شيء ممّا ينتظرنا بعد السلام الإسرائيلي الإماراتي
التاريخ: 
03/09/2020
المؤلف: 

تموضع أميركي وليس انسحاباً

"اتفاق أبراهام" للسلام بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل وبقرارٍ أميركي، أكبر من أن يجري حصره في حدث موضعي أو ثنائي أو ثلاثي، وإنما بداية لتطورات متدحرجة متعددة الأطراف والجغرافية، وتشمل المناطق الحيوية للنفوذين الأميركي والإسرائيلي.

إنّ الأحاديث الكثيرة عن انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، هي أقرب إلى الوهم لو قارنا ذلك بمنحى الأثر الأميركي، وخصوصاً إذا أخذنا في الحسبان القواعد العسكرية الاستراتيجية في السعودية وقطر والأساطيل الأميركية دائمة الحضور، وكون تركيا حليفاً في الناتو، وحضور القوات الأميركية في العراق وسورية وأفغانستان. ناهيك عن القاعدة الأهم للنفوذ العسكري والسياسي الأميركي في المنطقة والمقصود بها إسرائيل.

إن قيام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإعلان الاتفاق المذكور واعتماده كحدث عظيم الأثر فيه مؤشرات لهذا الحضور، وما يجري فعلياً على أرض المنطقة العربية.

ما يحدث ليس انسحاباً أميركياً وإنما إعادة تموضع وتعزيز نفوذ. وما كان يجري ضمانه في الماضي بواسطة الوجود العسكري المباشر بات اليوم متوفراً بأدوات أُخرى ضمن سطوة الدولة العظمى. فقد نضجت الأوضاع أميركياً وعربياً لتعيد الولايات المتحدة بناء الاصطفافات في المنطقة وفي محورها إسرائيل بصفتها الحليف الأهم والأقرب إلى الولايات المتحدة ووكيلتها في المنطقة. كما يجري هذا المنحى من خلال المجاهرة في السعي لتجاوز القضية الفلسطينية ولتهميشها ضمن أولويات الأطراف العربية الشريكة في هذه الاصطفافات. وإعادة بلورة المنطقة على محور الصراع مع إيران لتكون إسرائيل حليفاً طبيعياً للأنظمة العربية التي تقبل بمعاداة إيران وشيطنتها أمام شعوبها.

وبحسب عقيدة إسرائيل المتجذرة منذ سنوات الخمسين فإن ما يكسبها الشرعية في المنطقة هو النفوذ الأميركي من ناحية، ومن ناحية ثانية، قوتها وسطوة الردع التي تتمتع بها والتفوق النوعي إضافة إلى تماسكها الداخلي وقوتها الاقتصادية والتكنولوجية وتحولها إلى دولة عظمى إقليمية قادرة على استخدام استراتيجيتين في آن، أي القوة والسطوة العسكرية القريبة والبعيدة المدى، واستراتيجيا القوة الناعمة المتمثلة في التكنولوجيا والاقتصاد والزراعة وغيرها.

كما أن الاتفاق المتدحرج بين إسرائيل والإمارات والذي سيتبعه بحسب المصادر اتفاقات مع كل من السودان والمغرب والبحرين ولاحقاً مع العربية السعودية، هو أشبه بتيار هائج يسعى للتخلص من كل المعوقات التي تعترضه.

هناك دلالة أُخرى للاتفاق، وهي وضع النظام العربي المتمثل في جامعة الدول العربية أمام خيارين، فإمّا نهايته وتفكيكه وهذه ضربة كبرى لدور مصر الإقليمي، وإمّا انصياعه للمخططات المذكورة ولما يمثله مجلس التعاون الخليجي، وبالذات الدور الإماراتي المسنود لا بقوة الإمارات بل بالقوة المشتركة للولايات المتحدة وإسرائيل وبالضعف العربي.

يجدر التأكيد أن "وقف مخطط الضم" فيه مصلحة إسرائيلية ومصلحة أميركية من وجهة نظر المؤسسة الأمنية في البلدين، أمّا التبجح بأنه إنجاز عربي من الاتفاق أعلاه، فإنه يعزز الاحتلال ويطبّعه.

