الفيروس والمستوطِن والحصار: غزة في زمن كورونا
النص الكامل: 

 إن تقاليد حياة المضطهَدين تعلّمنا أن "حالة الطوارىء" التي نعيش

 فيها ليست استثناء، بل هي القاعدة.

والتر بنجامين[1]

 

تبدو جائحة "كوفيد – 19" على المستوى العالمي بمثابة عامل إجهاد يحدد هياكل السلطة والتدرجات في داخلها، سواء على الصعيد الوطني أو فوق الوطني. ولقد وفرت دراسة الأوبئة على الدوام نظرة ثاقبة إلى داخل "الهياكل الأساسية للعلاقات الاجتماعية ضمن حدود المجموعة وعبرها، بما في ذلك الآليات المستخدمة للحفاظ على البنى الاجتماعية المعقدة من عدم المساواة مع مرور الوقت."[2] وهذه الأمراض، شأنها شأن الأجسام التي تُبتلى بها، هي في الوقت نفسه مصنوعات مادية ورمزية "أُنتجت بشكل طبيعي وثقافي على حد سواء، ورست على نحو مُحكم في لحظة تاريخية معينة."[3]

استكشف المؤرخون منذ فترة طويلة السبل التي عزز من خلالها الحجر الصحي العلاقات الاقتصادية وعلاقات القوة، وتحدّاها أو رسّخها على أرض الواقع.[4] لقد أدى الطاعون الدبلي [أو الطاعون الدملي] في سنة 1901 في كيب تاون في جنوب أفريقيا، إلى فرض الحجر الصحي على معظم السكان الأفارقة في المدينة، ونقلهم بصورة قسرية إلى معسكرات العزل التي أُنشئت على أساس الفصل العنصري. وأصبحت هذه التجربة في وقت لاحق نذيراً بحدوث عمليات إجلاء في المستقبل، ومقدمة للفصل العنصري المتمثل في تجمعات مدن الصفيح تحت نظام الأبارتهايد.[5]

سأستخدم في هذه المقالة ما نعرفه عن طبيعة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي وحصاره لقطاع غزة، من أجل إرشادنا إلى كيفية تعامله مع هذا الحدث التاريخي غير المسبوق. وسأستكشف جوانب الاستعمار الاستيطاني التي ستؤثر في السياسات الإسرائيلية، والتحديات أو الفرص التي يتيحها هذا الوباء لتعزيز أهداف إسرائيل في قطاع غزة، ولا سيما حصارها المستمر لهذا الأخير. ومن خلال دراسة حصار غزة وفائدته للمشروع الإسرائيلي الاستعماري، آمل بأن أستطيع فهم ديناميات الإجراءات التي تتخذها إسرائيل فيما يتعلق بالجائحة، والتي سنستخدمها بدورها لتوفر لنا فرصة لفحص التفنن الاستراتيجي للاستعمار الاستيطاني في مواجهة هذا التحدي التاريخي.

 لماذا الاستعمار الاستيطاني؟

في سنة 1998 عندما نشر باتريك وولف كتابه المبدع، "الاستعمار الاستيطاني وتحوّل الأنثروبولوجيا"، قدّم لنا واحداً من التصريحات المؤسِّسة في هذا المجال: "إن الغزو الاستيطاني هو بنية (هيكلية)، وليس حدثاً."[6] وأشار وولف لاحقاً في مقالة بعنوان "الأمة وتمازج الأجناس"، إلى حقيقة أن الميزة الأساسية للاستعمار الاستيطاني هي " 'الميل المنهجي المستمر إلى استبدال السكان الأصليين'، وأن هذا هو منطق ثقافة الاجتثاث الذي 'يوفق بين مجموعة من الممارسات التاريخية التي قد تبدو بخلاف ذلك متباينة'."[7] ومنطق الاجتثاث هذا الذي يعتبره باتريك وولف جوهر العلاقة بين المستوطنين والمستعمَرين يجب أن يكون نقطة الانطلاق لأي تحليل لماضي الشعب الفلسطيني ومستقبله، بما في ذلك هذا الوباء غير المسبوق. فمن طبيعة الهيكليات أنه غالباً ما يمكن اقتفاء أوجه الاتساق العميقة التي تربط الأحداث الفردية في الزمن بالاتجاه قدماً، وكذلك بالعودة إلى الوراء، ولا سيما عندما تكون "منيعة تجاه تغيير النظام."[8] إن قراءة الاستعمار الاستيطاني كهيكلية، تكشف حقيقة أن هذا الاستعمار لا يمكن أن ينحصر في الماضي، وبناء على ذلك، يجب تدوين هذا الوباء، في هذا الحيّز، ضمن المسار التاريخي للاستعمار والمستعمَر.[9] إن عملية الاستعمار الاستيطاني يُعاد اختراعها باستمرار ويحافَظ على منطقها من خلال إعادة ترتيب الممارسات والخطابات الاستعمارية في الأوقات المعاصرة.[10] وسيتيح لنا أيضاً الاعتراف بالاستعمار كهيكلية بدلاً من أن يكون حدثاً، وضع السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في سياق هذا الوباء، كنتاج للمنطق نفسه الذي قاد في البداية إلى إغلاق الحدود، ثم تحوله إلى طرائق وخطابات وتشكيلات مؤسساتية متنوعة في أثناء تفشي الجائحة.

وتماماً مثلما كان الاستعمار قادراً على تحديث الخطاب العنصري فيما يتعلق بالسكان الأصليين المصنفين على أساس عنصري، والذين يُنظر إليهم سابقاً على أنهم برابرة وهمجيون ومتوحشون، وبات يُنظر إليهم اليوم على أنهم عرب مسلمون إرهابيون،[11] فإنه يمكنه أن ينتج الوصمة اللازمة خلال هذا الوباء، والتي لا تنشأ بتاتاً من فراغ، وهي تخدم "أسطورة مهيمنة تشرّع التقسيم الهرمي."[12] ويمكن رؤية عملية مشابهة تتمثل في انتقائية إسرائيل لدى التنصل من القانون الدولي وإعادة كتابته، ويتضح ذلك بيانياً في الكلمات التالية التي قالها الرئيس السابق لقسم القانون الدولي في الجيش الإسرائيلي الكولونيل دانيال ريزنر: "إن القانون الدولي قائم الآن على أساس فكرة أن الفعل الممنوع اليوم يصبح جائزاً إذا نفّذه عدد كافٍ من الدول... القانون الدولي يتقدم من خلال الانتهاكات."[13] وفي الوقت نفسه، ومثلما لاحظت ديبورا بيرد روز، خبيرة الإثنيات الأسترالية المتخصصة بالشعوب الأصلية، فإن كل ما على السكان الأصليين أن يفعلوه للوقوف في وجه الاستعمار الاستيطاني هو البقاء في ديارهم.[14]

إن هذه المقالة تستند إلى فرضية فحواها أن الاستمرارية الهيكلية للاستعمار الاستيطاني ستحدد بشكل مسبق ما يمكن أن يحمله المستقبل.

قياس معيار الحياة: حصار غزة

في 15 آب / أغسطس 2005، بدأت إسرائيل انسحابها من أراضي قطاع غزة التي احتلتها منذ حرب الأيام الستة في سنة 1967. فعلى مدى 38 عاماً، أقامت إسرائيل نحو 21 مستعمرة عبر أراضي الجيب الساحلي، ونقلت نحو 9000 مستوطن إلى القطاع. وبحلول نهاية سنة 2007، كانت إسرائيل قد أغلقت بالكامل حدود غزة،[15] وبدأت ما سمّته نورهان أبو جيدي "حالة قتل المدينة التي تمثل الشرط الأقصى لحالة الحصار."[16] إنها حالة دائمة من الغزو والتدمير والحد الأقصى من الخنق ضمن مساحة محددة بأنها "الجغرافيا المخصصة للتجريد من الملكية"، والتي تميزت بممارسات التهجير القسري ومصادرة الأراضي العنيفة.[17] ومثلما كان أساسياً بالنسبة إلى جميع قراراتها خلال عملية أوسلو، فإن إسرائيل سارت على نهج ما قامت به جميع المشاريع الاستعمارية على مر التاريخ؛ لقد اختارت السيادة التي يرثها الملوك الأوروبيون وحدهم، على الاحتلال الذي يتيح للمواطنين الأصليين استخدام الأراضي بطريقة براغماتية،[18] الأمر الذي سمح للدولة الإسرائيلية بالاحتفاظ بالتعبير النهائي عن السيادة والسلطة والقدرة على الإملاء فيما يتعلق بمَن قد يعيش، ومَن يجب أن يموت.[19]

إن حصار غزة الناتج من ذلك يُفهم على أفضل وجه من خلال تفاعل قياس المعيار الكيميائي عندما يكون مكوّنا التجربة هما الحياة والموت. فبالنسبة إلى حياة الفلسطينيين، يكمن هدف عملية قياس المعيار هذا بين "العتبتين المتباينتين" اللتين وصفتهما مارثا نوسباوم، بأن إحداهما هي "القدرة على العيش التي ستكون دونها الحياة من شدة الفقر غير إنسانية على الإطلاق؛ والأُخرى عتبة أعلى نوعاً ما، تقع تحتها تلك الوظائف المحددة بطريقة مخفضة إلى حد كبير، إلى درجة أنه وعلى الرغم من أننا قد نحكم على شكل الحياة بأنه إنساني، فإننا لن نعدّها حياة إنسانية جيدة." ويهدف الحصار إلى الحكم على سكان غزة بـ "نوع من الموت المبكر، أو موت أي شكل من أشكال الازدهار."[20] فمنذ سنة 1959، وصف فانون كيف أن "قضم وجود المستعمَرين هذا يميل إلى جعل الحياة شيئاً يشبه الموت غير المكتمل"،[21] ولهذا السبب، يبدو تصور جاسبير بوار للتعاون بين ما هو حي وما هو ميت (بيو - نيكرو) تحليلاً أكثر ملاءمة ليس فقط لدراسة إدارة إسرائيل السابقة والحالية للحصار، بل أيضاً لتفحُّص إجراءاتها المستقبلية فيما يتعلق به.

