مأزق تركيا في ليبيا وشرق المتوسط
نبذة مختصرة: 

تمثل ليبيا ساحة صراع حالياً بين تركيا ومصر، ونقطة التحول في موقع ومكانة كل من الدولتين في المجال الإقليمي. فتركيا تتصرف على أنها وريث الإمبراطورية العثمانية، وقد باتت قوة إقليمية عبر تدخّلها في كثير من صراعات المنطقة، من سورية إلى وقوفها في الأزمة بين دول الخليج إلى جانب قطر، وقبل ذلك وجودها العسكري في الصومال، وأخيراً دخولها كلاعب رئيسي في الأزمة الليبية. أمّا مصر التي كانت تُعتبر زعيمة العالم العربي لمرة واحدة، ولأفريقيا - لفترة طويلة، ومركز القوة الروحية للإسلام السنّي، والبطل العربي الرئيسي في مواجهة إسرائيل وفي النضال من أجل تحرير فلسطين، منذ النكبة في سنة 1948 حتى توقيعها اتفاقيات كامب ديفيد في أواخر السبعينيات، فإن نفوذها يزداد تقلصاً مع التدخل التركي الأخير في ليبيا، بحيث إنها باتت تجد نفسها أمام معادلة لا تُحسد عليها، بين قدرات غير متوازنة للمواجهة، واحتمالات فرض معركة عليها قد لا تكون قادرة على التملص منها.

النص الكامل: 

يمثل التوتر الحالي بين تركيا ومصر صورة واضحة للكيفية التي يمكن للعالم أن يتحول من خلاله؛ فالدولتان هما الآن، خصمان محتملان في حرب تقليدية يمكن أن تندلع في ليبيا، وخصوصاً عقب قرار البرلمان المصري الذي اعتُمد في 20 تموز / يوليو 2020، والذي يجيز للقوات المسلحة المصرية بالتدخل في ليبيا إذا دُعيت إلى ذلك، و / أو إذا تخطت تركيا "الخط الأحمر" الذي أعلنه الرئيس عبد الفتاح السيسي، بهدف الاستيلاء على مدينة سرت وقاعدة الجفرة الجوية في وسط ليبيا.

وكان التدخل التركي، من خلال رفد أنقرة حكومة الوفاق الوطني الليبية في طرابلس والميليشيات المتحالفة معها بقوات وأسلحة وطائرات من دون طيار ومرتزقة (من سورية)، أدى إلى قلب نتيجة المعارك الدائرة حول طرابلس بعدما كانت تصبّ في مصلحة قوات الجنرال خليفة حفتر الذي يتمتع بدعم الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والأردن وفرنسا وروسيا ومصر. فقوات حفتر طُردت من غرب ليبيا، ورُفع الحصار عن طرابلس الذي كان قد بدأ في نيسان / أبريل 2019، وفقدت تلك القوات مدينة ترهونة وقاعدة الوطية الجوية الاستراتيجية بالقرب من الحدود الليبية مع تونس.

لقد غيرت المشاركة التركية في الحرب الأهلية الليبية أمنيات جميع المشاركين في ساحة المعركة الليبية، فتركيا، بعد تقهقر قوات حفتر، باتت تسيطر على قاعدة الوطية الجوية، بينما تحمي فرقاطاتها ساحل الغرب الليبي، وهي تنشىء قاعدة بحرية في مصراتة وتهدد بالزحف إلى سرت والجفرة اللتين تسيطران على الهلال النفطي الليبي.

وتبرر أنقرة تدخّلها في ليبيا بامتلاكها الشرعية القانونية، وأن وجودها العسكري شرعي مثل الوجود الروسي في سورية. وتستند في ذلك إلى الاتفاق التاريخي الذي وقّعته في تشرين الثاني / نوفمبر 2019، مع حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من طرف الأمم المتحدة الموجودة في ليبيا. وقد، حددت الاتفاقية الموقّعة بين تركيا إردوغان وليبيا السراج، الحدود البحرية الجديدة بين البلدين، والتي تسمح لأنقرة باستكشاف النفط والغاز الطبيعي، لأن تركيا وليبيا، وفقاً للاتفاقية، تتجاوران في مناطق اقتصادية خالصة.