المسعى لإعادة هندسة الولاءات الفلسطينية والسعودية

في مقابلة مع شبكة CNBC نقلتها صحيفة تايمز أوف إزرائيل (The Times of Israel) (16/8/2020) تحدث جاريد كوشنير كبير مستشاري ترامب وصهره المسؤول عن الملف الإسرائيلي- العربي عن حتمية السلام بين السعودية وإسرائيل أسوة بالإمارات، وأضاف: "تعتبر السعودية هي أيضاً إيران عدواً لها وتحافظ على علاقات وثيقة بواشنطن".

لكن كوشنير لم يكتف بالقراءة السياسية بل انتقل إلى كيفبة إنجاز ذلك، وقد رأى أن العقبة أمام تغيير الموقف السعودي مرتبطة بالجيل القديم أي الملك سلمان. وعمد إلى تأليب الجيل الجديد والمقصود به ولي العهد محمد بن سلمان، على الأخذ بزمام الأمور.

قال كوشنير: "إنهم (الجيل الشاب ومحمد بن سلمان) ينظرون إلى إسرائيل باعتبارها وادي السيليكون في الشرق الأوسط ويريدون الاتصال بها كشريك تجاري، وكشريك تكنولوجي، وكشريك أمني"، و"أن الجيل السعودي الشاب معجب بإسرائيل ويسعى لإقامة علاقات مع الدولة اليهودية." ثم أضاف أن "الأجيال الأكبر سناً ما زالت عالقة في صراعات الماضي،" وعلى الرغم من الجهود الأخيرة التي بذلها البلد نحو التحديث، "لا يمكنك الالتفاف حول سفينة حربية بين عشية وضحاها."

من الجدير هنا التوقف عند سلوك الدولة العظمى، فالولايات المتحدة لا ترهن تنفيذ سياساتها في بلد ما بالاعتماد على شخص واحد مهما كان قوياً ومؤثراً. بل إنها تبني ومن خلال أذرعها السياسية والأمنية والثقافية والاقتصادية علاقات مع مجمل الأطراف في البلد المعني. ولا تكترث لكون هذا الطرف حاكماً وذاك معارضاً، أو لكون هذا فاسداً وذاك لا، بل تسعى للهيمنة على جميع الأطراف السياسية والإثنية والطائفية والدينية والجهوية، وهو ما يضمن استدامة هيمنتها ونشوء نخب موالية باستمرار. وهذا ما نشهده على سبيل المثال، لا الحصر، في السودان، إذ أيضاً بعد الإطاحة بالبشير والانتفاضة الشعبية العظيمة فإن عبد الفتاح البرهان لا يخرج عن الطوق الأميركي بل يسير في ركب نفوذ هذا البلد. وحتى حين يقيل البرهان وزير الخارجية بسبب تصريحات الأخير عن الرغبة في العلاقات مع إسرائيل فإنه لم ينكر ولم ينف أقوال وزيره المقال. إن روح الشعب السوداني وإن أسقطت حكم البشير لكن البلد مرتبط بشكل عميق بالسياسات الدولية والإقليمية.

عملياً، فإن كوشنير الضالع في إعداد وإنجاز الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي بقرار أميركي، يواصل موقف ترامب الذي أعلنه جهاراً في أول زيارة رسمية له إلى السعودية، بما معناه أنه لا يكترث لطبيعة الحكم الداخلية والحريات بل يكترث للمصالح وللولاء لسياساته. وهذا يسري على السعودية على الرغم من أن ولي العهد مقبول عند ترامب، كما أنه عمل إلى جانب الرئيس الأميركي ومستشاريه ومحمد بن زايد لإبرام "اتفاق أبراهام".

بناء عليه، وحين يكون هذا نهج الدولة العظمى المهيمنة، فلن يكون من المستبعد أن تسعى لإنهاء حكم الملك سلمان في حال شكل عقبة أمام مشروعها، وتنصيب ولي العهد ملكاً. كما أنه لن يكون مفاجئاً إذا ما سعت الولايات المتحدة لاستبدال بن سلمان بشخصية قيادية سعودية أُخرى، فحين تصطدم مصالحها بأي عائق تسعى لإزالته من طريقها ولا تكترث لأي صداقات يتوهمها البعض.

إن هذه التصريحات بالمفهوم الدبلوماسي فيها تدخل في الشؤون الداخلية للسعودية وفيها تأليب وتحريض وتهديد مبطن للملك ومسعى لابتزازه. ولذلك يسمح جاريد كوشنير لنفسه بالتأكيد على حتمية العلاقات السعودية الإسرائيلية.