إن الحصار شكل من أشكال الحرب المنخفضة الوتيرة، وهو يرتكز على الضغط المستمر.[22] فصغر حجم غزة، والكثافة السكانية في القطاع، وحتى الوقت المنقضي تحت الحصار، جميعها أسلحة لإنتاج خط أساس للعنف المكاني،[23] يمكن أن تضاف إليه سياسات متنوعة لقياس معيار وجود الناس بصورة صحيحة بين الحياة والموت. لكن حتى خط الأساس هذا بحد ذاته يمكن أن يتنوع، ذلك بأن الحصار هو عملية دينامية تتغير في شدتها وفي الممارسة من شهر إلى آخر، ومن يوم إلى آخر.[24] ومن خلال تعديل عمق "المنطقة العازلة" التي تمتد على طول المحيط الداخلي لغزة، من مئة متر إلى ثلاثة كيلومترات، وتغيير حدود غزة البحرية، يمكن تصعيد العنف المكاني للحصار على نحو متدرج.[25] فالتحكم بكل من المنطقة العازلة والحدود البحرية له قيمة مضافة لتقييد الوصول إلى الأراضي الزراعية ومناطق الصيد،[26] الأمر الذي يمنح آلية الضبط الدقيقة هذه بُعداً غذائياً واقتصادياً.

فضلاً عن هذه الاستراتيجيات التي تشمل المكان أو الأرض،[27] تحوّل الغذاء أيضاً إلى سلاح باعتباره مكوناً من مكوِّنات تفاعل قياس المعيار هذا. فقد قيَّدت إسرائيل بشدة، من سنة 2006 إلى سنة 2010، واردات المواد الغذائية، لكنها ادعت أنها تفرض قيوداً فقط على السلع "التي ليست أساسية لبقاء السكان المدنيين."[28] وردّاً على التماس قانون حرية المعلومات، أُفرج في 13 تشرين الأول / أكتوبر 2010 عن وثيقة "الخطوط الحمراء" التي كشفت كيف أجرت الحكومة الإسرائيلية دراسات استقصائية لحساب "سلة الكفاف الدنيا" لسكان غزة، أي سلة من المنتوجات الاستهلاكية بالكاد تمنع عنهم سوء التغذية،[29] واستنتجت منها الحد الأقصى لعدد شاحنات الطعام المسموح بمرورها خلال الحصار كل يوم.[30] والنتيجة هي أن نحو ثلثَي سكان غزة يعانيان جرّاء انعدام الأمن الغذائي اليوم.[31] وقد أظهر تصريح لدوف فايسغلاس، أحد كبار مستشاري الحكومة الإسرائيلية في سنة 2006، جوهر هذه السياسة، حين قال إن سكان قطاع غزة "يتبعون نظام تنحيف"، لكنهم "لن يموتوا من الجوع."[32]

تنطبق السياسة نفسها على الحاجات الأساسية الأُخرى لسكان غزة: الكهرباء والوقود والماء والأسمنت، فقد أدى نقص الطاقة والوقود إلى شل مرافق البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك الخدمات الطبية الطارئة وجمع القمامة ومعالجة المياه ومياه الصرف الصحي. وبمرور الوقت، يبدو أن الجهاز الفني الموظف لتوجيه مرور هذه الإمدادات التي لا غنى عنها قد خضع لتحديثات كبيرة، ففي أعقاب حرب سنة 2014، أُنشئت آلية إعادة إعمار غزة (GRM)، وهي عبارة عن إطار لوجستي قائم على البيانات ينظم تدفق مواد البناء.[33] وفي هذا السياق أشار وزير العدل الإسرائيلي حاييم رامون إلى مصطلح "أوكسجين البنية التحتية" باعتباره عقيدة جديدة تقوم على قطع الكهرباء والوقود والمياه عن غزة.[34] ويجادل داريل لي، بأن هذه الفكرة "تقلص حاجات وتطلعات وحقوق 1,4 مليون من الغزيين لممارسة احتساب السعرات الحرارية والميغاوات وغيرها من الوحدات المجردة ذات البعد الواحد التي تقيس المسافة من الموت."[35] ولا شيء ينجو من أنبوبة اختبار تفاعل قياس المعيار هذا، ففي سنة 2017، حصل 54٪ فقط من المرضى من غزة على تصريح في الوقت الملائم للحاق بموعدهم للعلاج في المستشفى،[36] بينما في كانون الثاني / يناير 2020، كان 23٪ من طلبات مرضى غزة للحصول على تصريح إسرائيلي من أجل تلقّي العلاج في القدس أو الضفة الغربية أو المستشفيات الإسرائيلية، والتي رُفضت، تتعلق بمواعيد لمتابعة علاج السرطان.[37]

إن لجوء إسرائيل المستمر إلى شنّ ضربات بالطائرات من دون طيار يسمح لها بالاستمرار في تزويد المعيار الحجمي بالمستوى الضروري من العنف.[38] وتتضح التباينات في مقاييس استخدام إسرائيل للطائرات المسيّرة في غزة في الإحصاءات التالية لعدد الشهداء الفلسطينيين بنيران هذه الطائرات: ففي سنة 2009، بلغت نسبة الذين قضوا بواسطة الطائرات المسيرة 43,6٪؛ وفي سنة 2011، 51,8٪؛ وفي سنة 2012، 78,8٪؛ وخلال حرب سنة 2014، قضى 37٪ من جميع الشهداء بغارات شُنت باستخدام طائرات من دون طيار.[39]

لكن على عكس التفاعل الكيميائي الذي يُنفذ باحتراس، فإن هذه التجربة السياسية الحيوية لا تزال تتضمن عناصر غير منتظمة، وبالتالي فإنها تتطلب إعادة ضبط بصورة دورية. ويُعاد ضبط النظام كل بضعة أعوام من خلال ما أطلق عليه القادة العسكريون الإسرائيليون تسمية "جز العشب".[40] وتمثل الغارات الجوية المتكررة والتوغلات البرية فضلاً عن الحروب الثلاث التي شُنت على قطاع غزة، جزءاً لا يتجزأ من نظام الحصار، بدلاً من أن تكون تخلياً عن منطق الحصار بحد ذاته. وقد حذر لوري ألين منذ فترة طويلة من أن الزيادة الحادة في تركيز العنف خلال فترة زمنية قصيرة لها "تأثير متناقض في لفت الانتباه إلى أشكال ومستويات معينة فقط من العنف في غزة، في حين أن من شأنها التشويش على العنف 'اليومي' للاحتلال العسكري الإسرائيلي وجعله أمراً طبيعياً."[41] ومن خلال تركيز انتباه العالم على غزة خلال تلك الفترة المحدودة من الزمن، فإنها تقوم بإخراج العنف من سياقه التاريخي والمكاني،[42] وتخلق الانطباع بأنه يمثل انحرافاً عن قاعدة اللاعنف. وتمثل هذه الإجراءات شكلاً من أشكال "السياسة المتدرجة" التي كانت إحدى ديناميات النزاع الرئيسية منذ البداية.[43]

في كتابه "سلطة الحياة والموت" (Necropolitics)، تناول أخيل مبمبي الحرب غير المتكافئة التي تنطوي عليها حرب البنية التحتية أو "الحرب على النظم الداعمة للحياة."[44] إن تدمير شبكات البنية التحتية في غزة (محطات معالجة المياه ومولدات الكهرباء وما إلى ذلك) خلال تلك الهجمات هو مكون إضافي في قياس المعيار هذا، والذي يهدف إلى تنظيم الحصار. ويُستخدم تدمير البنية التحتية كسلاح بسبب الطرق التي تربط بها الحياة وتضمن تواصلها وتمكينها،[45] كما أن تدميرها يضمن أنه يمكن خلال الحصار وبشكل أفضل، قياس معيار عقيدة "أوكسجين البنية التحتية" التي طرحها حاييم رامون. ففي الفترة التي سبقت حرب سنة 2014 على غزة، أدى تدهور البنية التحتية للمياه إلى أن تحصل الأُسر على المياه الجارية من 6 إلى 8 ساعات فقط، ولمرة واحدة، مع حصول 25٪ منهم عليها على أساس يومي، و40٪ كل يومين، و20٪ كل ثلاثة أيام، وما تبقّى، أي 15٪، ليوم واحد فقط كل أربعة أيام.[46] وأدت الهجمات خلال الحرب إلى الانهيار التام لشبكة المياه في غزة وخدمات معالجة النفايات، الأمر الي تسبب بتصريف مياه المجاري في الشوارع.[47]

كان للهجمات على غزة خلال هذه الحروب قيمة مضافة تتمثل في تقليص مساحة غزة الصالحة للعيش "بواسطة القنابل والجرافات"،[48] وبالتالي زيادة العنف المكاني الأساسي للحصار. فخلال حرب سنة 2014، دُمرت 18,000 وحدة سكنية بالكامل أو لحقت بها أضرار كبيرة، الأمر الذي أدى إلى تشريد أكثر من 100,000 فلسطيني (17,000 عائلة)، وبعد أربعة أعوام ونصف عام، كان لا يزال 13,000 منهم بلا مأوى.[49]

لقد طورت إسرائيل أدوات حصار قطاع غزة، فبعد 12 عاماً من فرضه، باتت تستخدم الوقت بحد ذاته كسلاح. وتجادل جاسبير بوار في كيف أن عدم القدرة على التحكم في الوقت يحول دون تنظيمه، ويقوّض إحساس الفرد والمجتمع بالوجود.[50] إنه غياب الزمان حين لا يعرف أناس طوال حياتهم بأكملها أي شيء سوى العيش تحت الحصار، أو مثلما تشرح جاسبير بوار، إنه الذي يُبقي الفلسطينيين في زمن وقتي دائم، من أجل أن يعيشوا خلال إبادتهم.

