صعود مدينة بيروت وسقوطها
النص الكامل: 

أنا في صف المتفرجين.

بيروت هي المسرح والمسرحية

العرض مأسوي

أبكي

 الفصل الأول

ولدتُ في بيروت في زمن الانتداب الفرنسي، وصعدت على خشبة المسرح لأول مرة في سن السابعة في المدرسة، ومنذ ذلك الحين أدمنت المسرح، وأوهامه المفتعلة وعواطفه الصادقة. كانت بيروت آنذاك قرية كبيرة بين غابة من أشجار الصنوبر والكينا، ودروب ضيقة منحدرة إلى البحر تحدّها شجيرات من الصبار. كنت أحب المسرح، وكنت ولداً في بيروت.

في الخمسينيات، اشتعل الشرق الأوسط: تقسيم فلسطين، وثورة في مصر، وانقلابات في سورية والعراق. وفي هذه الفترة، استقطبت بيروت أصحاب الرساميل وأهل الفكر والفن: مثقفون وفنانون من حيفا والقدس والإسكندرية والقاهرة ودمشق وحلب وبغداد والموصل، في الوقت الذي أتاح النظام الليبرالي واقتصاد السوق في لبنان للبرجوازية العربية ترتيب شروط الرفاهية والنمو الاقتصاي، وهي الأمور التي أصبحت عسيرة في الدول الأُخرى.

بيروت، عاصمة لبنان، خرجت من شرنقتها وأصبحت عاصمة عربية: مركزاً محورياً للمطالب الديمقراطية أو الوطنية أو الاجتماعية التحررية؛ مدينة منفتحة على التيارات الدولية الرئيسية للفكر والإبداع والثقافة. بالنسبة إلى الأمراء الجدد، ارتبط التقدم الحضاري بالرفاهية والسياحة: كازينو المعاملتين؛ مهرجانات بعلبك الدولية... إلخ، لكن مدينة بيروت كان لها طموحات أُخرى تجاهلتها الدولة اللبنانية التي لم يتوقف ازدراؤها للفنون حتى يومنا هذا.

كوكبة من الشباب، عشاق الحرية، اخترعوا الفضاء الأسطوري لبيروت العاصمة الثقافية؛ شباب كانت تنبض قلوبهم على إيقاع مدينة متنامية.

ارتفعت درجة الحرارة في المقاهي التي أصبحت ميادين ثقافية عفوية مفتوحة لمجابهة الفنون وصراع الأفكار، وازدهرت الصحافة اللبنانية وخصّصت صفحات للأحداث الثقافية. أصبح الرسامون مشاهير، وكل معرض كان يثير نقاشاً. كان الأدب والشعر في خضمّ انتفاضة، الحداثة ضد التقليد، والشعر الحديث ضد الشعر الموزون. أمّا المسرح، فكانت أسرته صغيرة، وكان محاطاً بمودة إخوته الكبار، برعاية زوجات رجال الأعمال، وهن سيدات مثقفات جميلات وثريّات. أنشد ملوك طيبا (Thebes) وصعاليك بكيت (Beckett) شقاءهم على خشبة مسرح لم يجفّ دهانها بعد، وصفّق لهم الجمهور كأنه كان ينتظر مجيئهم ويصبو إليهم منذ فترة طويلة. إنه العصر الذهبي، مثلما نقول اليوم، الذي يحضّ الإنسان على تجاوز نفسه في اليوتوبيا التي تفرزها المدينة.

ليست العملية معجزة سحرية، وإنما نمو مضاعف ناتج من معادلة بسيطة: مزاحمة الفنون بعضها للبعض الآخر: الرسامون والشعراء والصحافيون والموسيقيون والمسرحيون كانوا ينتمون إلى الفضاء نفسه؛ الجميع يعرف الجميع، والجميع يتفاعل مع أعمال الجميع، والجميع يتحدث ويتجادل في المقاهي والمعارض والمسارح؛ المهندس مع الممثل، والأديب مع الرسام، والشاعر مع الموسيقي؛ كل طاقة تساهم في تطور الطاقات الأُخرى. وبفضل تشعّب الاختبارات وتنوّع النقاشات، ازدادت الشهية إلى الثقافة، وترسخ الاعتراف الاجتماعي بالفنون.