ومن وجهة النظر التركية، فإن هذا الاتفاق البحري يُعدّ رداً على تعاون بين اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر لاستخراج الغاز من قاع البحر وتصديره عبر خطوط الأنابيب إلى الأسواق الأوروبية. فبالنسبة إلى إردوغان، فإن التعاون المصري والإسرائيلي مع قبرص واليونان هو "لعبة جيوسياسية لحبس تركيا داخل حدودها البرية"، وبالتالي فإن الصفقة البحرية التركية - الليبية بشأن جوار المناطق الاقتصادية الخالصة، تهدف إلى تعظيم مجال نفوذ تركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط، وكذلك منع بناء خط الأنابيب من دون إذن تركيا، إذ إنه من دون موافقة أنقرة، لا يمكن أن يمر خط أنابيب عبر البحر الأبيض المتوسط.

إن رؤية تركيا إلى مسألة تجاورها مع ليبيا بمناطق اقتصادية خالصة تتطلب تفسيراً مثيراً للجدل لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982. فتركيا تدّعي أن جزيرة كريت وأجزاء أُخرى من اليونان لا يمكن لها أن تمتلك 200 ميل بحري كمناطق اقتصادية خالصة، وذلك على النحو المنصوص عليه في الاتفاقية، بل إنها تقتصر على الحد القياسي البالغ 12 ميلاً المخصص للمطالبات السيادية الخارجية.

والأكثر إثارة للاهتمام هو أن تركيا تعتبر أن من حقها التمدد على طول 600 كيلومتر من ساحل البحر الأبيض المتوسط، معتبرة أن الجرف القاري الخاص بها يصل إلى ليبيا، وأنه يعبر بين جزيرتَي كريت ورودس اليونانيتين. هذه الحجة، في الواقع، جرى صوغها في مبدأ "الوطن الأزرق" الذي طوره ضباط بحريون علمانيون كماليون قوميون في سنة 2006، مع تزايد النغمة المعادية لليونان والناتو. واللافت أن هؤلاء الأدميرالات، وهم من المؤمنين بالمذهب القومي، كانوا قد قضوا عقوبات بالسجن لبضعة أعوام بسبب أنشطة انقلابية مزعومة، لكن أُعيد تأهيلهم وأصبحوا شركاء لإردوغان في "ميثاقٍ فوستيّ"** يدمج بين الإسلاميين والقوميين المتشددين. وتشير "عقيدة الوطن الأزرق" إلى أن كل شبر من البحار تمارس فيه تركيا حقوقها السيادية، هو مقدس، تماماً مثل كل شبر من أراضي البلد، فهي جزء من الوطن.

إن عقيدة "الوطن الأزرق" تتلاءم مع أهداف إردوغان الجيواستراتيجية في شرق البحر الأبيض المتوسط وليبيا، وقد أدى السير بها إلى إبرام اتفاق تشرين الثاني / نوفمبر 2019 مع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس.

بناء على ما تقدم، فإن السياسة الخارجية التركية الحازمة التي تظهر في الممارسة العملية في ليبيا، وكذلك في سورية وشمال العراق، لا يمكن فهمها من دون اللعبة الجيوسياسية لتركيا بشأن وضعها في شرق البحر الأبيض المتوسط، لأن مصالح أنقرة في ليبيا وشرق البحر المتوسط متشابكة ومترابطة. وقد دفعت بانوراما السياسة الخارجية لإردوغان البعض إلى القول إنه يحاول تحويل شرق البحر الأبيض المتوسط إلى بحر تركي، علاوة على توسيع نطاق نفوذه على ليبيا، والذي قد ينتهي بتقسيم هذا البلد أو المواجهة العسكرية مع مصر.

غير أن دبلوماسية الزوارق الحربية التركية في شرق البحر المتوسط، والنشاط العسكري في ليبيا، جعلا جميع خصوم أنقرة يحتشدون ضدها. فقد شاركت الإمارات في أيار / مايو في إعلان مشترك مع قبرص واليونان ومصر وفرنسا يدين سياسات تركيا في شرق البحر المتوسط وليبيا. ومع الإمارات، انتقلت الخصومات الخليجية والصراع داخل المعسكر السنّي المسلم من مرحلة جيوسياسية رئيسية إلى أُخرى، ومن الخليج إلى شرق البحر الأبيض المتوسط ، والأخطر من ذلك، فإنها ربما تقود إلى حرب أهلية في ليبيا. وشكلت مصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية محوراً مناهضاً لتنظيم الإخوان المسلمين في العالم الإسلامي السنّي، وضد تركيا وقطر اللتين يُزعم أنهما ترعيان ذلك التنظيم. وتجدر الإشارة هنا إلى أن تركيا أنشأت قاعدة عسكرية في قطر لتوفير أمن الدوحة ضد المحور المصري – الإماراتي - السعودي، وبهدف الحفاظ على بقاء الإمارة. وفي المقابل، كانت قطر سخية مع تركيا مالياً، في الوقت الذي تضاعفت النفقات العسكرية لتركيا في الأعوام الأربعة الماضية، وهذا بالتوازي مع أزمتها الاقتصادية.