هذه القسوة الوحشية نفسها التي أُعرّفها على أنها الحقن المتعمد للألم الذي ليس منه طائل هي أيضاً جزء من تفاعل قياس المعيار. فإجراءات مثل إرسال مريضة بالسرطان في العاشرة من عمرها لتلقّي العلاج في الضفة الغربية وحرمان والديها من التصريح لمرافقتها،[51] فضلاً عن أسلوب "الطَّرق على السطح" حين يستخدم الجيش الإسرائيلي مكالمات الهاتف المحمول و"صواريخ التحذير" الصغيرة – التي تلقيها عادة الطائرات من دون طيار - لإخبار الناس بأن منازلهم توشك أن تُقصف،[52] يبدو أنها ممارسات لا تهدف إلّا إلى "إرضاء" وتأكيد "الرغبة في التجبر" لدى إسرائيل.[53]

 هدف الحصار

 بلدة الشعب المستعمَر... هي مكان سيىء الصيت، يسكنه أناس سيئو السمعة. فهم وُلدوا هناك، ولا يهم أين أو كيف؛ ويموتون هناك، ولا يهم أين ولا كيف. إنه عالم بلا اتساع؛ يعيش فيه الناس بعضهم فوق بعض. البلدة الأصلية بلدة جائعة، محرومة من الخبز واللحوم والأحذية والفحم والضوء. البلدة الأصلية هي قرية راكعة، بلدة على ركبتَيها.[54]

 في سنة 1961، وصف فرانز فانون مكانية الاحتلال الاستعماري بعبارات حيّة. فقد رأى أن جوهر الاحتلال الاستعماري يقوم على تقسيم الفضاء إلى حجيرات، وأن هذا التقسيم يصبح قناة تعمل من خلالها طاقة الموت بواسطة عدة أنماط من الحبس والإغلاق والعزل والتعطيل.[55] إن السيادة الاستيطانية على المساحة المحاصرة تعني القدرة على تحديد مَن هو ذو أهمية، ومَن ليس له أهمية، ومَن هو الذي يحمل قابلية الاستغناء عنه ومَن ليس كذلك.[56] وتحقيقاً لهذه الغاية، فإن فرض الحصار قادر على نشر أشكال من العنف المكاني غير المباشر.

إن أحد الجوانب الثابتة للاستعمار هو الفاعلية التي يؤدب بها الأجساد بهدف الاستفادة منها بشكل أفضل: فالانقياد والإنتاجية يسيران دائماً جنباً إلى جنب، كما أن حجم القوة التي يمارسها، والمباهاة في عرضها دائماً، يعتمدان على تلك الزيادة في الإنتاجية.[57] وعلى عكس العمالة الأفريقية التي لم يكن لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا غنى عنها،[58] فإن مليونَي غزّي هم مجموعة من المدنيين لا يخدمون غرضاً واضحاً للحكومة الإسرائيلية، بل يبدو أن أراضي غزة نفسها لا قيمة استراتيجية لها. وفي الواقع، إذا أخذنا مبدأ عفودات عيفريت، أو "العمالة العبرية"[59] كمبدأ تأسيسي للمجتمع الإسرائيلي، فسنجد أن الحصار هو نتيجة المنطق الوحشي لتصنيف إسرائيل لغزة على أنها مجموعة سكانية تُعدّ معادية وفائضة. فمع تزايد الاستغناء عن العمالة الفلسطينية، كان يجب أن تصبح غزة أقل شبهاً بمنطقة منعزلة أو بانتوستان، وأكثر شبهاً بالمحميات، وقد تطلّب الأمر ابتداع آليات أُخرى لتوليد الأرباح. إن إسرائيل تفرض الحصار كوسيلة طويلة الأجل لعزل فائض من السكان وإدارته،[60] ومن خلال الحد من تدفق الموارد التي تحافظ على الحياة إلى الحد الأدنى من أجل بقاء سكانها المليوني أسير في قيد الحياة، أوجدت "بنية من القهر لا مثيل له في أنحاء العالم كافة."[61] يقترح تاينر أنه يمكن إرجاع أصول مفهوم الفائض السكاني إلى النقد الذي وجّهه ماركس في الجزء الأول من كتابه "رأس المال"،[62] إلى نظرية مالتوس للتخفيف من الضغط السكاني، إذ يقول ماركس إن الرأسمالية تجعل عمل بعض السكان فائضاً عن الحاجة من خلال فصل العمال عن عملهم.[63] وقد أشار فانون إلى أنه عندما يحدث ذلك في ظل الاستعمار، فإن الوظائف الأساسية للحياة، مثل الأكل والتنفس، تصبح محتلة، ونتيجة ذلك، يقتصر العمل الوحيد في الحياة على عدم الموت.[64]

ويصف فانون في كتابه "معذبو الأرض"، حياة المستعمَرين بأنها حياة عارية، مجردة: "إن العيش لا يعني تجسيداً لمجموعة من القيم، ولا يعني اندماج الذات في التنمية المنسجمة والبناءة للعالم، وإنما يعني ببساطة عدم الموت." فمجرد أن تكون في قيد الحياة يُعتبر انتصاراً، وهو انتصار يصعب الحفاظ عليه. ويتابع فانون: "كل وقت نكتسبه هو انتصار [....]والهاجس الوحيد هو الحاجة إلى ملء تلك المعدة المتقلصة باستمرار، مهما يقلّ ما تطلبه."[65] إن هدف الحصار ليس وجود السكان، وإنما جودة ذلك الوجود، وإلى أي درجة يمكن التنكر له من دون إخماده تماماً. والهدف، على حد تعبير المسؤولين الإسرائيليين، هو إبقاء اقتصاد غزة "على شفا الانهيار"، فوفقاً للبرقيات الدبلوماسية الأميركية التي نشرتها ويكيليكس، "أكد المسؤولون الإسرائيليون [للمسؤولين الاقتصاديين في سفارة الولايات المتحدة] في عدة مناسبات، أنهم يعتزمون إبقاء اقتصاد غزة على حافة الانهيار من دون دفعه إلى الهاوية." وبحسب برقية بتاريخ 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2008، أرادت إسرائيل أن "يظل اقتصاد غزة مستمراً عند أدنى مستوى ممكن بما يتماشى مع تجنب أزمة إنسانية."[66] وهذا التجريد التام للوجود حتى التعرية تقريباً، يتحقق من خلال استراتيجيا "الدفع نحو الكارثة". ويصف أوفير الوضع في غزة بأنه أقرب إلى "الكارثة المعلقة"، إذ تقارب الأوضاع الإنسانية باستمرار الكارثة الواضحة، ذلك بأن التذبذب بين التدابير القمعية والتخفيفية يحافظ على التهديد الوشيك بالكارثة قائماً من دون إنتاج ظروف لا رجعة فيها من المجاعة والتجويع الجماعي.[67] مع ذلك، وليكون الموت أداة فاعلة "لإدارة فائض السكان"، تجادل بونغاليا بأن "الموت ليس 'شيئاً يجب إخفاؤه'، وإنما هو شيء يجب كشفه استراتيجياً، فمشهد الموت تذكير بالغ الأهمية بالمخاطر المحدقة."[68] ويرى فانون أن الاحتلال الاستعماري يستلزم أولاً وقبل أي شيء تقسيم الفضاء إلى حجيرات، لأنها توفر المادة الخام للسيادة والعنف الذي تحمله معها.[69] فبالنسبة إليه، إن العنف الاستعماري، في حالة الفلسطينيين في غزة، يتألف في الواقع من "العنف المتعدد والمتنوع والمتكرر والتراكمي" الذي يجبرهم على رؤية حياتهم على أنها "معركة دائمة ضد موت معلق"، ويجعلها شبيهة بـ "موت ناقص".[70]