الحالة الفلسطينية ومأزق المأزق

المأزق السياسي الفلسطيني في سياق الاتفاق المذكور، هو مأزق خطر في سياق مأزق أكبر وأعمق، إذ يشكل الاتفاق ضربة قد تكون قاضية لنهج القيادة الفلسطينية التي اختزلت طريق التحرر الوطني الواسع إلى مسار واحد يمثله نهج الرئيس الفلسطيني أبو مازن، ويعبر عنه بكلمة "سلمية" التي يرددها في كل محفل، والتي راهنت على طريق المفاوضات والعمل الدبلوماسي الدولي. كما ينعكس المأزق أيضاً في أن البدائل الفعلية لمحمود عباس والتي سيكون تمسكها بمجمل مركبات الحق الفلسطيني أو الثوابت في موضع امتحان خطر من التنازلات عن جوهر الحق الفلسطيني والتعامل الإيجابي مع خطة ترامب.

إن طقوس الإيهام بقرب المصالحة غداة كل حدث خطر على الحق الفلسطيني، قد استنفدت ذاتها وباتت متوقعة ولا تؤتي بثمار. ولذلك من الأجدر التعامل مع الانقسام كمعطى في المدى المنظور، وبناء القرار الفلسطيني على التنسيق في الخطوات دونما البناء على الأوهام.

يشكل اتفاق أبراهام والدعم الرسمي العربي الواسع الذي حظي به، بداية النهاية لمرحلة اعتبار فلسطين قضية العرب الأولى. هذا على المستوى العربي. وعلى الصعيد الثنائي، فمنذ إغلاق باب المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية هناك مساع حثيثة إسرائيلية أميركية لكبح الطموحات السيادية لدى القيادة الفلسطينية، وبعد انتقال مركز الثقل في القرار الفلسطيني من منظمة التحرير الفلسطينية إلى السلطة الوطنية الفلسطينية وتفكيك م. ت. ف. من مواطن قوتها، وهو مسار لا يتجزأ من مسار اتفاقيات أوسلو مع أنه بدأ قبلها، فإن المسعى الحالي هو تفريغ هذه السلطة من أية مقومات سيادية، ومن أي مشروع وطني ومن مفهوم حق تقرير المصير. كما أن هناك قناعة إسرائيلية بأن نهج الرئيس الفلسطيني محمود عباس يشكل عقبة أمام نهج "السلام مقابل السلام" مع البلاد العربية، وكذلك عقبة أمام خطة ترامب. كما يشكل عقبة أمام نخب فلسطينية معنية بإدارة سدة الحكم الفلسطيني والسير في المشروع الأميركي ومساعي إعادة بناء المحاور وتثبيت دور إسرائيل الإقليمي القيادي. عملياً، وإذ أدخل مسار أوسلو مشروع التحرر الفلسطيني في مأزق تاريخي، فإن المأزق الحالي هو انتهاء هذا المسار الذي لم يكن له اعتبار فعلي في العقد الأخير إلاّ لدى القيادة الفلسطينية. ويتفاقم الوضع أمام حقيقة أن النظام السياسي الفلسطيني القائم غير قادر على إنتاج بدائل، وخصوصاً وهو يكبّل أيادي الشعب الفلسطيني ويقوم بتحييد دوره. ناهيك عن كون جماهير الشعب الفلسطيني في مناطق السلطة الفلسطينية أصبحت معيشيّاً أكثر تبعية لاقتصاد الاحتلال ومنظومة دولة الاحتلال.

إسرائيل معنية، لو استطاعت، بتولي محمد دحلان قيادة الشعب الفلسطيني خلفاً للرئيس عباس. وتعمل مع القيادة المتنفذة في الإمارات ومنذ سنة 2016 على استبدال محمود عباس بدحلان. لكن المراهنات تتغير وتتبدل. فالولايات المتحدة وإلى حد ما إسرائيل لا تحصر خياراتها في مسار واحد أو في شخص واحد، بل إن المشروع الأميركي يبدو أكبر من دحلان وقدراته ونفوذه الآني والممكن. ولذلك فإن الإكثار من الحديث عن دحلان قد يكون الغرض منه تغطية لتلك الأيادي التي تحيك تنصيب قيادة متنفذة تحظى بنوع من التوافق أو الإجماع الفلسطيني ومن الممكن أن تكون صفقة مصالح في هذا الصدد. والمرشحون الفلسطينيون للعب هذا الدور كثر، وللأسف.