ومع أن الشراكة التي جمعت فرنسا واليونان وقبرص والإمارات العربية المتحدة ومصر، في القاهرة في 11 أيار / مايو 2020، تبدو هائلة، إلّا إن تركيا لم تتزحزح قيد أنملة، وإنما تحدّتهم، متهمة إياهم بالسعي لتشكيل "تحالف" الشر" ضدها. وفي غضون شهر، قلب الدعم العسكري القوي الذي قدمته تركيا لحكومة الوفاق الوطنية المشهد، وأدى إلى تقهقر قوات حفتر المدعومة من مجموعة "فاغنر" المكونة من مرتزقة روسيين، ومن طرف كل مَن تصفهم تركيا بـ "تحالف الشر". ومع هزيمة قوات حفتر، لم يكن سقوط سرت ووسط ليبيا بعيداً عن الأنظار بالنسبة إلى تركيا، وهكذا بدأ التكهن بإمكان اندلاع حرب تقليدية تركية - مصرية في ليبيا.

إلّا إن أنقرة لا ترى أن مصر جادة في المخاطرة بالقتال ضد تركيا، بل تعتقد أن القاهرة تحاول صرف الانتباه عن فشلها في ثني إثيوبيا عن مشروع السد الضخم على النيل. ووفقاً لأنقرة، فإن السيسي يخادع، كما أن قصور مصر في القتال ضد الدولة الإسلامية (داعش) في شبه جزيرة سيناء، لا يمكن أن يجعلها تخاطر بشكل كبير بخوض حرب في ليبيا. فالقوات المسلحة المصرية تفتقر إلى كثير من القدرات في خوض النزاعات المنخفضة الحدة، وبالتالي، فإنها ليست في وضع يسمح لها بشن حرب تقليدية واسعة النطاق ضد تركيا في ليبيا. وبالنسبة إلى صانعي السياسة الأتراك، فإن مصر حتى لو فعلت ذلك، فستنتهي الحرب بهزيمة محتملة لها، الأمر الذي ربما يعجّل في نهاية نظام السيسي.

وتعتقد تركيا كذلك أن المؤسسة العسكرية المصرية لا تزال تطاردها صدمة حربها في اليمن في ستينيات القرن الماضي، إذ فشل التدخل المصري هناك خلال عهد جمال عبد الناصر، وبات بعد ذلك يشار إلى اليمن بـ "فيتنام مصر". ويمكن لسيناريو الحرب في ليبيا ضد تركيا أن يتمركز في وسط ليبيا حول سرت والهلال النفطي، حيث تبلغ المسافة بين تلك المنطقة ومصر نحو 1000 كيلومتر، وبالتالي فإن صانعي السياسة والمخططين العسكريين الأتراك يستبعدون قيام مصر بعملية برية في ليبيا من دون تفوّق جوي.

وفقاً للمخططين العسكريين في تركيا، ودروس الحروب العربية - الإسرائيلية في سنتَي 1967 و1973، فضلاً عن حرب الخليج في سنة 1991، فإن أي عملية عسكرية واسعة النطاق في تضاريس مع صحاري شاسعة مثل ليبيا، تتطلب التفوق الجوي ضد العدو لدعم القوات البرية. وفي هذا المجال لا يمكن لمصر التي تبعد 1000 كيلومتر عن منطقة القتال المفترضة أن تثبت التفوق الجوي ضد الدفاعات الجوية التي تديرها تركيا بقيادة الجيش التركي والطائرات من دون طيار التركية التي أثبتت فاعليتها ضد الطائرات من دون طيار التي توفرها الإمارات والدفاع الجوي الروسي لقوات حفتر شرق ليبيا. لذلك، ما لم تحصل مصر على دعم جوي كبير من روسيا والإمارات، وربما من فرنسا، فإنها لن تتمكن من مواجهة تركيا في ساحة المعركة الليبية، كما أن القوة البحرية التركية القوية قبالة الساحل الليبي تُعتبر رادعاً كافياً للبحرية المصرية أيضاً.