إن حصار غزة مثال لكيف أن الاجتثاث والاستغلال "لا يتعايشان فقط في حالة من التوتر، بل إنهما يشتركان في تعريف أحدهما للآخر."[71] فإسرائيل، من خلال الحصار الذي تفرضه على غزة، تستطيع استخراج قيمة سياسية وتركيم رأس مال من مجتمع العمالة الزائدة هذا، كما أنها من خلال إبقاء غزة على حافة الهاوية الإنسانية، نجحت في تجسيد اقتصاد أخلاقي، وبالتحديد عقلانية إنسانية تحول دون خلق ظروف كارثية مثل المجاعة الجماعية والمرض.[72] ولذلك، يجب فهم الاستجابة الإنسانية للحصار كجزء من منطقه، والإغاثة كجزء من آليته العاملة، وليس بصفتها تحدياً مباشراً. وتتشكل التدخلات الإنسانية كنقيض للتدخلات السياسية،[73] علاوة على أن الحصار يسمح لإسرائيل بتبديل الخطاب بشأن غزة من خطاب التحرر الوطني والاحتلال وتقرير المصير إلى الميزانية العامة للمساعدات الإنسانية من حيث عدد الشاحنات المسموح دخولها وساعات الكهرباء وإمدادات الأدوية وعدد المرضى المسموح لهم بالخروج لتلقّي العلاج.[74] إن الحاجة إلى معالجة المعاناة الإنسانية تتجاوز مسائل المسؤولية السياسية من خلال إعطاء الأولوية للمشكلة اللوجستية التي تبدو غير سياسية بشأن كيفية التخفيف من معاناة الضحايا.[75] فبعد كل حرب على غزة، كانت مؤتمرات المانحين تجمع مليارات الدولارات لإعادة بناء البنية التحتية في القطاع. وعلى الرغم من حتمية قيام إسرائيل بتدمير غزة مرة أُخرى، فإن "الجهات المانحة ستدفع لأن ذلك أسهل كثيراً من معالجة الأسباب الكامنة وراء النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي والحلول الممكنة له."[76] وبالتالي، فإن وضع الفلسطينيين في غزة يتحول من الفئة السياسية للاجىء إلى الفئة الإنسانية للضحية التي تولد قيمة سياسية للمستعمرين الإسرائيليين. ومن خلال العمل الإنساني الذي يُخرج النزاع من سياقه التاريخي، وينزع الطابع السياسي عنه عن طريق اختزاله إلى ميزانيات لتخفيف المعاناة الإنسانية،[77] يصبح الحصار آلية للاستعاضة عن القيمة السياسية السلبية، أو المسؤولية السياسية، بقيمة إيجابية أو أصول سياسية. وفي كتابه "الحياة الاجتماعية للأشياء: السلع في المنظور الثقافي"، يدعونا أبادوراي إلى فهم مفهوم القيمة (السياسية في هذه الحالة) كنتيجة لمثل هذه التفاعلات المنقوشة في علاقات القوة.[78] وما دعوة إيلانا فيلدمان العاجلة إلى الخروج من الإطار الغامض للعمل الإنساني، وكسر دورة التدمير وإعادة البناء التي تجدد في نهاية المطاف الوضع الاستعماري، سوى محاولة لإنهاء هذه الدورة الربحية.[79]

من خلال الزواج المثمر بين العلم والاستعمار (الاستعمار العلمي)،[80] قامت إسرائيل أيضاً بتسخير الحصار بشكل مباشر لمراكمة رأس المال عن طريق تسليع سياسات الحصار وتقنياته.[81] فمن خلال تحويل الضفة الغربية وغزة إلى "مختبر"، مثلما يقول المهندس المعماري والمنظر إيال وايزمان، "لنزاع إقليمي وحضري يمكن أن يحدث في أماكن أُخرى"، تمكنت إسرائيل من بيع "الحصار".[82] وبهذه الطريقة، كما تقول ناعومي كلاين، تسنّ إسرائيل "حالة استثنائية عامة" تقدم نموذج "دولة الأمن الداخلي المتطورة" على المستوى العالمي.[83] ففي سنة 2012، ووفقاً للتقديرات المتحفظة لوزارة الدفاع الإسرائيلية، صدّرت إسرائيل 76٪ من الأسلحة التي تنتجها، بما يصل إلى نحو 7 مليار دولار أميركي،[84] كما ورد في مقالة موثقة لجوزيف بوغليز أن شركة إلبيت (Elbit) التي اختُبرت طائراتها المسيّرة في أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة، سجلت زيادة بنسبة 6٪ في الأرباح خلال الشهر الأول من عملية "الجرف الصامد" بحسب التسمية الإسرائيلية و"العصف المأكول" بحسب تسمية "حماس".[85] علاوة على ذلك، فإن إسرائيل هي "أكبر مصدر فردي للطائرات المسيّرة في العالم، وتشدد شركات الأسلحة والمسؤولون الإسرائيليون مراراً وتكراراً على أن الأسلحة الإسرائيلية 'تُخضع للاختبار الميداني' في 'الوقت الفعلي'، وهذا يعني أنها تُختبر على السكان الفلسطينيين الأسرى."[86] ويؤكد أفنر بنزاكين، رئيس قسم التكنولوجيا واللوجستيات في الجيش الإسرائيلي، أهمية غزة كمختبر لتجربة الأسلحة الإسرائيلية: "إذا طوّرتُ منتجاً وأردتُ اختباره في الميدان، فليس عليّ سوى أن أقطع مسافة خمسة أو عشرة كيلومترات من قاعدتي، ثم أنظر وأرى ما يحدث مع المعدات... أحصل على تغذية راجعة، الأمر لذي يجعل عملية التطوير أسرع وأكثر كفاءة."[87]

إن الاستمرارية الأساسية بين هذا التمظهر التاريخي للاستعمار الاستيطاني والتطور الراهن للنظام العالمي النيوليبرالي تكمن في متطلبات إدارة فائض السكان، وتشجيع الحبس المكاني للسكان الذين هم في دائرة الاستهداف بالقمع. فاستراتيجيات الدولة لإدارة مخزون فائض السكان تُظهر خصائص استيطانية بشكل واضح،[88] وهذا عن طريق الاستفادة من الانسجام المنهجي بين الحصار العسكري كمظهر للتدخل الاستعماري، وتشكيلات الدولة النيوليبرالية وممارساتها التي نشأت لتنظيم وتعزيز نظام جديد لمراكمة رأس المال في أنحاء العالم كافة. وقد صف ديفيد هارفي مصطلح "المراكمة من خلال التجريد من الملكية" بأنه يشير إلى فهم أكثر صرامة للطابع المستمر للعملية التي شهدت إعادة توظيف المنطق الاستعماري الاستيطاني للقانون والعنف كوسيلة لتعزيز النظام الاقتصادي النيوليبرالي والحفاظ عليه.[89]

 السياسة الحيوية للحصار

إن حصار غزة مثال للطريقة التي يمارس بها الاستعمار الاستيطاني السلطة الحيوية (Biopower) بطرق تاريخية ومعاصرة تماماً،[90] والسياسة الحيوية (Biopolitics) تجاه القطاع لضمان بقائها كدولة استيطانية. وبالتالي، يتعين علينا تفسير إجراءات إسرائيل على أنها تشريع للاستعمار الاستيطاني، وأن نتحدى الطابع غير التاريخي في الخطابات الاستعمارية للطاقة الحيوية في حصار غزة. إن إضفاء الطابع الزمني على إجراءات إسرائيل، والقول إن هذه الأخيرة تقدمت إلى ما بعد الاستعمار، هو تطبيع للكيفية التي يعمل بها الاستعمار الاستيطاني في داخلها بشكل مستمر.

وفقاً لأغامبين، فإن احتفاظ إسرائيل بالسيادة (أو الهيمنة) على قطاع غزة بعد انسحابها منحها سلطة تصنيف الفلسطينيين على أنهم "الإنسان المستباح [أو الحرام]" (Homo Sacer) الذي يمكن أن يُقتل من دون أن يحاسب قاتله، لكن لا يجوز التضحية به. فـ "الإنسان المستباح" يدخل ضمن "حالة استثنائية" للقانون تعزز في الوقت نفسه أحكام القانون. ويعرّف أغامبين بصورة خاصة الاستثناء بالرجوع إلى المعسكر على أنه "بطريقة حاسمة الفضاء السياسي نفسه للحداثة"، والذي من خلال تشكيل "مساحة حياة (مجردة)" دائمة يخلق "تجسيداً لحالة الاستثناء" على أنه "القاعدة".[91] ويصف أغامبين بنية "حالة الاستثناء" على أنها تمثل الشمول والسيطرة على مساحة لا توجد في الداخل ولا في الخارج. ومع أن "حالة الاستثناء" هذه هي ممارسة مثالية لمستعمرات المستوطنين،[92] إلّا إن أغامبين تجاهل الوضع الطبيعي المطلق لحالة الاستثناء في ظل الأنظمة الاستعمارية.[93] إن إعلان الطوارىء هو الوسيلة التي تبرر بها الدول الاستعمارية الاستيطانية فرض حالة استثنائية مغلفة ودائمة، وهو الاستثناء الذي يعززه العديد من القوانين والتوجيهات المعدة لتنظيمه. وبدفع من حاجتها الملحة إلى تطبيع الوضع الاستثنائي لنظام احتلالها بما يتوافق مع القانون، تجعل إسرائيل "الموقت" الذي يمنحها "ترخيص حالة الطوارىء"، حالة من الاحتلال الدائم التي تمكّنها من أن تصير "سيداً بلا قيود وتقريباً بلا حدود، لأنه عندما يكون كل شيء موقتاً، يكون أي شيء تقريباً - أي جريمة أو أي شكل من أشكال العنف – مقبولاً."[94] ويذهب مبمبي إلى أبعد من ذلك عبر قراءة المستعمرة على أنها استثناء،[95] ويصر على أن فانون، عقب تجربته في الحرب، كان مقتنعاً بأن الاستعمار كان "القوة النكروبوليتية التي يحركها في جوهرها دافع الإبادة."[96] ويقرأ مبمبي النكروبوليتكس (necropolitics) باعتبارها منطق المستعمَرة كاستثناء، ويجادل بأن ماضي النكروبوليتكس يخبّر الحاضر عندما يتكرر في "الاحتلال الاستعماري الحديث المتأخر."[97] وتتعقب جاسبير بوار الأبعاد السياسية الحيوية لهذا العنف المنظم في تصورها لـ "الحق في التشويه" مثلما تمارسه الدولة الإسرائيلية، فتعرّف تشويه الأجساد والحياة والبنية التحتية هذا بأنه ممارسة مقصودة توسّع السياسة الحيوية بما يتجاوز مجرد مسألة "حق الموت وقوة الحياة "؛ وهنا يصبح التشويه ناقلاً أساسياً يتم من خلاله التحكم السياسي الحيوي في الفضاء المستعمَر، وبالتالي لا يسهل تحديد "الموت" كما يرسمه مبمبي في إعادة صوغه للسياسة الحيوية. ولا يقتصر الهدف من التشويه على "إلحاق الضرر"، بل أيضاً عل "استنزاف أنظمة دعم الحياة التي قد تتيح للسكان الشفاء من هذا الضرر."[98]

