قبلتي الأولى
النص الكامل: 

وُلِدت في بيروت ونشأت على شاشاتها المنتشرة ما بين ساحات الدباس ورياض الصلح والبرج والشهداء؛ من سينما كابيتول إلى صالتَي بيبلوس والجندول في شارع الصيفي ومحيط المرفأ. ذهابي إليها في حداثة سني كان نزهتي الوحيدة في بيروت، أمّا المنطقة الحاضنة لها في وجداني، فكانت وسط بيروت.

 

 

 مبنى الريفولي في سنة 1955.

 

على طول مبناها وعرضه، شكلت سينما ريفولي ساتراً بصرياً حجب البحر، ولرؤية البحر في الصورة، تعيّن على المصور أخذ لقطته من زاوية مطلة على مبنى السينما وأعلى منها. غياب البحر عن مرآها أورثني فكرة أن بيروت مدينة أدارت ظهرها للبحر، وأن اتجاهها هو الجنوب، وأنها محصورة بين شرقها وغربها. ومن دون مبالغة أقول أنني لم أرَ البحر خلف عمارة سينما ريفولي إلّا في الصورة التي تؤرخ هدمها في منتصف تموز / يوليو 1994. كان هدماً مثيراً للأسى، إذ عاند المبنى سقوطه بالطرق التقليدية طوال يومين، إلى أن أزاله الجيش اللبناني نسفاً بسبعمئة كيلوغرام من مادة "تي أن تي".

يفوق عدد اللقطات المتداولة عن مبنى ريفولي، منذ خمسينيات القرن الفائت حتى أواخره، تلك المنشورة لسائر دور السينما الراحلة؛ ويمكن معاينتها في الصور السياحية والبطاقات البريدية القديمة، وملاحظة وفرة انتشارها وتردده، بحيث أمسى المبنى أيقونة وسط المدينة، ومفتاح الدخول بالصورة إلى قلب العاصمة ودعوة العين إليه، فهو في الصور ملحق بصخرة الروشة ومغارة جعيتا وتمثال حريصا والقلاع الأثرية، وبكثير من علامات صناعة السياحة ودعايتها في لبنان.

 

 صورة ثانية لمبنى الريفولي.

 

وعلى الرغم من تفجير هذا المبنى تنفيذاً لمخطط "سوليدير"، فإنه صمد في الصورة المتبقية عنه وحافظ على كليشيه موقعه في وسط العاصمة، أو "البلد" بحسب تسميته الشعبية. لقد بدا كأنه استرد حياته من غبار هدمه واندثاره، ولم يغب عن عدة أفلام كمرجع بصري ومفتاح عودة إلى ازدهار البلد أو خرابه، هذا البلد الذي انتقل من ضجيج حركة النقل والمارة في خمسينيات القرن العشرين وستينياته إلى سكون الموت في تسعينيات ذاك القرن. ففيلم "بيروت" لمخرجه الأميركي براد أندرسون (2018) يبدأ من لقطة للريفولي وساحة الشهداء، مأخوذة من الأرشيف السينمائي، وهي لقطة تعيد المتفرج إلى فترة السبعينيات، كما أن لقطة هدم الريفولي، في معظم الأعمال الوثائقية الذي أُنتج وتناول الانتقال من الحرب إلى إعادة الإعمار، ما زالت اللقطة الأكثر استعمالاً وتوثيقاً للحظة ذاك الانتقال.

كل حدث تسجله الكاميرا يُخلق من جديد ويولد معه الكليشيه خاصته، فتكون له صورته المختصرة لمحتواه ورمزيته، والتي يمكن عرضها ومشاهدتها ومعاودة العرض والمشاهدة لأعوام من دون كلل، ومن دون أن يترتب على عرض الصورة حقوق مؤلف، ولا إذن لاستغلال إنتاجها في فيلم، والتصرف في ألوانها وإبطاء سرعتها أو زيادتها أو إرفاقها بتعليق صوتي أو بتسجيل موسيقي وفقاً لطريقة استخدامها وأسلوب تركيبها بين لقطات أُخرى. وهذا النوع من الصور يتجاوز الشروط والقوانين وقيود الرأي والتعبير. فالصورة إذا ارتبطت بحدث جلل والتُقطت من أقرب زاوية له وظهرت في إثر وقوعه مباشرة، فإن الرائي لا يكترث لمعرفة صاحب الصورة وناشرها، ولا تستوقفه جودة إضاءتها ولونها وقيمتها الفنية ما دام لها طابع السبق في القبض على لحظة غير قابلة للتكرار، ولا يهم أن تكون صادرة عن هاوٍ أو مصور محترف. وفي زمن الفيديو والكاميرات الرقمية وعدسات الهواتف الخلوية والنشر على مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية، باتت الصورة المسجلة لواقعة في حجم تدمير سينما ريفولي، أو في ضخامة حدث أشد إيلاماً، من صنع هواة وليس محترفين، بحيث إن تكرار بثّها والرجوع إليها يجعلها صنو حدثها، ومقيمة في حقيقته. الحدث يبارح مكانه ويزول، لكنه لا يبارح الصورة، ولا الصورة تغادره.