ومع ذلك، إذا وقعت الحرب في ليبيا، وإذا كانت تركيا طرفاً فيها، فإن بُعد هذه الأخيرة عن منطقة الحرب هو التحدي الرئيسي لوجستياً. فطول الطرق اللوجستية الجوية والبحرية بين تركيا وليبيا يبلغ 2300 كيلومتر، وبالتالي ستكون عمليات نقل القوات والإمدادات وعمليات الإجلاء مهمة لوجستية هائلة لتركيا. وفي هذا الصدد، فإن استخدام القواعد الجوية المصرية بالقرب من ليبيا، وقاعدة الخادم في شرق ليبيا (التي تشغلها قوات إماراتية) من طرف القوات الجوية المصرية - الإماراتية المشتركة، يمكن أن يكون عنصر تهديد للممرات الجوية والبحرية بين تركيا وليبيا، كما أن تركيا ستحتاج إلى مالطا، وبدرجة أقل إلى تونس والجزائر، من أجل الدعم اللوجستي.

ويمكن النظر إلى الهجوم الذي شنّته طائرات مجهولة في مطلع يوليو / تموز على قاعدة الوطية الجوية بالقرب من الحدود الليبية – التونسية (والتي فقدتها قوات حفتر في أيار / مايو وكانت السبب الرئيسي وراء تقهقر تلك القوات)، على أنه رسالة لردع تركيا وحكومة الوفاق الوطني من شنّ هجوم للاستيلاء على سرت والجفرة. ومع أن الطائرات المهاجمة ظلت مجهولة المصدر، إلّا إن تركيا تشكّ في أنها تابعة للقوة الجوية الإماراتية، وتفسر ذلك بأنه التزام من أبو ظبي بمنع الهجوم على سرت، مصحوباً بدعم لوجستي مصري ومراقبة جوية روسية.

وتعتقد تركيا أنه على الرغم من الصعوبات المتعددة الأوجه التي ستواجهها في تجاهل "الخطوط الحمراء" التي ذكرها السيسي، فإنها ما لم تقم هي وحليفتها الليبية بالسيطرة على الهلال النفطي، فإنه لا يمكنهما الجلوس على طاولة المفاوضات في نهاية اليوم من موقع القوة، ولا يمكنهما جني الفوائد الاقتصادية في ليبيا. فتركيا تريد أن تكون مساهمة في النفط الليبي، فضلاً عن أن يكون لها الحق في التنقيب عن النفط والغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة الليبية. وبصرف النظر عن هذا الجانب الهيدروكربوني للعلاقة، فإن ليبيا تشكّل فرصة واعدة للأعمال التركية التي تتراوح بين البناء وصناعات الطاقة والدفاع، والتي تصل إلى 20 مليار دولار أميركي، الأمر الذي يعوض بعض خسائرها الاقتصادية الفادحة، وينعش اقتصادها الذي يعاني فعلاً جرّاء أزمة تفاقمت أكثر بسبب ظروف ما بعد كوفيد 19. وهكذا تبدو ليبيا، بإمكاناتها الاقتصادية، كأنها سترة نجاة لنظام إردوغان الذي يعتمد بقاؤه بشكل متزايد على ما سيكون عليه اقتصاد البلد.

وفضلاً عن العوامل الاقتصادية، وإن بنسبة أقل، فإن ليبيا تُعتبر ركيزة محورية لتركيا لأسباب أيديولوجية أكثر منها اقتصادية، فهي ساحة يتنافس فيها لاعبون عديدون على تمثيل الإسلام السنّي، ويتنافسون على السلطة. فتركيا التي هي المركز السابق للخلافة العثمانية، والتي تتمتع بالإرث الإمبراطوري للعثمانيين، تواجه اليوم مصر التي تُعدّ المركز السني بعد انهيار سلطة العثمانيين، والمحور السنّي الحديث التشكل بمشاركة دول الخليج الغنية، وخصوصاً الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. إن تركيا إردوغان تمثل مركز المواجهة ضد هؤلاء اللاعبين الإقليميين الداعمين للستاتيكو في المنطقة، والمناهضين للإخوان المسلمين، القوة الإقليمية التي ظهرت في الصدارة نتيجة الربيع العربي، والتي تؤازرها تركيا.