يقول ألبرت ميمي في عمله الرائد عن الاستعمار الاستيطاني إن إخضاع السكان الأصليين يتطلب افتراض تسلسل هرمي عرقي، وإن مكانة المستوطنين وشرعيتهم تعتمدان على اقتناعهم بتفوقهم على السكان الأصليين، سواء من حيث التطور الأعلى لثقافتهم وقيمهم الأخلاقية، أو من حيث الحضارة المادية. ومن خلال تأكيد إسرائيل المستمر لوضعها الخاص كممثل "للقيم الحضارية" في "منطقة متخلفة"، فإنها، وباستمرار، كررت التظاهر بتفوق المستعمِر الاستيطاني على السكان المسلوبين، سواء في نظام حكمها، أو في قيمها الاجتماعية والأخلاقية.[99] ويرى ديفيد لويد أن ما جاء في مصطلحات ميمي من إشارة مستمرة إلى "الوطن الأم" يصبح في حالة إسرائيل إشارة إلى "حضارة غربية" أكثر انتشاراً، لكن ليست أقل قوة، وتعتقد الصهيونية أنها هي نفسها تمثلها منذ الأيام الأولى من استعمار فلسطين.[100] فالوحشية والقسوة اللتان تُخضع إسرائيل الفلسطينيين لهما يومياً، تجدان شرعيتهما في عنصرية مؤسساتية تُكذِّب إيمان إسرائيل بشرعيتها وديمقراطيتها وفضائلها المدنية. إن وصف غزة جيوسياسياً بأنها "كيان معادٍ" هو تعبير عن موقف استشراقي كلاسيكي يضع "الذات" ضد "الآخر" في التوصيف الاستعماري،[101] ذلك بأن غزة التي أصبحت تجسيداً لـ "بيئة التهديد" الاستراتيجية التي وصفها بارنيت، باتت توصف بأنها نقيض فضاء إسرائيل المتطبع والمتحضر.[102]

وفي أثناء جائحة كورونا الآن يتجلى الاستعمار الإسرائيلي الاستيطاني وحصاره لقطاع غزة والفلسطينيين في معلمين سياسيين حيويين:

الأول يظهر في مقابلة نشرتها صحيفة "هآرتس" في آذار / مارس 2020 مع قناصة الجيش الإسرائيلي الذين شاركوا في إحداث الإعاقة المتعمدة والشخصية لنحو 8000 متظاهر فلسطيني في غزة خلال مسيرات العودة، فهي تُظهر الغياب شبه الكامل للغضب لدى الجمهور الإسرائيلي إزاء وصف هذا الفعل التشويهي واستخدام الجنود مقارنات من عالم الرياضة وهم يتفاخرون بإنجازاتهم: "لقد أوقعت سبعاً إلى ثماني ركب في يوم واحد. كدت أحطم رقمه القياسي في غضون ساعات قليلة. لقد أصاب 28 ركبة... بديهي أن يغمرنا الفرح مع كل ضربة. إنها ساحة اضطرابات تشبه ساحة لعبة رياضية، وأنت في وضع يمكنك بيع تذاكر للتفرج عليها. ثمة فريق مقابل فريق، وخط في الوسط، وجمهور من المعجبين في كلا الجانبين، ويمكنك تماماً أن تروي قصة لقاء رياضي هنا."

إن الفلسطيني، ذاك الرجل المنبوذ الذي لم يشكل قتله جريمة قتل، صار العدو (noxi)، كما انه أضحى عدو الدولة الذي أحيل الاقتصاص منه بالقتل (summa supplicia) إلى مشهد ترفيهي (القتل من خلال التعريض للوحوش الضارية والصلب والحرق حياً).[103]

الثاني كان في شباط / فبراير 2020 عندما اتهم أنطونيو أغامبين حكومات العالم باستخدام هذا الوباء لتطبيع الحالة الاستثنائية.[104]

 الفيروس والمستوطِن

في ملاحظة تنبؤية كُتبت في سنة 2010، أبرز المؤرخ ديفيد لويد حقيقة أنه بما أن جزءاً رئيسياً من أي استعمار هو الذاكرة والسرد فإنهما يصيران التحدي الرئيسي للمستعمر الاستيطاني الذي يعاني جرّاء انعدام الإحساس بالأمن بسبب ملكيتهم لشيء لن يحظى إطلاقاً على المشروعية.[105] وقد تجلى انعدام الإحساس بالأمن هذا من خلال التصرف العصابي القهري للإسرائيليين الذي دفعهم مراراً وتكراراً (وبالتالي زوراً حتى تاريخه) إلى الإعلان أنهم يوشكون على اكتشاف لقاح ضد فيروس كوفيد - 19. ففي مرحلة مبكرة، في 28 شباط / فبراير، أعلنت إسرائيل أنها على بعد أسابيع فقط من إعداد لقاح يمكّنها من "توفير الاستجابة المطلوبة للتهديد العالمي الخطير الذي يمثله كوفيد – 19."[106] وعندما لم يكن اللقاح الموعود متوفراً بحلول 18 آذار / مارس، صدر إعلان جديد عن المعهد الإسرائيلي للبحوث البيولوجية بأن علماءه "يتوقعون أن يعلنوا في الأيام المقبلة أنهم أكملوا تطوير لقاح."[107] وأعقب ذلك مرة أُخرى في الثاني من نيسان / أبريل إعلان آخر فحواه أنها بدأت باختبار لقاح تجريبي على القوارض في مختبر الدفاع الكيميائي الحيوي.[108] وبحلول 20 نيسان / أبريل، وفي غياب ظهور اللقاح، أعلن علماء من جامعة تل أبيب أنهم اجتازوا "ثلثَي الطريق لتطوير لقاح لكوفيد – 19."[109] لقد كشف هوس المستوطن الإسرائيلي باكتشاف لقاح، على حد تعبير الكاتب التونسي المناهض للاستعمار ألبير ميمي، أن "قلقه الناتج من تعطشه إلى التبرير يستدعي من المغتصب أن يمجّد نفسه بصورة مبالغ بها، وأن يُنزل مغتَصَبيه إلى الحضيض في الوقت نفسه."[110]

 الفيروس وأصحاب الأرض

إن عدداً قليلاً جداً من الناس على هذا الكوكب فوجئوا خلال هذه الجائحة، ومنهم العاملون الصحيون الفلسطينيون داخل الخط الأخضر. فالمهنيون الصحيون الفلسطينيون الذين يشكلون 17٪ من أطباء دولة إسرائيل، و24٪ من الممرضين، و48٪ من الصيادلة، وجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها وقد صاروا "جنوداً أساسيين وقادة ميدانيين في الحرب التي تخوضها الدولة ضد الفيروس."[111] فبفضل الوباء، تحولوا من كونهم ضحايا "لعبة خفة خبيثة للحصول على الجنسية الرسمية (ezrahut) في الوقت الذي يُحرمون من الحق في القومية (le'om) التي تقتصر على اليهود فقط وتمنح حامليها الحقوق الرئيسية"،[112] إلى أشخاص تحتفي بهم المؤسسة الإسرائيلية.[113] وعلى حد تعبير الصحافي جدعون ليفي: "فجأة صار هناك عرب على الصفحة الأولى في صحيفة "يديعوت أحرونوت' اليومية – من دون أن يكونوا إرهابيين."[114]

