لماذا لا يقبلون أن تكون بيروت بيروت؟
النص الكامل: 

بيروت مدينة شابة لا تذبل، مهما تتداول عليها صروف السنين، فهي المدينة التي قهرت جراح التاريخ ثم انتفضت شامخة. عشتُ في بيروت أكثر من عشرة أعوام كان معظمها خلال حروب طاحنة، وفيها رأيت بأُمّ عيني كيف كان في إمكانها أن تتغلب على دمار الحروب الأهلية، على الرغم من محاولات تحطيمها بأيدي أمراء الطوائف ومَن يساندهم من دول عربية وأجنبية.

قلب بيروت النابض خافق دوماً، مليء بحب أهلها للجديد، ومشرع على هموم الآخرين ومآسيهم. وبهذا المصهر الكبير احتوت بيروت بحداثتها وتنوعاتها ذلك الموزاييك الفريد الذي ضمّ نخباً عربية وحركات واتجاهات، وأنتج أيضاً ارتباطاً مميزاً، بل انخراطاً عميقاً مع القضية الفلسطينية منذ بداية وجود المقاومة الفلسطينية فيها. بيروت بقعة مشمسة سعى العالم العربي كله ليكون على صورتها ومثالها، وفيها تعددية أفكار وأصوات واتجاهات ما كان لمكان آخر في العالم العربي المحافظة عليها أو التعامل معها أصلاً. لذا، فإن من الغريب أن نجد مدينة تحافظ على الأحلام في تحقيق الحداثة، والحرية في عالم عربي أسير ومحبط معظم الوقت.

اليوم، وبعد هذه العقود كلها، التي تمردت فيها بيروت على ما يريدونه لها من إحباط وإطفاء لدورها المتوهج ثقافياً ووطنياً، تتم معاقبة المدينة بهذا الانفجار الذي خلّف كارثة لا يمكن وصفها لهولها وضخامتها. كارثة لم تخطر في بال أحد، لكنها عملت على تدمير نصف المدينة والإطاحة بأحيائها المعمارية العريقة وبمعظم البيوت والعمارات فيها. انفجار مرعب يوازي كتلة ذرية في هول وهجه وإشعاعاته وقدرته التدميرية العالية. غير أن الأمر لم يقتصر على تحطيم الجزء التاريخي والحيوي فيها وتدميره وبعثرته، بل إن الانفجار أودى بحياة المئات، وأصاب الآلاف، فضلاً عن تدمير البنية التحتية للأحياء التاريخية، ولأماكن عيش ثقافي وحياة إنسانية ما كان لها أن توجد إلّا في بيروت وحدها. انفجار هيروشيمي خلّف ملايين القطع والشظايا التي أنتجت الفراغ، وتطايرت إلى الفضاء، مخلفة آثار هبوط نيزك مجنون على بقعة زخرت بالفرح والحياة.

لماذا لا يقبلون أن تكون بيروت بيروت؟ لأن المحتل الغازي، أكان خارجياً أم داخلياً، يريد أن يطبع كل شيء على صورته، ولا يريد فسحة حرية تصنع العالم داخل هذه المدينة الحميمة التي تقدس التعدد والثقافة والحريات والإثنيات، مع أن "الأصوليات القاتلة"، بحسب عنوان كتاب لأمين معلوف، أصرت على اللعب بها وإبادتها.

كنت بين هؤلاء المحظوظات والمحظوظين الذين نالوا شرف التكوّن الداخلي والنفسي على يد هذه المدينة. لقد جعلتني بعطف أهلها وصداقاتهم ونقاشاتهم وتحدّيهم الوحوش أتعلم معنى الحياة. أتيتُ إليها من موطني مشحونة بالجانب المأسوي للنضال، وفيها تعلمت أن للحياة النضالية تلوينات من ذهب وياقوت وبهجة وفرح يصنعها التضامن الإنساني وتعددية الثقافات.

إنها مدينة ينتمي المرء إليها بأسرع ممّا يتصور، وبأكثر ممّا يمكن له أن يدركه، لأن الصداقات والعلاقات تكبر فيها يانعة من دون شروط طبقية ومذهبية، وتترعرع في بيئتها الفريدة التي تكره الاضطهاد وقمع الرأي والرأي المضاد، وتحبذ النقد والنقد الذاتي. مدينة تشاركك كل ما لديها، لأنها تعطيك أكثر ممّا تحلم به من رفقة واكتشاف ومحبة للبشر والعالم. مدينة تعثر فيها على أصدقاء وصديقات، لأنها تسمح لك بالمشاركة في كل ما يجري فيها بسعادة بالغة، وبكرم غامر، ومن دون تفسير. إنها تقدم لك معنى المشاركة من دون عنف وإكراه، على الرغم من القوى الطائفية والمذهبية التي تريد أن تدمر كل شيء مثل تسونامي جارف.

بيروت أغنية كونية تعزفها الأرض للجميع، لأنها المدينة التي تفتح ذراعيها للغرباء من دون تحفظ، فتجعلهم أبناء لها، بل هي نجمتنا الأخيرة، مثلما قال محمود درويش في قصيدته المعنونة باسمها. هكذا يمكننا أن نفهم مغزى بقاء أبنيتها العتيقة التي دمرتها عشرات الزلازل منذ أبد الزمان، لكنها لم تقضِ عليها.