لا يوازي تفجير سينما ريفولي، الخالي من الضحايا البشرية، فاجعة إلقاء قنبلتين ذريتين على اليابان في الحرب العالمية الثانية، أو هول هجمات الحادي عشر من أيلول / سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة الأميركية، وما أسفر عنه الحدثان من ويلات وخسائر فادحة في الأرواح، إلّا إن صورة التفجير استحقت بمرور الوقت انتماءها إلى فئة الصور المتداولة عن هيروشيما وسحابتها النووية وإسقاط برجَي التجارة العالمية في نيويورك بطائرتين مدنيتين. وهذه الصور لها من الفرادة نسبة كبيرة تجعل الحدث منوطاً بها بعد محو أثره، فبقاؤه من بقائها، وليس العكس، وغيابها يشتته ويجعله خبراً من أخبار تواتر ذكرها على مرّ الزمن. وآية ذلك أن ذاكرتنا البصرية الجماعية عن القصف النووي لليابان واعتداءات 11 أيلول / سبتمبر لثلاث ولايات أميركية، تقتصر تقريباً على السحابة البيضاء العملاقة التي تلت ضرب هيروشيما وليس ناغازاكي، وعلى الطائرتين المدنيتين اللتين اخترقتا البرجين التوأمين في نيويورك وليس بنسلفانيا وواشنطن، كأن ناغازاكي والولايتين الأميركيتين المذكورتين فارقت تاريخها لعدم وجود صورة توجز الحدث ونتيجته، وترمز إليه في آن واحد.

على المنوال نفسه، توجز صورة تفجير الريفولي رمزية اللحظات الثلاث الفاصلة بين فترات الازدهار والحرب وإعادة الإعمار؛ تفجير أزال آخر ستار كان يحجب البحر عن ساحة الشهداء وقلب البلد، وأسدل في الوقت نفسه ستاراً آخر متصلاً بشاشة العرض داخل المبنى المنسوف، سينما ريفولي، إذ كانت شهرة المبنى من شهرة صالته السينمائية. وحقيقة أنه ترسخ معلماً دالاً على وسط العاصمة لم تأتِ من خروجه عن المألوف في هندسته المعمارية، وإنما من طابع شعبي أوجدته سينما ريفولي، فنحن نتذكره بقدر ما نتذكر شاشتها والأفلام وسِمتها. ولعل فيلم "خللي بالك من زوزو" للمخرج حسن الإمام ونجمته سعاد حسني، هو الحدث الأوحد الذي خلّد تلك السينما، بما شهده من إقبال جماهيري استمر أشهراً. فحين أتذكر اللوحة الإعلانية الضخمة التي كانت منصوبة عند مدخل الريفولي، وعليها رسم لسعاد حسني وعبارة "تمثل!... وترقص!... وتغني!..."، لا أتردد في القول إن "خللي بالك من زوزو" كان أيقونة سينما ريفولي أكثر ممّا كانت الأخيرة أيقونة وسط بيروت، البلد.

 

 ملصق فيلم "خللي بالك من زوزو".