علاوة على ذلك، مثلت تصرفات تركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا (حتى في الصحراء الكبرى والساحل) تحدياً حقيقياً لفرنسا، القوة الاستعمارية السابقة والمشاركة النشطة في الصراع الليبي، ونموذجاً للسياسة الخارجية التركية في عهد رجب طيب إردوغان الاستبدادي (بعد سنتَي 2015 و2016). وهذه السياسة الخارجية التركية ترمز إليها وسائل الإعلام الغربية خطأ بمصطلح "العثمانية الجديدة" الذي يخلق قدراً كبيراً من الإرباك، إذ يستخدمه المعلقون كمرادف للإسلاموية والقومية، وبالتالي يتم تفسير أي شيء يفعله إردوغان على أنه فعل معادٍ للغرب. إلّا إن هذا الاستخدام غير صحيح، وإحالة سياسة إردوغان الخارجية إلى فكرة العثمانية الجديدة، أدى إلى سوء فهم.

إن سياسة إردوغان الخارجية، في الأساس، هي مجرد انعكاس لمكونات النظام الاستبدادي الذي يسيطر عليه، ولا سيما في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز / يوليو 2016. وهذه المكونات هي مزيج من: الإسلاميين الذين يتماهون مع الإخوان المسلمين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والعناصر القومية المتطرفة الموجودة في هيكل الدولة التركية، والتي يجسدها حزب الاتحاد والترقي (لجنة الاتحاد والتقدم / CPU). ولذلك، فإن سياسة إردوغان الخارجية هي اندماج عميق بين السياسات الإسلامية والقومية ومزيج من تلك السياسات. وبدلاً من العثمانية الجديدة ، فإنه يمكن للقومية المسلمة التركية أو القومية الإسلامية التركية أن تكون بمثابة لقب أفضل لوصف سياسة إردوغان الخارجية.

سياسة إردوغان الخارجية هذه يمكن تنفيذها بشكل فاعل خلال فترة الاضطراب العالمي الجديد. فتصرّف تركيا يمثل تحدياً معقداً للغرب لسبب رئيسي، فهي كعضو في حلف شمال الأطلسي تُعدّ جزءاً من الحلف نفسه الذي تُعطّله، وهو ما يحدث في المواجهة ضد فرنسا واليونان في شرق البحر الأبيض المتوسط. وعلاقتها مع روسيا تُعدّ أكثر تعقيداً في سورية وليبيا، وأيضاً في الجغرافيا السياسية الأوسع في أوراسيا، ومع ذلك فقد أسست في الوقت نفسه قدراً من الشراكة مع روسيا في مسرحَي الصراع، في سورية وليبيا.

وفي المحصلة، يبدو أن مستقبل ليبيا سيتشكل على النحو الذي قد تتخذه العلاقات بين تركيا وروسيا، بدلاً من إمكان الحرب التقليدية بين تركيا ومصر للسيطرة على الهلال النفطي الليبي.

ومع ذلك، فإن النتيجة المنطقية للطبيعة القمعية لنظام إردوغان في السياسة التركية الداخلية، تنعكس في السياسة الخارجية العدوانية، مع إضافة زخارف إسلامية ودوافع توسعية، في جميع أنحاء العالم العربي، وبالتالي، فإن احتمال مواجهة عسكرية مع أنقرة يجب عدم استبعاده في المستقبل.

 

* مقالة خاصة بـ ''مجلة الدراسات الفلسطينية''، بعنوان: Turkey’s Predicament in Libya and the Eastern Mediterranean.

ترجمة: أنيس محسن.

** وفقاً لحكاية شعبية ألمانية، فإن الكيميائي الألماني يوهان فاوست وقع ميثاقاً مع الشيطان باع بموجبه روحه مقابل المعرفة والقوة، على الرغم من أنه لم يكن بحاجة إلى هذا الحلف مع الشيطان لتحقيق النجاح الذي كان حققه بالفعل، لكنه قام بذلك بسبب الأنانية الزائدة والطمع بمزيد من النجاحات. (المحرر).

 

 

السيرة الشخصية: 

جنكيز تشاندار: صحافي وكاتب تركي.

اقرأ المزيد