تلك هي بيروت التي تعلمت فيها الكتابة، وتهجيت على جلدها الأبجديات والأفكار، وهي المكان الذي جعلني مَن أنا حين انتسبت إليها منذ أعوام الحرب والحياة فيها. بيروت وحدها كانت أخطر المدن، ومع هذا غذتني بالمعرفة وإمكانات التعبير والصداقات والرفقة التي لا تبهت. وهي المدينة التي فاخرتُ دوماً بأنني تكونت فيها نفسياً وثقافياً، وهو ما انعكس على خيارات لم أكن لأصل إليها لو عشت في مكان مغلق التفكير والاختيار.

مدينة تظللت بعشقها، لأنها ضد الحجر وضد شراء الأفكار والذمم، حتى في تلك الأيام التي لم تغادرها حقول القتل الذي ظلت تترصدها به مخلوقات "الزومبي" التي تعيش على دماء الآخرين. أولئك الذين لا تطيب لهم الحياة من دون معارك واستلابات تطال كل شيء، بما فيها حياة المدينة وحياة سكانها. هؤلاء القناصة الذين كثيراً ما حاولوا اصطيادها، وفشلوا، إلى أن استجابت المواد المتفجرة لإصرارهم، وقامت بدورها التخريبي المجنون.

بيروت هي ابنة العالم التي تجعل أبناءها وبناتها يتبادلون الانتماء مع العالم كله، بل إلى كل ما ينتمي إلى الفن والموسيقى والنغم، بعيداً عن التحريم وإشاعة المحظورات التي تتهافت علينا من عواصم عربية أُخرى تدّعي الريادة والتفوق. وعلى الرغم من الصورة النمطية عنها، فإنه لا يمكن لأحد أن يتصور ما يجري فيها من عذابات وآلام مختبئة تحت سطح المدينة اللاهية، مثلما يشيعون عن صورتها. ومع ذلك، فإن هذا كله لا يثني أحداً عن عشق هذه المدينة والانتماء إليها بغبارها وضجيجها القاسي المفعم بروائح القتل والمجازر الماضية، لأنها تظل بؤرة للحياة الموّارة في عالم عربي ساكن.

أرى أصدقائي وصديقاتي فيها وهم يعانون ويكافحون الإفقار الذي تقوم به المصارف الوطنية، بدلاً من دعمهم وتنمية مواردهم، فهي تقوم بالسطو على أموالهم من دون حياء أو خجل. أراهم وهم يركضون في الشوارع، والدماء تنزف منهم وتتقاطر في كل مكان حولهم. أشاهدهم وهم يعانون ويرتجفون خوفاً ورعباً من هذا الدمار الكبير. أرى دموعهم وهي تصاحب وداع الضحايا ممّن كانوا سرّ الجذل والحياة اليانعة في هذه المدينة التي لا تستسلم ولا تهدأ ولا تكف عن الاحتجاج والتظاهر. أرى شباناً وشابات يقومون بتنظيف الشوارع، ويرفعون عنها الزجاج المكسور والشظايا المعدنية المميتة، لأنهم لا يقبلون أن يكونوا في موقع الضحية التي يطلبون منها التمسكن وإبداء الندم.

بيروت هي أُمي الروحية التي تكونتُ في رحمها. وصلتُ إليها وأنا في العشرين، وغادرتها في الثلاثين، لكنها أبت إلّا أن ترسم وشومها علي جلدي، وتطبع ألوانها على روحي ومزاجي وأذواقي وخياراتي الأساسية في الحياة، لتكتب في داخلي النكات والضحكات والأشعار والكتابات والموسيقى والرقص، سواء تحت القصف أم من دونه، بلا خوف من فرمانات العقوبات. فيها أجريتُ عشرات المقابلات الصحافية مع فنانين وكتّاب وأدباء وسينمائيين من العالم العربي ممّن أعجبهم المرور في ظلها. مَن كان يقدر على استيعاب الفلسطينيين وثورتهم غيرها، أو مئات المثقفين والمبدعين العراقيين، أو المصريين الهاربين من سجن السادات، والآخرين العرب المطاردين من الأنظمة؟ مَن كان يقدر غيرها؟

بيروت قدمت لي الحرية كي أخلق مفاهيمي عن الحياة بعيداً عن شرائع القبيلة، وفيها أقمت أروع الصداقات في حياتي، وفيها ومنها تعلمت كثيراً. لقد أعادت صوغي وسبكي وتصويري على هيئتها. لم أعد أضحك أو أشتم أو أتذوق الفنون والعروض إلّا بقوس قزح يتسع لجميع الألوان مثلها. ففي بيروت تصاغ الحياة بالحرية والفرح، ولو دققتُ وشماً على جلدي الآن لكتبتُ: بيروت. بيروت سلام تعظيم، والبقاء لذكرى مَن دفعوا شبابهم وحيواتهم فداء لك. سلام عليك، سلام.

السيرة الشخصية: 

ليانة بدر: روائية وكاتبة قصة قصيرة وصحافية فلسطينية.

اقرأ المزيد