كنت أحب المسرح، ووقعت في حب بيروت.

 الفصل الثاني

للمرة الثانية، قرع التاريخ أبواب المدينة، واقتحم حياتنا اليومية. هزيمة حزيران / يونيو 1967، وظهور المقاومة الفلسطينية، وثورة أيار / مايو 1968 العالمية؛ كلها كانت زلزالاً زعزع جدران القلعة الثقافية. لكن الفن أو المسرح أو الثقافة تبدو تافهة أمام مأتم لشاب لبناني لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، محمولاً على الأكتاف شهيداً وقد شيّعه 100,000 شخص، واستُقبل موكبه في مختلف المناطق اللبنانية بقرع أجراس الكنائس ونداءات المآذن. خليل عز الدين الجمل هو أول مَن استشهد من اللبنانيين في سبيل القضية الفلسطينية؛ سقط في معركة تل الأربعين في نيسان / أبريل 1968. بعد هذا الحدث، وعلى الرغم من سطوة "المكتب الثاني" الذي كان يضيق الخناق على المؤيدين للقضية الفلسطينية، فإن التظاهرات المؤيدة للعمل الفدائي انطلقت في بيروت.

أذهل تحوّل بيروت العالم!

عندما يخرج الناس إلى الشوارع للتعبير عن أنفسهم، لا يعودون حشداً، بل يصبحون شعباً. فعلى غرار التغيرات في جسم المراهق عند سن البلوغ، يكتشف الشعب المشاعر التي لم يكن على دراية بها، والوظائف التي لم يستخدمها بعد، ويشعر بقوة الرغبة في الحرية. ابتدعت الحرية الحديثة لغتها في شوارع بيروت، وانتقت مصطلحاتها بلا تسويغ: صورة تشي غيفارا (Che Guevara)، والوشاح الفلسطيني، وهوشي منه (Ho Chi Minh)، وعبد الناصر، والكتاب الأحمر، ومحمود درويش... لا تهمّ التناقضات، بل إنها تتلاشى في زخم الحماسة التحررية، كأن المدينة تبحث عن قصيدة خاصة بها؛ تكشف عن نفسها لنفسها، وتكتشف قدرتها وقَدرها، فلا تبقى أسيرة في دورها كعاصمة سياسية أو اقتصادية. إن علّة وجود بيروت هي الحرية: موهبتها هي التعبير عن الحرية، قَدرها هو حياة وموت الحرية. المدينة في حالة جَيَشان: تظاهرات لدعم مزارعي التبغ؛ لتأييد إضراب عمال مصنع غندور؛ تظاهرات طلابية؛ تظاهرات لدعم الفدائيين. المتظاهرون يغنون أغنية من مسرحية شوشو: "شحادين يا بلدنا!" كان لشوشو ولاحقاً لزياد الرحباني الموقف الفَطِن نفسه: ربط المسرح بالشارع. وقبل أن نصل إلى هذا الإزهار المبهج، حدث تغيير جوهري في الممارسة المسرحية: التخلي عن المسرح الكتابي والبحث عن نص جديد لأفكار جديدة؛ اليقين أنه محكوم علينا أن نخترع مسرحنا، مسرحاً تُستشف لغته وحيويته في سياق تواصل حقيقي مع الانتفاضات التي تعبّر عن إشراق الحياة الممكنة. في اليوم الذي يدرك الممثل أنه يشبه أفراد الجمهور، وأنه يشاركهم أحلامهم وآلامهم، وأن كربهم هو كربه ومستقبلهم هز مستقبله أيضاً، لا يعود في إمكانه القيام بالمسرح الأدبي الذي كان يقوم بتمثيله.

 

روجيه عساف وشوشو وصرخة "آخ يا بلدنا".

 

كم كانت متألقة ومفرحة العروض المسرحية: تمثيليات ريمون جبارة، و"محترف بيروت للمسرح"، وتلك الخاصة بـ "شوشو"... حالة القرب الصريحة وغير المحتشمة بين الممثلين على الخشبة والمشاهدين في القاعة، هي حالة قرب وقحة وممتعة، كأنها فرحة لمّ الشمل بين جمهور مبتهج وفنانين سعداء بعودتهم من منفاهم الثقافي.