وفي إشارة إلى أن المعركة من أجل إنقاذ الأرواح قد "تكون مهلِكة" من دون المهنيين الصحيين العرب، حثّ موجز سياسي صادر عن معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، وهو مركز أبحاث في جامعة تل أبيب يقوده ضباط سابقون في الجيش، الحكومة على إنشاء "أساس إيجابي" بهدف "الدمج الكامل" للعرب في المجتمع الإسرائيلي، و"إنهاء الخطاب الإقصائي والعنصري والتصريحات التي تشكك في ولاء (السكان) العرب."[115] ومثلما لاحظ وولف، فإن استراتيجيات الإقصاء التي ينتهجها المستعمِر الاستيطاني، ربما تتغير من الإبادة الجماعية والتطهير العرقي إلى الممارسات التكميلية للإقصاء الغاشم والإدماج المشروط، لكن عند الضرورة، كما أن الاستيعاب يمكن أن يعكس المتطلبات الأيديولوجية للمجتمعات الاستعمارية الاستيطانية التي "تُبرز بشكل مميز التقدم المحرز لدى السكان الأصليين من أجل إعطائهم شهادة المساواة."[116] ففي "الحرب الإسرائيلية على فيروس كورونا"، صار الأطباء الفلسطينيون الأصليون جنوداً "يندفعون إلى خط الجبهة"،[117] بل إن الصحافة الإسرائيلية، وعلى العكس من نظرتها إلى الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، باتت تصور هؤلاء المهنيين الصحيين على أنهم شخصيات ثلاثية الأبعاد: لها أسماء، ولأطفالهم أسماء، حتى إن إحداها لديها عيد ميلاد لكنها لم تحضره، "ولم تعانق والديها"، لأنها تعمل في المستشفى.[118] وصار اسم عائلة المجادلة الفلسطينية المكونة من خمسة أطباء معروفاً على كل لسان بعد أن احتفت بهم صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية لأنهم "يكافحون من أجل إنقاذ الأرواح، اليهودية والعربية" خلال الجائحة.[119] وقد أشار هوكسي في كتابه "الوعد النهائي" (Final Promise)، إلى أن "المواطنين المدمجين سيكونون برهاناً إيجابياً"، على "مجتمع منفتح يكافأ فيه الامتثال لرغبات الأغلبية والتوافق معها بالحصول على المساواة الاجتماعية."[120] وباتت دعوات الصحافة الإسرائيلية إلى إنهاء "التمييز" تكتيكاً ضرورياً يحافظ على قمع سلطات الاستيطان للخصوصية الفلسطينية التاريخية فيما يُسمى حقبة "ما بعد العنصرية" التي تنزع الطابع السياسي عن اختلافهم (otherness) من خلال جعلها مشكلة فنية حلّها مُناط بإدارة مدنية.[121]

كانت قراءة إسرائيل للتحديات التي تفرضها الجائحة ملطخة منذ البداية بـ "عبادة القوة" لديها التي تطبِّع النزعة العسكرية العدوانية.[122] فعلى الجبهة الداخلية، سمح توجيه إداري للشين بيت (وكالة الأمن الداخلي الإسرائيلي)، بتتبّع الإسرائيليين من خلال هواتفهم،[123] مثلما درجت عليه العادة مع الفلسطينيين،[124] من أجل ضمان امتثالهم لإجراءات التباعد الاجتماعي. وبينما فوجىء العديد من الإسرائيليين عندما اكتشفوا أن الشين بيت كان يجمع بيانات هواتفهم المحمولة منذ سنة 2002، فإن الصهيونيين الليبراليين شعروا بالإهانة من إخضاعهم لبرمجية المراقبة نفسها مثل الفلسطينيين. وقالت تهيلة شفارتس ألتشولر من معهد الديمقراطية الإسرائيلي: "هذه ليست حرباً أو انتفاضة. إنها حدث مدني، ويجب التعامل معها على هذا الأساس."[125] أمّا في الخارج، فقد بذلت إسرائيل جهوداً كبيرة للإعلان أنها كلّفت الموساد،[126] وكالة استخباراتها العامة، بشراء المعدات واللوازم الطبية بدلاً من الإدارات الصحية التي تشتريها عادة، مثلما هي الحال في سائر أنحاء العالم. وفي مقابلة بثتها القناة 12، وصف رئيس قسم التكنولوجيا في جهاز الموساد للأمة التي تحس بالامتنان، كيف قامت فرقها السرية بتأمين أقنعة واقية، ومجموعات اختبار الكشف عن الإصابة بالفيروس، وأجهزة التنفس الاصطناعي.[127]

إسرائيل هي الدولة الوحيدة المعروفة التي تختبر نظام مراقبة جماعياً تقوم الشركات بالتشجيع على اعتماده. فدعاية إسرائيل المستفيضة لبرنامج الأمن السيبراني لم تكن مجرد استهلاك سياسي، بل إن الوباء أتاح الفرصة لاحتمال استخدام مثل هذه البرمجيات المجرَّبة والمختبَرة على الفلسطينيين، في مجال الأمن البيولوجي وإدارة الصحة العامة.[128] ولم يستطع تال ديليان، ضابط الاستخبارات الإسرائيلي السابق والرئيس التنفيذي المشارك حالياً لشركة إنتليكسا (Intellexa)، وهي شركة مراقبة إلكترونية تعمل مع وكالات الاستخبارات في جنوب شرق آسيا وأوروبا، إخفاء حماسته للأمر بقوله: "أعتقد حقاً أن حسنات هذا المجال أكثر من سيئاته... والآن هو الوقت الملائم لنُظهر للعالم ذلك." وفضلاً عن ذلك، يعمل العديد من الشركات الإسرائيلية الأُخرى على إعادة تعريف العلامة التجارية لأدوات تتبّع البيانات التي تنتجها، بما في ذلك معلومات موقع الهاتف المحمول وبرمجية التعرف على الوجه كأدوات أساسية للأمن الحيوي للاستجابة للأوبئة.[129] ففي نيسان / أبريل، كانت شركة سيليبرايت (Cellebrite) الإسرائيلية مشغولة بتسويق قدرة برمجياتها على مساعدة السلطات على معرفة إلى مَن نقل مريضُ كورونا الفيروسَ. وفي رسالة بالبريد الإلكتروني، أُقنعت شرطة دلهي بأنه "عندما تأتي نتيجة اختبار الكشف إيجابية، يمكن للسلطات أن تستخرج بيانات موقع المريض واتصالاته، الأمر الذي يسهل 'عزل الأشخاص الملائمين'." وقال ديليان مدير شركة إنتليكسا إن منصة شركته ستكلف ما بين 9 ملايين دولار و16 مليون دولار للدول ذات الكثافة السكانية العالية. وهو يعتقد أن تتبّع كوفيد - 19 ليس سوى البداية، إذ عندما يتلاشى الوباء، فإنه يأمل بأن تقوم الدول التي استثمرت في أدوات المراقبة الجماعية التي اشترتها منه بتكييفها لأغراض التجسس والأمن. وقال: "نريد تمكينهم من تحديث البرمجيات."[130]

كانت الصهيونية على امتداد تاريخها حركة دولية تجنبت عن عمد قيود المتروبوليس، أو المدينة المركزية الواحدة، لمصلحة ما أطلق عليه مكسيم رودنسون "البلد الأم الجامع".[131] لكن خلال هذا الوباء، بدا أن بعض "المدن المركزية" ينعم بالمساواة أكثر من غيره. فبينما كان أخصائيو الصحة الأميركيون في بلدهم يعالجون المرضى في غياب معدات واقية ملائمة،[132] وكانت إيطاليا، الحليف المؤسس لحلف شمال الأطلسي، تضطر إلى فرز المرضى الذين يحتاجون إلى أجهزة التنفس الاصطناعي،[133] أرسلت الحكومة الأميركية مليون قناع واقٍ،[134] و100 جهاز تنفس،[135] إلى الجيش الإسرائيلي. وللمفارقة، فإن هذا الإيثار لم يمتد إلى حكومة المملكة المتحدة، وذلك عندما رفض رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو طلباً من وزير خارجية المملكة دومينيك راب بالسماح بتصدير أجهزة تنفس اصطناعي من إسرائيل إلى المملكة المتحدة.[136]

سعت إسرائيل على الدوام لقبولها كواحدة من الديمقراطيات المتقدمة في المجتمع الدولي، في الوقت الذي تطالب باستثنائها من أحكام القانون الدولي واتفاقيات حقوق الإنسان على أساس قَدَرها الغريب كدولة تُعدّ فيها القومية العرقية والنبوة الدينية مقدسات يتوجب عليها الدفاع عنها. وعلى العكس من القوميات العلمانية الأوروبية التي صُممت الصهيونية على نسقها، كانت هذه الأخيرة مشبعة أيضاً بالمعتقدات المتصلة بظهور المسيح (Messiah) المخلص، وهو اعتقاد لا يقتصر على المصير التاريخي لليهود بالعودة من الشتات إلى أرض صهيون، بل على ارتباط تلك العودة بعودة المسيح المبشر بنهاية الزمان أيضاً.[137] حتى الصهيونية العلمانية طاردتها دائماً مفاهيم الخلاص بظهور المسيح، بحيث "يمكننا أن نسأل، إلى حد ما، ما إذا كانت الصلة بين الصهيونية والمسيانية حميمية وقوية جداً بحيث لم ينجح الفصل بينهما سوى جزئياً، وبالتالي لم ينجح."[138] وتحت ضغط الجائحة، وبشكل مذهل، انفجر التوتر بين الدولة الحديثة التي تسعى لاختراع اللقاح وتصنيع أجهزة التنفس الاصطناعي[139] وتصميم البرمجيات، والأمة التي تنتظر المسيح. وقد سعى وزير الصحة الإسرائيلي يعقوب ليتسمان البالغ من العمر 71 عاماً، والذي يقود أيضاً حزب يهودية التوراة المتزمت، لتهدئة مخاوف الإسرائيليين القلقين جرّاء الوباء لأنه كان على يقين بأن "المسيح سيأتي ويًخرجنا كما أخرجنا [الله] من مصر." وعندما لم يظهر المسيح، ادعى وزير الصحة أن تفشي فيروس كورونا أو كوفيد - 19 كان عقاباً من الله على مسيرات المثليين،[140] الأمر الذي قوض عقوداً من الجهود التي بذلها الصهيونيون الليبراليون بعناية لتجميل صورة إسرائيل بتأكيد تقبّلها للمثليين.[141] وبعد ذلك بأسبوعين أصيب الوزير وزوجته بفيروس كورونا.[142]

