطلّون عبر النوافذ

وفي سلال من قش يلتقطون الأحلام الطافية.

لا حدّ لجذلهم! لا وصف لبراءتهم!

بعد أن أمست الساحات ينابيع

والميادين ملاعب.

وفي آخر الليل ينسحبون صوب المرفأ

مثقلين بالحزن لأن أحداً لم يتعرّف عليهم.

السيرة الشخصية: 

أمين صالح: روائي بحريني.

اقرأ المزيد