كنت قد سئمت من المسرح، فقدّمَت لي بيروت مسرحاً آخر شكله من سيمائها، ومغزاه من طينتها.

 الفصل الثالث

بيروت ممزقة إلى قسمين: الجولات الأولى من الحرب وبغتة انتشار القناصة رسمت "خط التّماس" بين "بيروت الشرقية" و"بيروت الغربية". هذه المصطلحات البشعة أصبحت مبتذلة في الحديث عمّا سُمّيت "الحرب الأهلية" (1975 – 1990). يا للانحرافات المحنقة التي تساهم في تشويه إدراكنا للتاريخ! سُمّيت "حرباً أهلية"، في حين أن قوى فلسطينية وسورية وإسرائيلية اشتركت فيها على الأرض اللبنانية! "حرب أهلية" وأهم الأحداث التي حتمت سياقها هي: غزو الجنوب واحتلال الجيش الإسرائيلي لثلث الأراضي اللبنانية؛ تدخّل الجيش السوري وسيطرة سورية على سائر الأراضي اللبنانية؛ حرب 1982 وحصار بيروت من طرف الجيش الإسرائيلي؛ المقاومة اللبنانية ضد العدو المحتل في بيروت وفي الجنوب. وانتهت ما تُسمّى "الحرب الأهلية" في وقت لا تزال إسرائيل تُحكم قبضتها على الجنوب اللبناني، ونظام دمشق يسيطر على بيروت والمناطق الشمالية والشرقية.

هناك حكاية أُخرى تحجبها الروايات التاريخية (الرسمية وغير الرسمية)، وهي حكاية النشاط الكامن والمثابر الذي يبرز في الأزمات (حتى يومنا هذا)، والذي يحقق في إنجازاته تطلعات الشعب اللبناني المعارضة للتقسيم والعنف المدمر. لم يتم إجراء أي استقصاء لإنجازات اللجان الشعبية والمجموعات المستقلة التي تشكلت وأفلحت في غياب المؤسسات أو قصورها. لاحقاً، في أثناء حصار بيروت في سنة 1982، تألفت لجنة من المتطوعين، متعددة الطوائف والانتماءات العقائدية، غير موالية سياسياً، وعلى اتصال مباشر ودائم بالناس في مراكز تجمعات الأهالي. وقد نمّى تكاثر التطوع سعة اللجنة وأهليتها، بينما وطّدت نوعية التقارب من الناس فاعليتها وبسطت عملها، الأمر الذي جعلها قادرة على إحصاء الأشخاص والأماكن وتشخيص الحاجات والضرورات، وبالتالي تنظيم التموين والصحة العامة والتنسيق مع الهيئات الإغاثية والطبية. لكن النقطة الرئيسية تكمن في العقلية الجماعية التعاونية التي أفرزتـها سلوكية أعضاء اللجنة (معظمهم شباب)، وفي التضامن الحيوي والهنيء الذي ابتكر نوعاً من المواطنية البكر القابلة لتجاوز حالة الحصار، والحاملة لمقدمات مشروع مجتمع وطني في إمكانه أن يبقى حيّاً. غير أن تـتمة الأحداث – أي تسليم المدينة للجيش الإسرائيلي المجتاح – أجهضت الفكرة في مهدها.

ما تخنقه السياسة ويحجبه الخطاب الرسمي يأتي إلى النور في الفنون ويفرض بقاءه في الذاكرة الجماعية. فخلافاً لبيروت الشرقية المتجانسة دينياً وسياسياً، كانت بيروت الغربية مميزة بتركيبتها السكانية المتنوعة، وبالتالي، كانت نوعاً ما، محافظة على هوية العاصمة. وأهم من الاختلاط الطائفي، فإن التباين في الميول السياسية أدى إلى غليان ثقافي: الفكر القومي (العروبي والسوري)؛ الفكر الديمقراطي؛ الإسلامي؛ الاشتراكي؛ الشيوعي (بمختلف اتجاهاته، بل بتلك المعارضة أيضاً)؛ الأمر الذي شكّل تربة ثقافية خصبة. إن تجدد الفضاء الثقافي الذي ابتكره الفنانون في بيروت الستينيات، وتجارب الرسم والموسيقى والسينما والمسرح، تلاقيا وتباعدا في ممارسات فنية مبتكرة وراديكالية: أفلام جان شمعون؛ أغاني مرسيل خليفه؛ مسرحيات زياد الرحباني؛ رسوم ناجي العلي؛ لوحات سمير خداج؛ مسرح الحكواتي... تألق المسرح اللبناني في المهرجانات الدولية، وحل محل صور الموت والدمار التي كانت وسائل الإعلام تبثّها باستمرار.