 الفيروس والحصار

لا توجد ضغوط من أجل الاستيعاب في ظل شكل الاجتثاث الاستعماري الذي يمارسه الإسرائيليون في قطاع غزة. فعلى حد تعبير جدعون ليفي: "لكن في إسرائيل، حيث قَلَب فيروس كورونا كل شيء رأساً على عقب، يبقى شيء واحد على حاله، قاسٍ ومحكم: حصار غزة. لقد تغير العالم كله باستثناء أكبر سجن على الإطلاق."[143] ومن أجل التنبؤ بأفعال إسرائيل في قطاع غزة خلال هذا الوباء، يتعين علينا حل اللغز التالي: ماذا يحدث في أوقات "الاستثناء الطبيعي"[144] في "مساحة الاستثناء" التي تعيش فعلاً في "حالة استثناء" دائمة؟[145] ما هو مصير الفلسطيني "المنبوذ" الذي صار قتله عديم الشأن ويمر من دون عقاب، إلى درجة أن هذا القتل، ومن أجل ضمان استمراريته، كان عليه أن يصير حدثاً مسلياً؟ وكيف يمكن للدولة الإسرائيلية أن تحول جائحة وصفها المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس غيبريسوس بأنها "عدو الإنسانية" إلى عدو للفلسطينيين وحدهم؟[146]

عند محاولة التنبؤ بسياسات إسرائيل في أثناء الجائحة، من الأسهل البدء بما لا يريده الإسرائيليون. ففي 5 نيسان / أبريل 2020، أُجريت تجربة في معهد دراسات الأمن القومي، لمحاكاة انتشار واسع النطاق للفيروس في قطاع غزة يؤدي إلى وفاة المئات، وخلصت المحاكاة إلى أن التهديد الذي يجب منعه بأي ثمن هو خطر "انتقال العدوى إلى أراضيها."[147] وباستثناء ذلك، ستحاول إسرائيل استغلال الوباء واستخدامه كمفاعِل كيميائي آخر يُضاف إلى تفاعل قياس معيار الحياة والموت في غزة، أو مثلما قال معهد دراسات الأمن القومي: "قد تكون أزمة كورونا فرصة لإسرائيل."[148] فوفقاً لوزارة الصحة الفلسطينية، أصرت إسرائيل على أن مجموعات الاختبار الأولى التي ستسمح بدخولها إلى غزة يجب أن تُستخدم لاختبار مياه الصرف الصحي المتدفقة من القطاع. ومنذ ذلك الحين، فرضت إسرائيل قيوداً شديدة على تسليم مجموعات الاختبار إلى غزة، إلى درجة أنه كان يجب تعليق اختبارات الكشف عن الفيروس في عدة مناسبات،[149] كما مُنعت الوكالات الدولية من التبرع بأجهزة تنفس اصطناعي[150] (التي تملك منها غزة 65 جهازاً)، ومُنعت وزارة الصحة في غزة من استيراد معدات الحماية الشخصية (PPE) الوقائية. ومن خلال فرض تدابير الحجر الصحي القاسية لتعويض نقص الاختبارات، تمكنت السلطات في غزة حتى الآن من السيطرة على الوباء، لكن لا أحد يعلم إلى متى يمكن أن يستمر هذا.

ظل سكان فلسطين الأصليين، منذ تفشي هذه الجائحة، متميزين باعتبارهم الحاملين الوحيدين الممكنين للسيادات التي تتجاوز الرواية الأحادية التي جلبها المستوطنون الإسرائيليون معهم. وقد سعت دولة الاستيطان الإسرائيلية، طوال الوقت وباستمرار، لإكمال نفسها، ومحكوم عليها أن تفعل ذلك، ما دامت السيادات البديلة التي لا يمكن احتواؤها، والمناطق ذات الهيكليات غير مكتملة، موجودة ضمن حدود نظامها الاستيطاني.[151]

 

* مقالة خاصة بـ "مجلة الدراسات الفلسطينية"، وهي باللغة الإنجليزية:

Ghassan Abou Sittah, The Virus, the Settler and the Siege: Gaza in the Age of Corona.

ترجمة: صفاء كنج.

 

المصادر:

[1] Walter Benjamin, On the Concept of History (Theses on the Philosophy of History), http://www.sfu.ca/~andrewf/books/Concept_History_Benjamin.pdf

[2] Merrill Singer, “Pathogens Gone Wild? Medical Anthropology and the ‘Swine Flu’ Pandemic”, Medical Anthropology, vol. 28, issue 3 (2009), pp. 199-206.

[3] Nancy Scheper-Hughes and Margaret Lock, “The Mindful Body: A Prolegomenon to Future Work in Medical Anthropology”, Medical Anthropology Quarterly, vol. 1, issue 1 (1997), pp. 6–41.

[4] Alison Bashford, ed., Quarantine: Local and Global Histories (London: Palgrave Macmillan, 2016); john Chircop and Francisco Javier Martinez, Mediterranean Quarantines, 1750-1914: Space, Identity and Power (Manchester, UK.: Manchester University Press, 2018).

[5] Alexandre I. R. White, “The Art of Medicine Historical Linkages: Epidemic Threat, Economic Risk, and Xenophobia”, “The Lancet”, 27/3/2020, https://www.thelancet.com/journals/lancet/article/PIIS0140-6736(20)30737-6/fulltext

[6] Patrick Wolfe, Settler Colonialism and the Transformation of Anthropology: The Politics and Poetics of an Ethnographic Event (London: Cassell, 1999), p. 163.

[7] Patrick Wolfe, “Nation and MiscegeNation: Discursive Continuity in the Post-Mabo Era”, Social Analysis, no 36 (October 1994), p. 96.

[8] Patrick Wolfe, “Settler Colonialism and the Elimination of the Native”, Journal of Genocide Research, vol. 8, issue 4 (December 2006), pp. 387–409.

[9] Bruno Huberman and Reginaldo M. Nasser, “Pacification, Capital Accumulation, and Resistance in Settler Colonial Cities: The Cases of Jerusalem and Rio de Janeiro”, “Latin American Perspectives”, 11/3/ 2019, https://journals.sagepub.com/doi/abs/10.1177/0094582X19835523

[10] J. Kēhaulani Kauanui, “ ‘A Structure, Not an Event’: Settler Colonialism and Enduring Indigeneity”, Lateral, issue 5.1 (spring 2026),

http://csalateral.org/issue/5-1/forum-alt-humanities-settler-colonialism-enduring-indigeneity-/

[11] Huberman and Nasser, “Pacification, Capital Accumulation…”, op. cit.

[12] Singer, “Pathogens Gone Wild?...”, op. cit.

[13] Atif Abu Saif, “Sleepless in Gaza: Israeli Drone War on the Gaza Strip”, “Rosa Luxembourg Stiftung”, Regional Office Palestine, March 2014, https://www.rosalux.de/publikation/id/7639/sleepless-in-gaza/

[14] Deborah Bird Rose, Hidden Histories: Black Stories from Victoria River Downs, Humbert River and Wave Hill Stations (Canberra: Aboriginal Studies Press, 1991), p. 46.

[15] Rebecca Stead, “Remembering Israel’s ‘disengagement’ from Gaza”, Middle East Monitor (MEMO), 15/8/2019, https://www.middleeastmonitor.com/20190815-remembering-israels-disengagement-from-gaza/

[16] Nurhan Abujidi, “The Palestinian States of Exception and Agamben”, Contemporary Arab Affairs, vol. 2, issue 2 (April–June 2009), pp. 272-291, https://tinyurl.com/y9uvh53y

[17] Joseph Pugliese, “Technologies of Extraterritorialisation, Statist Visuality and Irregular Migrants and Refugees”, Griffith Law Review, vol. 22, no. 3 (2013), pp. 571-597.

[18] Wolfe, “Settler Colonialism and the Elimination of the Native”, op. cit.

[19] Joseph-Achille Mbembe and Libby Meintjes, “Necropolitics”, Public Culture, vol. 15, no. 1 (Winter 2003), pp. 11-40, https://muse.jhu.edu/article/39984/pdf

[20] Martha Nussbaum, “Human Capabilities, Female Human Beings”, in: “Women, Culture and Development: A Study of Human Capabilities”, edited by Martha Nussbaum and Jonathan Glover (New York: Oxford University Press, 1995), p. 81, https://www.oxfordscholarship.com/view/10.1093/0198289642.001.0001/acprof-9780198289647-chapter-3

[21] Frantz Fanon, A Dying Colonialism, translated by Haakon Chevalier (New York: Grove Press, 1965), p. 128.

[22] Yves Winter, “The Siege of Gaza: Spatial Violence, Humanitarian Strategies, and the Biopolitics of Punishment”, Constellations, vol. 23, issue 2 (June 2016), pp. 308-319.

[23] Ibid.

[24] Ron J. Smith, “Graduated Incarceration: The Israeli Occupation in Subaltern Geopolitical Perspective”, Geoforum, vol. 42, issue 3 (June 2011), pp. 316–328.