وتبدو القوى السياسية الفلسطينية الرئيسية بمستوى تنظيمها وتكاملها الهش غير قادرة على إحداث التغيير ووقف المد الزاحف من خلال سياساتها. كما أن  التنظيمين الأكبر "فتح" و"حماس" قد فقدا القدرة على المناورة على المستوى الإقليمي ولم تعد لأي منهما أوراق لعب حقيقية في مواجهة النظام العربي بتشكله الراهن.

الطرف الفلسطيني الوحيد الذي يملك القوة مبدئياً هو الشعب الفلسطيني، حتى وإن لم يتحرك بعد، وهناك أجواء من فقدان الثقة بالشعب وفقدان الثقة الفلسطينية بالنفس، لكن الشعب الفلسطيني وفي شروط معينة هو الطرف الوحيد القادر على أن يعوض عن الضعف الفلسطيني القيادي المستشري والواقع العربي البائس.

هل إسرائيل معنية بالتطبيع؟

تاريخياً، فإن إسرائيل ليست معنية بالتطبيع مع الشعوب العربية، ولا تثق بنيات وإرادة هذه الشعوب، وهذا بحد ذاته أمر جيد ولا يتيح مجالاً للأوهام العربية. وتثبت ذلك الحالتان المصرية والأردنية.

التطبيع بمفهوم حركة مناهضة التطبيع العربية منوط بمواقف وسلوك الدول العربية وليس بإسرائيل. وهو في جوهره موقف منها وليس من سياساتها، وينفي أحقية الكيان الصهيوني بالوجود، وبلغ أوجه في لاءات قمة الخرطوم الشهيرة سنة 1967 وهي: لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض. وبالنسبة إلى إسرائيل فإن سياسة الأمر الواقع تعوّضها عن التطبيع وتتجاوزه بقوتها وبنفوذها وبالسطوة الأميركية وبالمصالح التي توفرها للعديد من الأنظمة العربية وفي الأساس توفير مقومات حمايتها.

قد تختلف الحالة الإماراتية إلى حد ما وذلك لكون أبو ظبي عاصمة اقتصادية عالمية، وهو ما يتيح علاقات اقتصادية مدنية متشعبة واستثمارات كبيرة متبادلة لرؤوس أموال. أمّا أمنياً فالعلاقة لا تصبو إلى الندية كما الأمر مع مصر والأردن، بل تبعية. وإذا كانت الولايات المتحدة قد اعتمدت السعودية وقطر قواعد لها فإن هيمنتها سوف تتعاظم إذا ما تعاملت مع الإمارات كقاعدة أمنية ثالثة حتى ولو لم تكن قاعدة عسكرية هناك. لكن إسرائيل ليست معنية بالتطبيع مع الشعب في الإمارات.

حين يتجاوز رئيس الموساد يوسي كوهين كلاًّ من وزير الخارجية ووزير الأمن منتدَباً من رئيس الحكومة نتنياهو لبلورة تفصيلات الاتفاق مع نظيره الإماراتي طحنون بن زايد، ويجرى لقاء بحضور الأخير مع نائب رئيس المجلس السيادي السوداني الجنرال محمد حمدان دقلو (العربي الجديد21/8، هآرتس 22/8) فإن هذا يؤكد أن الدبلوماسية "العادية" ليست هي المحور، وإنما علاقات أمنية واستراتيجية قائمة منذ ما يقارب الثلاثة عقود يجري إخراجها إلى العلن حالياً.

ومن اللافت أيضاً أن ما كان يُعتبر سرّ دولة في السابق بشأن علاقات إسرائيل الأمنية بهذه الدولة وتلك، أصبح نتنياهو يجاهر بها وباللقاءات التي يجريها، وذلك إمعاناً في كسر إرادة الشعب العربي وفي لعبة الاتباع وقطع الطريق أمام أي خيار للعودة.