كنت مقتنعاً بمنفعة المسرح، وكنت مؤمناً بخلود بيروت.

 الفصل الرابع

أحببت بيروت، وآمنت بأسطورتها، وعشت حلمها.

ليست بيروت هذا التكديس من المباني التي يسهل انتقادها بسبب إعمارها الفوضوي وجمالياتها المشكوك فيها. بيروت هي علاقة حميمة مميزة بين الفضاء والناس، علاقة نفسية وسياسية تولّد عند سكانها انتماء معنوياً إلى حاضرة لا حدود للمقصود فيها: أديان، وثقافات، ولغات، وتقاليد، وحداثة، وملتقى الغرب والشرق، وعاصمة الكتاب، ومركز لعالم المال، وفوق كل شيء، الشعور بالحرية (مشوب بميل إلى الفوضى). جميع اليوتوبيات وجدت مكاناً لها في بيروت: يوتوبيا الأمة العربية؛ يوتوبيا الحيادية اللبنانية؛ يوتوبيا العلمانية؛ يوتوبيا الاشتراكية؛ يوتوبيا حوار الأديان؛ يوتوبيا التقسيم الكونفيدرالي... غير أن بيروت، في سنة 1982، علّمتنا سرّها: إن المدينة المهددة والمحاصرة والمقصوفة والمحرومة من الكهرباء والتموين، قادرة على توليد النسيج الاجتماعي الحي الذي يحتاج إليه المجتمع المدني. وبينما المحاصِر الإسرائيلي كان محصوراً في سترته الواقية من الرصاص ومحبوساً في دبابته، كان البيروتي حراً في قميص مفكوك الأزرار، يشاهد مباريات بطولة العالم لكرة القدم، على أجهزة تلفزيون صغيرة موصولة ببطاريات السيارات. المقاومة في بيروت المحاصَرة أوضحت بشكل مثير للإعجاب دونية القوة العسكرية في وجه قوة السكان الذين يتماهون مع مدينتهم. لكن، عندما خانها الزعماء (الفلسطينيون واللبنانيون)، وأصبحت بيروت موضع تفاوض ومساومة، سُلّمت لجيش شارون الإسرائيلي، وحلّ عليها "السلام" الصهيوني: سقط 1400 ضحية في صبرا وشاتيلا، دُفنت على عجل مع تكريم إعلامي عالمي، وتبددت في دهاليز النسيان.

حان الوقت للفارس الوسيم أن يوقظ الأميرة النائمة. ظهر من خلف الكثبان الرملية في الطائف، المنقذ الثري الذي سيعيد بناء المدينة بشكل أجمل ممّا كانت عليه. قلّة هم الذين شعروا بخطر تسليم السلطة إلى رجل أعمال ثري. تقول الحكمة: "المال يجب أن يُستخدم، لا أن يحكم"، والتجارب السياسية في العصر الحديث غنية بالأمثلة عن عواقب وضع يد الثروة على السلطة: تدمير البيئة، وارتفاع الفساد، وزعزعة الديمقراطية.

ما هي العلاقة الحميمة التي تنشأ بين الرجل والمدينة عندما يعبرها في سيارة مصفحة ذات زجاج أسود ويخرج منها مرتدياً نظارات سوداء ومحاطاً بحراس مسلحين في بدلات سوداء؟ مسألة التعمير، بالنسبة إلى رجل أعمال مثله، هي مسألة جرافات وخلاطات الأسمنت، بينما الإصلاح يعني تكليف الزعماء الذين سيطروا على المناطق التي أفرزتها الحرب، إدارة الشؤون العامة. هل من حل أبسط؟ قائد ميليشيا يصبح وزيراً، ورجاله يصبحون موظفين في المؤسسات الحكومية. لم يكن من المصادفة أن مصالح المضاربين والمحتكرين فرضت تدمير وسط المدينة وسلب سكانه وأصحاب المتاجر فيه، وإلغاء مساحة التبادل والأنشطة المشتركة المتاحة للطوائف اللبنانية كافة. أصيب قلب بيروت من صدمة الحرب منذ الاشتباكات الأولى، ثم طفقت الآلة الحربية الإسرائيلية تقصف المدينة وتدمرها، ثم أقبلت جرافات "سوليدير" واقتلعت قلبها. منذ ذلك الحين، أصبح وسط بيروت مركزاً تجارياً كبيراً، منفصلاً عن الذاكرة، ومتجاهلاً الأحياء والأموات.

