عن بيروت، وما تبقّى من مفهوم المدينة
النص الكامل: 

لعل الكوارث الكبرى تدفعنا إلى إعادة تقييم الأسس التي يقوم عليها المجتمع. وقد فتحت كارثة انفجار المرفأ في بيروت الباب على مصراعيه لتقييم ممارسات سياسية واقتصادية امتدت على مدى 30 عاماً، وأوصلتنا إلى ما نحن عليه من تفكك لأوصال الدولة.

يذكّرنا المعماري والباحث اليوناني بانايوتيوس تورنيكيوتيس، في منشور حديث بعنوان: "كل شيء سياسي؟"، بأن المعنى الأصلي لكلمة سياسة في اليونانية (politea) يعود إلى مفهوم المدينة (polis)، وهي الوحدة الاجتماعية المبنية على قواعد مشتركة للحياة والنظام السياسي، وقد تجسدت بطلب من بيريكليس رجل الدولة الأول في أثينا، إلى المعماري هيبوداموس بوضع تصميم "حديث" لمدينة بيريوس على أسس بنيوية واضحة. ومن أفكار أفلاطون وأرسطو إلى ثورة 1968 في باريس ومدن أوروبية أُخرى، تجذّر المفهوم المدني كنطاق سياسي لحركة التطور الاجتماعي التي تهدف إلى الوصول إلى مدينة شبه فاضلة، حيث العدالة الاجتماعية تحفظ حقّ الجميع في المدينة، عيشاً ومشاركة.[1]

ومن تورنيكيوتيس نصل إلى المفكر الفرنسي هنري لوفيفر الذي أصدر في خضمّ ثورة باريس الطلابية في سنة 1968 كتابه الشهير "الحقّ في المدينة"، والذي وجّه فيه النقد إلى السياسات المدنية المعاصرة القائمة على طرد السكان، وخصوصاً الطبقات الشعبية، لجعل تلك المدن تتلاءم مع أنماط حديثة لائقة، وبالتالي يصبح من الأسهل إدراجها في عملية التبادل التجاري. ولذلك نادى لوفيفر بضرورة إشراك المواطنين في عملية بناء (أو إعادة بناء) مدينتهم ضماناً لحقّهم في المشاركة في قراراتها السياسية، وكذلك في صيانتها وتطويرها.[2]

وكان لنظريات هنري لوفيفر تأثيرها المباشر في البرامج التعليمية في كليات العمارة في أوروبا، وكذلك في نشاطات العديد من المعماريين الذين بدأوا بتعديل نظرياتهم إلى المشروع المعماري، كي لا يبقى على شكل نظريات تسقط على الواقع من دون الأخذ بعين الاعتبار الجوانب السياسية والاجتماعية. ومن هذه التأثيرات مثلاً، إنشاء مجموعة SAAL في البرتغال في أعقاب الثورة التي أطاحت بالنظام الديكتاتوري في أوائل سبعينيات القرن الماضي، والتي كان من نتيجتها وضع مخططات لإنشاء مساكن لذوي الدخل المحدود في المدن، والحفاظ على وجود الطبقات الشعبية في قلبها، مثلما حدث في مدينة بورتو في شمال البلد، ومن أبرز أمثلتها حي سان فيكتور الذي صممه المعماري الشاب، في حينها، ألفارو سيزا، بالتعاون مع إدواردو سوتو دي مورا.

 

"غرفة مع منظر خارجي" في الجمّيزة، التُقطت في 5 آب/ أغسطس 2020 (تصوير هلا يونس)

 