لا يريد المشروع الصهيوني بأي شكل كان أن تدقّ هجرة العمل العربية الجماعية أبوابه، فهذه الدولة تأسست ضمن ما تأسست عليه على الديموغرافيا والتعامل مع الفلسطينيين والعرب كخطر ديموغرافي. إنها تسعى لعلاقات هيمنة وتبعية قائمة على ربط مصالح اقتصادية بالتعاون معها واستثمار رأس المال الإسرائيلي على أراضي الغير وجني الأرباح المضاعفة منها، سواء بالتعاون التجاري أو في تزويدها بالطاقة أو بالأيدي العاملة الرخيصة كما في شبكة المصانع الإسرائيلية الأردنية في منطقة إربد التي تشغّل عشرات آلاف الأيدي العاملة الأردنية الرخيصة وتعمل من دون تماس مع الشعب الأردني. بل درجت على تحذير مواطنيها من الوجود في عمّان والتجوال فيها، ومن التحدث بالعبرية وحتى نبهتهم إلى ضرورة السلوك الأمني في الفنادق في حال أقاموا فيها وذلك مصاغ في ورقة تعليمات كانت توزع على معبر الشيخ حسين للمغادرين إلى الأردن.

وتجدر الإشارة إلى أن مشروع "بوابة الأردن" الأميركي الإسرائيلي الأردني الحدودي يشمل أكثر من ستين مصنعاً ويشغّل أكثر من عشرين ألف عامل وعاملة أردنيين بأجرة زهيدة.

وهذا ما درجت إسرائيل على تطبيقه بعد اتفاقيات كامب ديفيد مع مصر ضمن سياسة الكويز (QIZ) برعاية أميركية. فالرأسمال الإسرائيلي معني بالاستثمار في البلاد العربية ليضاعف أرباحه، لكنه غير معني بالاحتكاك بالشعوب العربية التي يرى فيها عدواً ثابتاً.

تبقى المصالح الاستراتيجية العليا هي الأساس وبالذات التحالف العسكري الأمني مع الإمارات، وبناء قاعدة متقدمة للمواجهة مع إيران، وهو ما سيجعل الإمارات ساحة مستهدفة أكثر بعد أن تنازلت عن سياسة حسن الجوار.

لقد باتت الأنظمة المعنية بالتوافق مع إسرائيل وبناء المحاور معها، ترى في القضية الفلسطينية وفي القيادة الفلسطينية عقبة يجب تجاوزها، وهي معنية بقيادة بديلة، سواء من خلال امتداداتها الفلسطينية أو من أطراف من بطانة الرئاسة الفلسطينية. والحديث هو عن قيادة فلسطينية وتحت مسمى البراغماتية تقبل بشكل أو بآخر بخطة ترامب ومفاهيمها.

النظام العربي وفلسطينيو 48

لقد راهن النظام العربي في السابق على تغييرات في الحكم في إسرائيل وعلى انتصار تيار العمل التاريخي ولاحقاً ما يسمى "المركز يسار" المعني بحلّ ما مع الفلسطينيين. إلاّ إن النهج الحالي الذي يقوده مجلس التعاون الخليجي المهيمن إلى حد كبير على النظام العربي، يرى أن فرصة الحل في عصر ترامب هي مع نتنياهو ونهجه القائم على تحييد قضية فلسطين من طريق العلاقات مع العالم العربي، والتسليم بسطوة إسرائيل المتمثلة في مبدأ "السلام مقابل السلام". وفي هذا فإن التطبيع العربي الذي تحدثت عنه مبادرة السلام السعودية ثم العربية سنة 2002 والذي كان مشروطاً بمستحقات، تحصل عليها إسرائيل اليوم دونما أية شروط، وتصبح المبادرة غير ذات شأن بعد أن شرعنت التطبيع الذي لا يُعتبر مشروع إسرائيل، بل إن الهيمنة هي مشروعها.

وللتذكير فإنها القوى ذاتها في النظام العربي التي كانت معنية بزيادة التصويت العربي للكنيست واستثمرت في ذلك سياسياً ومالياً، وذلك لتحقيق الغرض ذاته. وفي المقابل بدأنا نسمع مؤخراً أصواتاً سياسية محلية وذات وزن باتت تجاهر حتى ولو بشكل خجول بتأكيد استعدادها للتعامل الإيجابي مع أي حكومة بما فيها مع نتنياهو. وهذا الموقف ليس من باب لا فرق بين صهيوني وصهيوني وبين عنصري وعنصري وبين عدواني وعدواني من اليمين المستوطن أو اليمين المركز، بل من منطلق البراغماتية وتغييب المشروع الوطني، ومؤشرات لبداية مسعى لفك الارتباط السياسي بالقضية الفلسطينية. وهذا التحول لا بد من أن يجد إسناداً له من دول التطبيع والمبايعة. وفي اعتقادي فإن هذه القوى المحلية سيتسع نطاقها ونفوذها في المستقبل القريب إذا بقي المنحى العربي الإقليمي على حاله، ولا مؤشرات لتغيير فيه. إن الحملة الصهيونية المنهجية وطويلة الأمد والساعية لفك الارتباط بين الجماهير العربية في الداخل وقياداتها وأعضاء الكنيست وبين القضية الفلسطينية قد تحقق بعض النجاحات والنفوذ بين ظهرانيها وهذا مؤشر خطر يهدد الدور المتعاظم لهذه الجماهير على مجمل القضية الفلسطينية ويضعف هذه الجماهير داخلياً أيضاً.