كان للضحك اسم، وللتهكم قناع: "شوشو"؛ رجل / طفل يبلغ عمره الأعمار كلها، وفي صدره قلب يافع شديد الرقة. عندما اندلعت الاشتباكات في خريف سنة 1975، عانى قلب بيروت صدمة الحرب وتوقف نبضه. وكمَن يقوم بإيماءة أخيرة، توقف قلب شوشو، وخرج من مسرح الحياة بلا تحية للجمهور وبلا تصفيق. فيما بعد، اختفى مبنى مسرح شوشو مع أنقاض وسط بيروت من دون أن يترك أثراً، وحتى يومنا هذا لا توجد لوحة تذكارية أو أي دليل يشير إلى موقع مسرح شوشو.

بعد ثلاثين عاماً، في إثر اغتيال رفيق الحريري، احتلت التجمعات السياسية المكان الأسطوري، ورأينا مئات الآلاف من المتظاهرين يحاولون أن يجعلوا من وسط بيروت الجديد تناسخاً للفضاء الوطني الشعبي الذي حضن الانتفاضات المجيدة في الماضي. لكن، في تظاهرات تحالف 8 آذار، أو خصمه تحالف 14 آذار، تقشّر الطلاء الوطني كاشفاً عن إرادة سياسية حزبية، وفشلت الحركات المتخاصمة في التماهي مع اليوتوبيا اللبنانية.

المثل التالي أكثر افتضاحاً: التضامن الوطني الرائع الذي ظهر موقتاً خلال حرب تموز / يوليو 2006، وتجلى في جميع أحياء بيروت (وفي جميع الأقاليم اللبنانية)، لم يكن له تعبير في منطقة وسط البلد، على الرغم من وجود مئات الآلاف من المهجرين في العاصمة. الفراغ البليد والخانق الذي أتقن هندسته رواد الآفاق الجديدة بقي فارغاً، بليداً وخانقاً، كأنه لا ينتمي إلى البلد.

كنت في بيروت، في مسرح "دوّار الشمس"، أراسل العالم تحت شعار: "نحن بخير، طمنونا عنكم!"

 الفصل الخامس

بيروت لم تعد بيروت. يلتهم الباطون فضاءها، لا تتوارد الطرق فيها نحو الرحاب ولا تلتقي أطرافها في ميدان المواطنة، يحتكر أجواءها جشع لا يشبع، وتبذير صفيق لا يحتشم، ويسود فيها الفساد الوقح والمحسوبية في ظل طبقة حاكمة تتحكم في الدولة ولا تحكم. هل من كوّة تتسرب منها الرغبات والأحلام؟ ومع ذلك كله، فإن الطاقات الإبداعية لا تزال تشرق وتنوّر فضاءات نابضة بالحياة، متناثرة في المدينة المشوهة. مناخ إبداعي مختلف عن الذي عرفته، أعمال تثير إعجابي أحياناً، واهتمامي غالباً، وتساؤلاتي دائماً؛ مبدعون شباب متحدون مع مشاهدين شباب يشبهونهم، شباب هاربين من الأقفاص الطائفية، أنصار الحداثة والنزعة الإنسانية العالمية (خلاص الكوكب، والتشكيك في الأديان، ومحاربة التمييز العنصري والجنسي). لكنني قلق: أين مساحة اللقاء، أين المواجهة، والتبادل، والنقاش؟ أين مزاحمة الفنون بعضها لبعض، أين الميدان الثقافي حيث الجميع يتفاعل مع أعمال الجميع، وحيث كل طاقة تساهم في تطور الطاقات الأُخرى؟ هل لأنكم، جرّاء غيبوبة المدينة، تتعرفون إلى أنفسكم في حيوية ثقافية عابرة للحدود؟ يقلقني جداً تبعية المواهب والطاقات الإنتاجية وجميع مظاهر الثقافة للمؤسسات المانحة الدولية. حذار!... الأمانة المالية هي حفّارة قبر حرية التفكير.