وكان سبق لوفيفر بعامَين المعماري الإيطالي آلدو روسي الذي وضع نظريته المعمارية في كتاب يحمل عنوان: "عمارة المدينة".[3] وقد أراد روسي من خلال هذا العنوان إعادة تسليط الضوء على أهمية المدينة كإطار اجتماعي وسياسي للمشروع المعماري، بعد تجارب الحداثيين الذين أظهروا تجاهلهم لأهمية النطاق المدني، من خلال برنامج واضح لتجديد الإرث المعماري، واستبدال القديم بأشكال عصرية. وتكمن أهمية نظرية روسي، والتي لا تزال ذات وقع وأهمية على الحالة المعمارية في بلدنا، في أنها زاوجت بين الاهتمام بالمحافظة على الإرث المعماري والمدني، وبين المحافظة على الحياة المدنية فيها، بحيث يُترك المجال مفتوحاً لإعادة صوغ هذا الإرث وتحويله إلى نشاطات متنوعة. كذلك سلط روسي الضوء، وكان ريادياً في ذلك، على الترابط العضوي بين العمارة والتطوير المدني، وبين العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ارتكز روسي في نظريته على مجموعة من المراجع ومنها أعمال المؤرخ الفرنسي بيار لافيدان، والباحث الاجتماعي موريس هالبواكس صاحب نظرية "الذاكرة المشتركة".[4] وقد استند إلى نظرية هالبواكس لتأكيد أهمية أن يكون للإطار المدني استمرارية عبر التاريخ تسمح بإعطاء معنى للحياة الاجتماعية. وتظهر أهمية الذاكرة المشتركة مثلاً في وضعنا بعد الحرب، من خلال ظهور نوستالجيا عميقة لأماكن كانت تشكل مراكز حيوية مثل ساحة الشهداء، أو الأسواق القديمة التي أزيل إطارها المعماري ليتمّ استبداله بأنماط جديدة. فقد شكلت هذه الأماكن، ليس فقط إطاراً لنشاطات اقتصادية أو سياسية، بل بيئة خصبة أيضاً، لأحداث تتحول مع الزمن إلى قصص إجتماعية تغذّي الذاكرة المشتركة. ولعل الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان لم تؤدّ إلى تدمير هذا الإطار المدني الغني بتراثه فحسب، بل إلى تفتيت الذاكرة المشتركة إلى ذاكرات متعددة ومختلفة و"هوّيات قاتلة" أيضاً، وهذا التعبير مقتبس من أمين معلوف.

لم تكن عملية إعادة الإعمار بعد الحرب، على الرغم من نجاحها في بعض الجوانب مثل إعادة ترميم بعض المباني التراثية، عمليةً ناجحة، وذلك لسببين أساسيين: أولاً تحويل وسط المدينة إلى مكان نخبوي تقتصر فيه النشاطات التجارية على الشركات الكبرى، وثانياً تجاهل البعد الاجتماعي لعملية إعادة الإعمار من خلال سياسة تعتمد على محو "الذاكرة المشتركة" وتذويبها ضمن حملة ترويجية عصرية لمدينة الغد كإحدى الوسائل لتخطي مرحلة الحرب وطيّ صفحتها. وقد زادت الأحداث السياسية، من اعتصامات وحصار للوسط التجاري منذ سنة 2007 حتى يومنا هذا، في إفشال عملية إعادة الإعمار وتحويل المدينة القديمة إلى منطقة معزولة عن محيطها.

من هنا يمكن أن نفهم أسباب تطور بعض الأحياء خارج هذا الوسط، واستقطابها للحياة المدنية الغنية بجميع مظاهرها من نشاطات ثقافية واجتماعية وترفيهية. ولعل الصفة الأبرز التي أدت إلى التحول السريع خلال بضعة أعوام لهذه الأحياء من أحياء شعبية بسيطة إلى مراكز الحياة المدنية، هي الطابع الأصيل الذي بقيت عليه خلال الحرب، والذي سعى الناس للمحافظة عليه بطريقة عفوية. هذا الطابع الأصيل هو ما يتحدث عنه روسي في نظرته إلى المدينة، وفحواها التركيز على أهمية "المكان" والاستمرارية عبر التاريخ، والتي لا تفضي إلى إعادة صوغها بأشكال "متحفية"، وإنما المحافظة عليها ضمن إطار اقتصادي وحياتي طبيعي، فلا تتحول إلى متاحف مجمدة في زمانها.

وفي واحدة من مقالاتي أشرت إلى سقوط بعض هذه الأحياء ومنها الأشرفية، في لعبة "التطوير العقاري" والتبادل التجاري اللذين أديا إلى اندثار طابعها التراثي، وتفتّت ترابط أحيائها وشوارعها، والقضاء على "النسيج المدني" الذي جعل منها في السابق أحياء مميزة.[5]

تُركت المدينة بعد انتهاء الحرب فريسة لما يُسمّى المطوّرين العقاريين الذين انهالوا عليها مثل الضباع باحثين عن كل شبر يمكن استغلاله، وذلك على حساب التاريخ والتراث. وسهّل تغاضي السلطة وفقدان القوانين الصارمة عمليات التدمير الممنهج، وكذلك الفساد في الإدارات العامة التي تحولت إلى "كرخانات" للسماسرة.

ومع أن الهجوم العقاري لم يستثنِ أياً من أحياء بيروت، إلّا إن منطقة الجميزة - مار مخايل بقيت على درجة معينة من التناسق المعماري والمدني، قبل أن يأتيها هذا الزلزال المدمر الذي أطاح بمعظم أبنيتها التراثية، وحوّل هذه المدينة المحطمة الممزقة إلى جريح يصارع للبقاء في قيد الحياة. وفي الصورة الموجودة في أول المقالة، تظهر مجموعة من كراسي القشّ التقليدية، موزعة في قاعة جلوس لمنزل تراثي تخلّعت أبوابه ونوافذه، بينما بقيت إحدى الصور المعلقة على الحائط صامدة، كأنها ديكور لمسرحية عبثية، على نسق "في انتطار غودو". و"غودو" هنا ليس سوى صورة رمزية لهذه السلطة الفاسدة الغائبة في أحلك الظروف، والتي لا تظهر إلّا في عمليات الغطرسة والتهويل على الشعب.

