بيروت، بيروتنا
النص الكامل: 

 I

في بيروت كان درسي الأدبي الأول، عندما طُبع كتابي الأول "البشارة" في سنة ١٩٧٠، فقد كان ذلك من أحلام جيلنا.

ومن بيروت تعلمت معنى صدور كتاب، بعد عناء الكتابة، وفي بيروت زاد لديّ إحساس الكاتب بالكون الشاسع، وبدأت أكتب بشعور الكائن في العالم.

ثم تأكد ذلك الشعور، عند زيارتي الأولى لبيروت للمشاركة في الملتقى الشعري العربي الأول الذي نظّمه "النادي الثقافي العربي"، أيام جوزيف مغيزل، وهو محامي صادق جلال العظم في محاكمة كتابه "نقد الفكر الديني"، وكانت تلك المناسبة هي الدعوة الأولى إلى المشاركة الأدبية والأولى خارج البحرين أيضاً.

وقتها كانت بيروت هي ذروة الفعل الثقافي والسياسي العربي، والالتفات المبكر إلى مفاهيم حداثة الكتابة الأدبية.

 II

 إذاً، كان الكتاب الأول في بيروت،

وكانت المشاركة الأدبية الأولى في بيروت،

وكان ذلك الوقت الملائم لانطلاقة الكتابة الأدبية الجديدة في البحرين؛ وقتها كنّا جميعاً نرى في لبنان ملجأ أرواحنا الجديدة الشريدة، وخصوصاً أننا كنا آنذاك في ذروة حماسة التفتح الثوري المتصاعد من وردة بيروت. حتى إن الشاعر الصديق فوزي كريم، عندما لاحظ أنني كنت أسلّم شعراء الملتقى العدد الجديد من نشرة  "9 يونيو" الصادرة عن "الجبهة الشعبية لتحرير عُمان والخليج العربي"، علّق قائلاً: "هذا هو الشعر والثورة."

 III

 لم تكن زيارتي الأولى لبيروت (١٩٧٠) حدثاً أدبياً فحسب، بل حدث سياسي أيضاً، ولعل تلك المرحلة تشكل ذروة انهماكي النضالي الذي كنت أتلقى فيه الدرس الأول لجميع الحقول الجادة في حياتي. ففي تلك السنة بالذات شاركت في أول اجتماعاتي الحزبية في بيروت، وصدر كتابي الأول، وشاركت في "الملتقى الشعري العربي" الذي شارك فيه للمرة الأخيرة كل شعراء الحداثة العرب، فضلاً عن أن زواجي (أسرتي الأولى) كان في السنة نفسها. وكنا في البحرين قد أسسنا التجمع الأدبي الجديد (أسرتي الثانية / أسرة الأدباء والكتّاب)، والذي تحقق من خلاله أحد أجمل أحلامنا الثقافية والاجتماعية آنذاك.

تلك كانت المرحلة التأسيسية لحياة أزعم أنني أدركت زخمها النوعي بعد أعوام طويلة، فذلك الاحتدام حدث في ظل الحضور الحضاري لبيروت في حياتنا العربية. غير أن ذلك الدرس اللبناني المبكر منحني التجربة الأُخرى، إذ عدت إلى البحرين لأتعرض لاعتقال طويل، بعد أن منحني، ذلك الدرس اللبناني الجميل، صداقة أكثر الكتاب تأثيراً في حياتي: أدونيس؛ عبداللطيف اللعبي؛ عباس بيضون؛ الياس خوري؛ نزار قباني؛ سعدي يوسف؛ محمد عفيفي مطر؛ شوقي بزيع؛ محمد علي شمس الدين؛ حسن عبد الله؛ محمد العبد الله؛ حسن داود؛ حبيب صادق (مؤسس المجلس الثقافي للبنان الجنوبي)؛ حسين مروة؛ وجميع شباب حداثة الشعر العربي المتمثل في المشاركين. وعندما زرت مجلة "الحرية"، تعرفت يومها إلى الصديق فواز طرابلسي، ومحسن إبراهيم، وفي مجلة "الهدف" تعرفت إلى غسان كنفاني.

ثم تكررت زيارتي لبيروت طوال سبعينيات القرن الماضي، حين كانت بيروت في ذروة زهوها بين المدن العربية، فتعرفت فيها إلى محمود درويش، وطبعت كتابي الثاني في "دار العودة"، حيث كان محمد سعيد محمدية وسليم بركات القادم تواً من القامشلى. لقد أصبحت بيروت مدينتي العربية التي أستطيع أن أتجول فيها وحدي، وأزور الدكتور سهيل إدريس في مجلة "الآداب"، ومحمد دكروب في مجلة "الطريق"، وأذكر الكاتب الفلسطيني توفيق فياض الذي كان في "دار الفتى العربي".

 IV

توالت بعد ذلك نشاطات الحركة الأدبية في البحرين، متصلة بتجربة الحداثة في بيروت، وبدأت الثقافة العربية تتعرف إلى صوتنا الأدبي الجديد. وأذكر جيداً النص الذي حاور وعرّف فيه الياس خوري بالكتاب الأول لقصص أمين صالح "هنا الوردة، هنا نرقص" (١٩٧٣)، وأظن أن ذلك النص نُشر في مجلة "شؤون فلسطينية" أيضاً.

والحقّ أن النصوص الأدبية الجديدة التي صدرت من الأفق العربي الكوني الذي هيأته لنا بيروت ودرّبتنا عليه، جعلتنا مرتبطين بها بصفتها مدينة تحمل إحدى أجمل علاقاتنا بالثقافة العربية، وأحلامنا أيضاً.

 V

 زرت بيروت بعد الحرب وكتبت عنها، واعتبرت ما حدث لها ضرباً من "أحلامنا المغدورة".

كان ذلك في سنة ١٩٨٠، عندما شاركت في مؤتمر اتحاد الكتّاب اللبنانيين، برفقة الصديق عبد القادر عقيل، إذ أتيحت لنا زيارة بيروت، ضحية ملوك الطوائف، التي لم تزدها أعوام الحرب إلّا ثباتاً على كواهل وأكباد الشعب اللبناني.

لذلك يمكن أن نصاب بصدمة مضاعفة، عندما نضطر إلى اكتشاف الطبقة السياسية ذاتها؛ فهي ذاتها - مع تبلوراتها المتناسلة - لا تزال تقبع على صدر لبنان، وتتدرّع باتفاقات "طوائفية" ساهمت وتساهم في تكريس نظام غير حضاري لقلب حضاري.

 VI

 الآن، يصح القول إن ما يحدث لبيروت من عذابات واختطاف، إنما هو يحدث لبيروتنا.

السيرة الشخصية: 

قاسم حداد: شاعر بحريني.

اقرأ المزيد