وها هي الثورة العربية تجتاح تونس ومصر، وتبتدع مصطلحاتها ومبتغياتها، بلا زعيم ولا تنظير.

بيروت ترتعش...

ديكتاتوريات تسقط، وأنظمة تتأرجح، والمطالبات الشعبية تتحقق بشكل موزون أو لا تتحقق. الأمر، هنا أو هناك، يتعلق بالمخاطر المحتملة وموازين القوى، ولا سيما بسهر منتدى الدول على حماية المصالح الاقتصادية الدولية وسلام الكيان الإسرائيلي.

بيروت ترتعد...

وخلال هذا الوقت، يواصل الشعب الفلسطيني الوقوف في وجه البربرية الإسرائيلية بالحجارة والسكاكين والطائرات الورقية... يبيّن لنا الفلسطينيون في القدس وغزة والضفة الغربية المعنى الحقيقي للكلمات التي اعتقدنا أنها تخصّنا: الحرية والكرامة.

بيروت تتحسر...

في 17 تشرين الأول / أكتوبر 2019، بيروت تنتفض. انتفاضة أم ثورة؟ هل ما شهدناه هو فعلاً ثورة؟ أعتقد ذلك، وأعتقد أن هذه الثورة لم تنتهِ بعد. يجب أن نميز بين الانتفاضة والثورة، حتى لو كانتا متشابكتين. الانتفاضة تعبير عن الغضب؛ احتجاج على الفقر والظلم والبؤس والجوع. أمّا الثورة فإرادة مؤكدة لتغيير المجتمع (أشكال السلطة، وأشكال الاستغلال، وتقاسم الموارد...). تندلع الانتفاضة ثم ينفد زخمها، أمّا الثورة فلا تتوقف، والأفكار التي تحملها تستمر في العيش. ما شاهدته هو، في نظري، ثورة حقيقية راسخة في قلب انتفاضة هائلة. شعب جائع ومضطهد ومحتقر ينتفض ضد حكومة شائنة وحقيرة، وفي صفوفه الأولى شبان وشابات مبهِرون بفطنتهم المستبصرة وعزمهم الشجاع، وهم يعلنون هدف الثورة المحدد بإحكام: إلغاء النظام الطائفي والقضاء على الفساد. والجدير بالملاحظة الذي يستحق الدراسة والتحليل المستقبلي، هو التطبيق الفوري والفاعل للمبادىء التي تسعى هذه الثورة لترسيخها. ما أروع مشاهدة التضامن الناجع في المنطقة الثورية: الغياب التام للانقسام الطائفي؛ الديمقراطية والعقلانية في النقاشات والمجالس؛ المساواة الكاملة بين الجنسين في القيادة والتعبير؛ الجماعية في النشاط الاقتصادي والتسيير الذاتي للجان في إدارة الإنتاج والتوزيع؛ الإبداع الغني في مزج الإلهام الشعبي وعبقرية الفنانين المحترفين...

لن تُنسى أبداً هذه التجربة الثورية، لأنها اكتشفت في أعماق الطبيعة الشعبية اللبنانية إمكان التقدم الأخلاقي والاجتماعي الذي لم يجروء على تطبيقه أي حزب سياسي حتى الآن.

بيروت تحتضر، لكنها لم تمت بعد. ستنصبّ عليها ضراوة القوى الغامضة التي تترأس مصائرنا. لا تتهموا "الآلهة"، فاللعنات دائماً من صنع الإنسان. وراء فيروس كورونا أو أكياس نترات الأمونيوم لا يحتاج الضمير إلى لجنة تحقيق أو محكمة لفكّ الرموز، ولتمييز الأخيار من الأشرار. ففي الكوارث، ومن حيث المبدأ، كل مَن يملك السلطة هو مسؤول، ومَن كان فاقد الأهلية أو غير فاعل هو مذنب. وكل مَن يملك ثروة ويحتجزها بينما الناس جوعى ومعوزون، هو مجرم.