 

الشائع أن اسم سينما ريفولي اختير تيمّناً بالشارع العريق في باريس، إلّا إن كثيرين ممّن أنشأوا دور عرض ومسارح وعاصروا تأسيسها في بيروت طوال ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته وخمسينياته، يذهبون إلى أن أسماء الصالات اقتُبست من نظيراتها في القاهرة، لكن مَن قال إن أسماء الصالات المصرية لم تكن في دورها منحولة عن أصول فرنسية، ولم تكن خليطاً جمع بين أسماء سلاسل من دور عرض ومعالم شهيرة في مدن الغرب؟ الحقّ أنه كان لريفولي صنوها في القاهرة وباريس في آن واحد، والأمر نفسه ينسحب على صالات مجاورة لها في ساحة الشهداء، طواها النسيان ومنها "أوديون" و"أوبرا" و"كايرو"، وصالات أُخرى جمة سقطت من الذاكرة كانت قائمة في ساحات رياض الصلح والبرج والدباس وشوارعها الفرعية، على غرار كابيتول ومتروبول وأمبير وروكسي وراديو سيتي ودنيا وبيغال وميامي.

بعد الحرب، صمد مبنيا أوبرا والتياترو الكبير وجزء من المجمع التجاري سيتي سنتر. وبينما رُمّم الأول واستأجرته شركة فيرجن (Virgin) المتخصصة ببيع المنتوجات الفنية والكتب والأدوات الإلكترونية، ظل الثاني على خرابه وخاض أهل المسرح والتجمعات الفنية والثقافية معركة الدفاع عن وجوده وثني الشركة العقارية لإعادة إعمار بيروت، "سوليدير"، عن تدميره أو جعله مقصفاً آخر مماثلاً للمشاريع السياحية المشمولة في مخططها، أو مُجارياً للموضة التي رافقت إقلاع سوليدير وراجت وساهم في إطلاقها رجل الأعمال بشارة نمّور عبر تحويل البيوت العتيقة إلى مطاعم وحانات. أمّا الثالث، سيتي سنتر، فلم يدم من أثره في سبعينيات القرن الماضي سوى سينما سيتي بالاس.

بخلاف التياترو الكبير، افتقدت سيتي بالاس الحملات المدافعة عنها والمطالبة بعدم إزالتها أو تحويلها. ولولا قبّتها البيضاوية المحروقة التي ظلت ماثلة للعين وحركت فضول السائلين وحيرتهم وتحرّيهم عن ماضيها، لما بُعثت حكايتها من جديد ونُشرت في غير صحيفة ووسيلة إعلامية. وقد التبس اسمها عند كثيرين، وما زال هذا الالتباس يتراوح بين مَن استرجع اسمها الحقيقي، ومَن سمّاها سيتي سنتر نسبة إلى المجمع التجاري الواقع عند أول شارع بشارة الخوري.

كانت سيتي بالاس آخر العنقود في سلالة صالات البلد وأقصرها عمراً، فقد تقاسمت هي وسينما ستراند في شارع الحمرا برمجة الأفلام الأميركية، وباستثناء تشاركهما كل صيف في تقديم العروض الاستعادية لكلاسيكيات محمد عبد الوهاب من الأفلام الغنائية، انفردت سيتي بالاس بأحدث العروض الأولى للسينما المصرية، واستضافت أجرأ فيلم جنسي أنتجه العرب حتى اليوم: "سيدة الأقمار السوداء" لمخرجه اللبناني سمير خوري، مع ناهد يسري وحسين فهمي.

 

ملصق كبير لفيلم "سيدة الأقمار السوداء" على واجهة سينما سيتي بالاس.

 

لم تعمّر سيتي بالاس طويلاً، فبعد نحو خمسة أعوام على افتتاحها، راحت ضحية الحرب في ربيع سنة 1975، ومع ذلك، تبدو الآن كأنها من زمن ما سبقها، ومن تاريخ الأوبرا والتياترو الكبير، بل أطول أثراً منهما. ولا ريب في أن هذه الصالات الثلاث تُعتبر الشواهد الأخيرة على دور السينما ما قبل الحرب، ومقارنة إحداها بالأُخرى تُظهر أن سيتي بالاس أظهرت قابلية للانتعاش، وأن ثمة روحاً ترفرف في أرجائها، لم تغادرها.

أمّا مقاومة أوبرا لهدمها وردمها ضمن مخطط سوليدير فأسفرت عن إنقاذ مبناها وإدخالها في المخطط، إذ رُمّم مبناها المؤلف من ثلاث طبقات وصالتين سينمائيتين: أوبرا في الطبقتين العلويتين وشقيقتها الصغرى ريو في الطبقة السفلى، لكن اسم أوبرا امّحى واستُبدل باسم فيرجن، وتغيرت هوية المبنى، ولم يعد معروفاً مثلما عهدناه في السابق داراً - وأكثر - للعرض السينمائي.