ومن أسوأ مظاهر الانحطاط الثقافي أن يسعى البعض، على وقع الكارثة، للعودة إلى محاولاتهم للاستيلاء، وبجشع مستمر، على ما تبقّى من هذا التراث المعماري، ليس من أجل إعادة ترميمه، وإنما لهدمه واستبداله بالأبراج الجديدة. لقد أثارت هذه المحاولات الاستغلالية حفيظة سكان المنطقة، كما الهيئات النقابية والاجتماعية التي نسّقت جهودها في محاولة لدرء الهجوم الجديد على هذه المنطقة.

وفي هذا المجال، أشار الباحث الأميركي ديفيد هارفي إلى الترابط العضوي بين حركة الاستثمار العقاري والنظام الرأسمالي، بحيث يؤدي نشاط الحركة المعمارية إلى إنقاذ النظام في كل مرة يصل فيها إلى أفق مسدود. لكننا لا نريد أن تتحول عملية إعادة إعمار المناطق المنكوبة في العاصمة إلى فرصة لإعادة تعويم النظام السياسي - الاقتصادي الفاسد واللا - مستدام، بل إلى فرصة لإعادة النظر في هذه المنظومة السياسية، ومن أبرز تجلياتها الفساد الذي استشرى في وزارة الثقافة على غرار إدارة التنظيم المدني التي أشرفت خلال العقود الماضية على أكبر عملية تدمير للتراث المدني أدت إلى اندثار المدينة.[6]

من هنا تكمن أهمية تكوين برنامج متكامل للحفاظ على التراث من خلال إعادة النظر في القوانين والأطر السياسية التي يتم من خلالها ما يسمّى التطوير العقاري، فالكل مترابط ضمن حلقة سياسية - اقتصادية - ثقافية لا يمكن إعادة إصلاحها إلّا من خلال إعادة تكوين الإطار السياسي. إن أبرز مظاهر هذا الفساد السياسي يكمن في تفكك الإطار المدني، والفوضى المعمارية، اللذين ضربا أحياء العاصمة كلها، وقد أطلق المعماري والنقيب الراحل عاصم سلام في خمسينيات القرن الماضي أول صفارة إنذار، مع أن المدينة في الخمسينيات تبدو لنا اليوم من خلال الصور أشبه بمدينة مثالية، متناسقة في أحجام أبنيتها التي تتشارك لغة معمارية حداثية متنوعة، كما تبدو الحياة المدنية فيها لائقة من خلال حركة المشاة فيها. قد تكون بيروت في الخمسينيات والستينيات مثالية أيضاً في إعطائها الجميع، سكانها الأصليين كما الوافدين إليها من القرى النائية، "الحقّ في المدينة" وفي المشاركة في الحياة فيها، بينما المدينة اليوم تحولت إلى مجموعة مستوطنات تندثر فيها الأحياء الشعبية التي تتحول مع الوقت إلى مناطق نخبوية من خلال عملية "ترقية طبقية" (gentrification).

أحياء المدينة تسقط الواحدة تلو الأُخرى ضمن هذا المخطط الواضح المعالم والأهداف، من دون أي تدخّل من الوزارات والإدارات المعنية التي تحولت منذ زمن إلى مكاتب استثمار وسمسرة على حساب الشعب والمدينة والتراث، فربما يكون هذا الزلزال الذي ضرب المدينة نقطة تحوّل في نظرتنا إليها، وإلى معنى "الحق في المدينة".

 

المصادر:

[1] Panayotis Tournikiotis. “Tout est politique?”, in: Architecture 68, édité par Anne Debarre et.al. (Genève: Métis Presses, 2020).

Henri Lefebvre, Le Droit à la Ville (Paris: Editions Anthropos, 1968). [2]

[3] Aldo Rossi, L'architettura della città (Padova: Marsilio, 1966).

[4]Maurice Halbwachs, La Memoire Collective (Paris: Presses Universitaires de France, 1950).

[5] إيلي حداد، "المدينة، الذاكرة، الحياة" (بيروت: دار الفارابي، 2016).

[6] David Harvey, The Condition of Postmodernity: An Enquiry into the Origins of Cultural Change (Malden, Massachusetts: Blackwell, 1990).

السيرة الشخصية: 

إيلي جورج حداد: عميد كلية العمارة والتصميم في الجامعة اللبنانية - الأميركية.

اقرأ المزيد