هناك محاججة جديرة بالاهتمام قائمة على تبيان التمايز ما بين اتفاقيات السلام التي وقعتها إسرائيل مع كل من مصر والأردن في حينه، وبين اتفاق أبراهام الإماراتي الإسرائيلي. والمحاججة المحورية هي أن مصر والأردن كانتا في حالة حرب وصراع مباشر مع إسرائيل في حين أن الإمارات لم تكن في حالة حرب معها. قد يكون هذا التمايز صحيحاً تحليلياً لكنه يحمل إشكاليات ومعضلة أخلاقية. بل قد يكون الادعاء المقابل أن ما قام به الرئيس المصري أنور السادات في المبادرة إلى اتفاقيات كامب ديفيد أصبح رأس الزاوية. وهذه مسألة في رأيي بحاجة إلى إعادة قراءة وتقييم.

حين وقعت مصر اتفاقيات كامب ديفيد بعد إنجازها التاريخي في حرب 1973، وقد استعادت بموجبه كل سيناء المحتلة حتى المتر الأخير، جرت معارضتها وحتى مقاطعتها عربياً وفلسطينياً. كما تمت تنحيتها عن رئاسة جامعة الدول العربية، ونقل مقر الجامعة إلى تونس، مع العلم بأن مصر هي الدولة العربية الأولى تاريخياً في مواجهة إسرائيل، وتتمتع بملامح الدولة العظمى الإقليمية.

المشكلة الأخلاقية الأُخرى في التعامل مع الإمارات هي ليست في الاجتهاد لتبيان التمايز بين الأنظمة المذكورة، وإنما في سهولة اعتماد التمايز بين الشعوب ومواقفها. بل إن الرد الفلسطيني الشعبي السائد فيه مسحة استعلائية ونزعات عنصرية تجاه الشعوب في الدول الخليجية إلى درجة التهكم على الشكل والهندام. وهذه النزعة خطرة، أولاً، لأن شعبنا هو ضحية الاحتلال، والواقع الاستعماري الاستيطاني والعنصري الإسرائيلي لا يقوم بتذويت ذهنية المستعمر والتفوق العنصري ويمارسها تجاه شعوب هي ذاتها ضحايا الاستعمار. ثم إن الشعب في الإمارات كما في سائر الدول الخليجية وكل الوطن العربي ليس جزءاً من التطبيع، بل يناهضه وعلينا أن نكسب تضامنه وتقاسمه للهم العربي وهذا يعني أن نتضامن نحن الفلسطينيين مع الشعوب العربية. ثم يجب التفكير بعشرات آلاف الفلسطينيين المندمجين في الحياة الاقتصادية والاجتماعية الأماراتية، والذين لهم مصلحة مباشرة في العلاقات بين شعبي فلسطين والإمارات.

إن السعي لرسم خطوط التمايز بين الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي وبين الاتفاقيتين المصرية والأردنية، إشكالي ومن الصعب أن يصمد في امتحان الواقع، بل إن الناس ستستغل أول فرصة للتواصل في مجالي السياحة والأعمال التي حرموا منها منذ سبعة عقود، ليتواصلوا مع أبو ظبي. لذلك فإن القوى السياسية مطالبة أكثر بتوضيح مواقفها وإقرانها بسلوكها تجاه هذه العلاقات، سواء كل على حدة أو جماعياً من خلال لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في الداخل.

لسنا أصحاب قرار في التحولات الإقليمية، لكن هذا لا يعفينا من أن نكون أصحاب وصاحبات موقف، وأن يكون رهاننا على شعبنا الفلسطيني وعلى شعبنا العربي لا على النظام العربي.

عن المؤلف: 

أمير مخول من حيفا.

اقرأ المزيد