مع سيتي بالاس، حدث شيء مختلف تماماً، فقد أتت الحرب على مبناها وأحرقتها وأخفت اسمها حتى بدت طللاً غامضاً من أطلال البلد، ينتظر حلول عمارة بوظيفة جديدة محله، لكن اسمها، وإن توارى، لم يُستبدل بآخر، وإنما عاد وأعادها إلى الحضور في غير مناسبة وحدث في الأعوام الأخيرة.

أمّا التياترو الكبير، وعلى الرغم ممّا غمرت به من حنين وشهادات في مجدها الغابر ومناشدة بالحفاظ على إرثها الثقافي، فإن موقعها ظل في قلوب محبّيها ومجايليها، وأنتج شكلاً من المعارضة الثقافية لمخطط سوليدير، اندثر مع ما اندثر وهمد في بقاياها، فلم تسترد أنفاسها من داخلها مثلما استردتها سيتي بالاس بأقل قدر من الحنين إلى عتمة أفلامها وأضواء أيامها. وفي سنة 2006، كان في وسع المحتفين بالذكرى الأولى لاستشهاد سمير قصير اختيار خربة التياترو الكبير مكاناً لإحياء الذكرى، لكنهم آثروا طلل سيتي بالاس، كأن اختيار صالة قضت قبل أوانها يمثل تحرراً من ثقل التاريخ وضجيج العواطف في صالة ناهزت عقدها التاسع. وأزيد أن سيتي بالاس احتضنت في بدايات ثورة 17 تشرين الأول / أكتوبر 2019، ورشات عمل ونشاطات أشعلت سجالات حادة بشأنها، وأحسب أن جيل ما بعد الحرب وأبناء الثورة هم أقل اكتراثاً للحنين وانشغالاً به ممّن عاشوا الحرب وما قبلها، وكذلك أكثر اختلافاً وحرّية إزاء أيقونات المدينة. إن حبهم لسيتي بالاس لا يقل عن حبّ أسلافهم، لكنهم أحرار في حبهم لها، ويريدونها أن تنتقل إلى يومهم لا أن ينتقلوا إلى أمسها، فلا يضيرهم مثلاً أن يستوحوا من قبتها البيضاوية اسماً لا يخون شكلها، ما داموا لا يمسونها في الروح، فصار اسمها "البيضة"، غير أن هذه البيضة لفّها السواد. ولئن كان هدف هادمي سينما ريفولي من تسويتها بالأرض هو محو ذاكرة الحرب بوسيلة الحرب، الديناميت، فها هي سيتي بالاس أيقونة الحرب نفسها لا تزال منتصبة ولن تغادرنا، وكم تبدو صورتها اليوم عاكسة ومعاكسة في آن واحد لانفجار المرفأ في الرابع من آب / أغسطس 2020، ومتصلة بحرب سنة 1975، حرب خامدة في سوادها، وحرب مشرقة في بياض السحب المنبعثة من انفجار المرفأ.

 

قبَة سيتي بالاس هي ما تبقّى من المبنى، والتي باتت تُعرف باسم "البيضة".

 

شكل الفطر في انفجار المرفأ في 4 آب / أغسطس.

 

في العربية كلمتان متلازمتان أحبهما كثيراً عند استعمالهما في مديح الأمكنة: قِبلة النظر. صالات بيروت الراحلة كانت قِبلات نظر في كل ساحة وشارع من أرجائها: كابيتول قبلة ساحة رياض الصلح؛ التياترو الكبير قِبلة شارع الأمير بشير؛ ريفولي قِبلة ساحة الشهداء؛ بيكال قِبلة ساحة الدباس؛ سيتي بالاس قِبلة شارع بشارة الخوري؛ أمبير بوابة الجميزة قِبلتي أنا، ففيها شاهدت أول فيلم في حياتي، وبضوئها اغتسلت عتمتي، وفيها كانت قُبلتي الأولى ولم أدرِ أنها كانت قُبلة وداع فقط.

 

 مبنى سينما أمبير.

السيرة الشخصية: 

محمد سويد: كاتب لبناني، وناقد سينمائي، ومخرج أفلام وثائقية.

اقرأ المزيد