(لمعلوماتكم، قدّرت منظمة أوكسفام / Oxfam أنه منذ بداية تفشي وباء "كورونا"، فإن 21 ميليارديراً في منطقة MENA (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) ازدادت ثرواتهم بنحو عشرة مليارات دولار. وأشارت المنظمة إلى أن هذا المبلغ يمثل ما يقرب من خمسة أضعاف الأموال المطلوبة لمكافحة الوباء في هذه المنطقة–نشرة أوكسفام في 28 آب / أغسطس 2020).

حقيقة المدينة ليست في الصور المعروضة عنها، لأن بيروت في هذه الصور التي جالت العالم تبدو ديكوراً لفيلم كارثي هوليودي. هذه الصور تشهد على بشاعة جلاديها، فتفضح رذائلهم، والأحجية التي تطرحها ليست إلّا تحديد أي من هذه الرذائل أعظم، وهل هي الحماقة، أم عدم الكفاءة، أم عدم الشعور؟ أمّا حقيقة المدينة، فتنبجس من جروحها، وتتجلى في التدفق الرائع الذي جمع شباب وشابات من جميع أحياء المدينة، ومن جميع أنحاء البلد (حتى الأبعد منه)، للتضامن مع سكان المنطقة المدمرة ولتنظيم مساعدة المنكوبين، بمهارة مذهلة وتفانٍ مدهش.

لا يسعني إلّا أن أرى في هذا الجيل، وريث تاريخ بيروت المجهول، تباشير حقيقية للحكومة المحتملة التي يستحقها بلدنا. مليء بالبهجة من هذه الفكرة (يوتوبيا أُخرى)، أشغل التلفاز وأتلقى حساء قذراً من خطاب أحد هؤلاء المفترسين الذين يسترقّون الدولة.

أُطفىء التلفاز وأتقيأ.

الخاتمة

قبضة الثورة تنتصب في ساحة الشهداء؛

قوى الأمن الداخلي تقوّض خيام الشباب المسالمين وتدمر معدّاتهم؛

الشبان والشابات يستمرون في نزع الركام وترميم المنازل وتموين المنكوبين؛

قوى الأمن (ما معنى أمن؟) تهاجم المتظاهرين بالغاز المسيل للدموع والرصاص (مطاط وغير مطاط).

سيدي الذي في السلطة،

أنت الذي تتخذ القرارات نيابة عنا، لقد قررتَ منح الحرية لجلاد "الخيام" الذي عذّب واغتال مواطنين لبنانيين؛

ونشرتَ قواتك الأمنية ضد الشباب المسالمين الذين يمثلون أنبل وأروع ما ظهر في تاريخ المجتمع اللبناني الحديث.

سيدي الذي في السلطة،

لقد ازدريت الرأي العام الذي لم تستشره، فأمرت بإطلاق سراح مجرم خائن لبلده، وقمعت بوحشية وبشكل غير مشروع مواطنين لبنانيين مسالمين، شباب يعبّرون عن أفكار الشعب اللبناني وآماله.

سيدي الذي في السلطة،

لقد استحقّيت مكانك في كتاب التاريخ الذي سيتصفحه أولاد أولادك، وفي صور المعارك التي خضتها وانتصرت فيها ضد المشاغبين الشباب الذين كانوا يطالبون بغذاء الجياع ورعاية الجرحى، وإيواء ضحايا الكارثة وإنصاف ضحايا إهمال المؤسسات.

لقد استحققت شكران الحكام الفاسدين والقضاة الجائرين والمصرفيين اللصوص.

سيدي الذي في السلطة،

لا تنظر في المرآة التي أُمسك بها لك، فقد ترى فيها صورة العار.

حتى لو لم يتم الوصول إلى الهدف المنشود، فإن موسم الحرية هذا لن يفقد شيئاً من قيمته، لأنه كان هائلاً للغاية، ومرتبطاً بشدة مع مصالح الناس في بلدنا.

سيتذكره الشعب ويستأنف الانتفاضة ويواصل الثورة.

السيرة الشخصية: 

روجيه عساف: مخرج وممثل مسرحي لبناني.

اقرأ المزيد