[25] Francesco Sebregondi, “The Zone in Reverse: Logistical Power and the Gaza Blockade”, The Architecture of Logistics, vol. 12, no. 2 (Autumn/Winter 2018), pp. 37–52.

[26] Maureen Clare Murphy, “Israel Shot at Gaza Fishers 347 Times in 2019”, “The Electronic Intifada”, 10/1/2020, https://electronicintifada.net/blogs/maureen-clare-murphy/israel-shot-gaza-fishers-347-times-2019

[27] Robert David Sacks, Human Territoriality: Its Theory and History (Cambridge: Cambridge University Press, 1986).

[28] Conal Urquhart, “Gaza on Brink of Implosion as Aid Cut-off Starts to Bite, The Observer, 16/4/2006, http://www.guardian.co.uk/world/2006/apr/16/israel

[29] Israeli Ministry of Defense, “Coordination of Government Activities in the Territories (COGAT) Order 605 (April 2009)”, released on October 13, 2010 in response to Freedom of Information Act Petition, AP2744/09, Gisha v. Defense Ministry, http://gisha.org/UserFiles/File/HiddenMessages/DefenseMinistry-DocumentsRevealedFOIAPetition.pdf

[30] Amira Hass, “2279 Calories per Person: How Israel Made Sure Gaza Didn’t Starve”, Haaretz, 17/10/2012, https://www.haaretz.com/.premium-israel-s-gaza-quota-2-279-calories-a-day-1.5193157

[31] UN OCHA OPT, “Monthly Humanitarian Bulletin”, May 2018, https://www.ochaopt.org/content/monthly-humanitarian-bulletin-may-2018.

[32] Urquhart, “Gaza on Brink of Implosion…”, op. cit.

[33] Francesco Sebregondi, “The Smart City of Gaza”, 2016, https://fsbrg.net/the-smart-city-of-gaza

[34] Gideon Levy, “This is How the Moderates Look”, Haaretz, 9/9/2007, https://www.haaretz.com/1.4972850

[35] Darryl Li, “From Prison to Zoo: Israel’s ‘Humanitarian’ Control of Gaza”, “Adalah’s Newsletter”, vol. 44 (January 2008), https://www.adalah.org/uploads/oldfiles/Public/files/English/Publications/Articles/Prison-Zoo-Israel-Humanitarian-Control-Gaza-Darryl-Li.pdf

[36] “WHO Monthly Reports on Referral of Patients from the Gaza Strip”, 24/5/2020, http://www.emro.who.int/pse/publications-who/monthly-referral-reports.html

[37] “WHO: Quarter of Patients Denied Israeli Permit to Get Medical Care Outside Gaza were for Cancer”, “Palestinian News & Info Agency (WAFA)”, 2/3/2020, http://english.wafa.ps/page.aspx?id=2TVvLXa115264902324a2TVvLX

[38] David Blair, “Israeli Drone Commander: ‘The Life and Death Decisions I Took in Gaza’ ”, The Telegraph, 19/11/2014.

[39] Corporate Watch, Gaza: Life Beneath the Drones (London: Corporate Watch, 2015).

[40] Christa Case Bryant, “Israelis Ponder Alternatives to ‘Mowing the Lawn’ in Gaza”, The Christian Science Monitor, 20/11/2012, https://www.csmonitor.com/About/People/Christa-Case-Bryant

[41] Lori Allen, “Getting by the Occupation: How Violence Became Normal during the Second Palestinian Intifada”, Cultural Anthropology, vol. 23, no. 3 (August 2008), pp. 453–487.

[42] Lori Allen, “The Scales of Occupation: ‘Operation Cast Lead’ and the Targeting of the Gaza Strip”, Critique of Anthropology, vol. 32, no. 3 (September 2012), pp. 261–284.

[43] Erik Swyngedouw, “TechnoNatural Revolutions: The Scalar Politics of Franco’s Hydrosocial Dream for Spain 1939–1975”, Transactions, Institute of British Geographers, vol. 32, issue 1 (January 2007), pp. 9–28.

[44] Achille Mbembé and Meintjes, “Necropolitics”, op. cit.

[45] Stephen Graham, “Switching Cities off: Urban Infrastructure and US Air Power”, City, vol 9, issue 2 (2005), pp 169–194.

[46] Ala Qandil, “Gaza Faces Imminent Water Crisis”, “Al Jazeera”, 17/7/2014, http://www.aljazeera.com/news/middleeast/2014/07/gaza-facesimminent-wate...

[47] Amira Haas & Ido Efrati, “Gaza’s Water System Collapsing Due to IDF Strikes, Says Red Cross”, Haaretz, 16/7/2014, https://www.haaretz.com/.premium-red-cross-gaza-water-system-collapsing-1.5255621

[48] Omar Jabary Salamanca, “Unplug and Play: Manufacturing Collapse in Gaza”, Human Geography, vol. 4, issue 1 (March 2011), pp. 22–37.

[49] “4.5 Years after Israel Destroyed Thousands of Homes in Operation Protective Edge: 13,000 Gazans Still Homeless”, “B’Tselem”, 3/3/2019, https://www.btselem.org/gaza_strip/20190303_13000_gazans_homelsess_since...

[50] Jasbir K. Puar, “The ‘Right’ to Maim: Disablement and Inhumanist Biopolitics in Palestine”, Borderlands”, borderlands e-journal, vol. 14, no. 1 (2015), http://www.borderlands.net.au/vol14no1_2015/puar_maim.pdf

[51] Gideon Levy and Alex Levac, “Gideon Levy: Gazan Girl Fights Cancer Alone at West Bank Hospital. Israel Won't Let Her Parents Join”, Haaretz, 22/12/2019, https://www.haaretz.com/israel-news/.premium-israel-won-t-let-this-gaza-...

[52] Adam Taylor, “Roof knocking: The Israeli Military’s Tactic of Phoning Palestinians it is about to Bomb”, The Washington Post, 10/7/2014, https://www.washingtonpost.com/news/worldviews/wp/2014/07/09/roof-knocki...

[53] Paul Gaston Aaron, “The Idolatry of Force (Part II): Militarism in Israel’s Garrison State”, Journal of Palestine Studies, vol. XLVIII, no. 2 (Winter 2019), pp. 58-78.

[54] Frantz Fanon, The Wretched of the Earth, translated by Richard Philcox (New York: Grove press, 2004).

[55] Ron J. Smith, “Isolation Through Humanitarianism: Subaltern Geopolitics of the Siege on Gaza”, Antipode, vol 48, issue 3 (February 2016), https://onlinelibrary.wiley.com/doi/abs/10.1111/anti.12224.

[56] Leila Stockmarr, “Beyond the Laboratory Thesis Gaza as Transmission Belt for War and Security Technology”, in: The Global Making of Policing: Postcolonial Perspectives, edited by Jana Hönke and Markus-Michael Müller (New York: Routledge, 2016), pp. 59-76.

[57] Joseph-Achille Mbembe, “Provisional Notes on the Postcolony”, Africa: Journal of the International African Institute, vol. 62, no. 1 (1992), pp. 3-37.

[58] Colin Tatz, With Intent to Destroy: Reflecting on Genocide (London, New York: Verso, 2003), p. 181.

[59] Gershon Shafir Land, Labor and the Origins of the Israeli-Palestinian Conflict, 1882–1914 (Cambridge: Cambridge University Press, 1989).

[60] Lisa Bhungalia (2010) “A Liminal Territory: Gaza, Executive Discretion, and Sanctions Turned Humanitarian”, GeoJournal, vol. 75, no. 4 (2010), pp. 347–357.

[61] UN General Assembly, Michael Lynk, “Report of the Special Rapporteur on the Situation of Human Rights in the Palestinian Territories Occupied since 1967”, 21/10/2017, https://undocs.org/A/74/507

[62] Karl Marx, Capital, Volume 1 (Moscow: Foreign Languages Publishing House, (1959), pp. 590–592, 602–606.

[63] James A. Tyner (2013) “Population Geography I: Surplus Populations”, Progress in Human Geography, vol. 37, issue 5 (October 2013), pp. 701–711.

[64] Fanon, “A Dying Colonialism…”, op. cit.

[65] Frantz Fanon, The Wretched of the Earth, op. cit., p. 232.

[66] “Israel Said Would Keep Gaza Near Collapse: WikiLeaks”, “Reuters”, 5/1/2011, http://www.reuters.com/article/2011/01/05/us-palestiniansisrael-wikileaks-idUSTRE7041GH20110105

[67] Adi Ophir, “The Politics of Catastrophization: Emergency and Exception”, in: Contemporary States of Emergency: The Politics of Military and Humanitarian Intervention, edited by Didier Fassin and Mariella Pandolfi (New York: Zone Books, 2010).

[68] Liza Bhungalia (2008). “Quarantining of Gaza: International Law, Subhumanity, and the Civilianturned Combatant”, a Paper read at Annual Meeting of the Association of American Geographers, Boston, Massachusetts, 16/4/2008.

[69] Fanon, “The Wretched of the Earth”, op. cit.

[70] Ibid.

[71] Catherine Kellogg, “ ‘You Be My Body for Me’: Dispossession in Two Valences”, Philosophy & Social Criticism, vol. 43, issue 1 (January 2017), pp. 83–95.

[72] Smith, “Isolation Through Humanitarianism…”, op. cit.

[73] Aristide Zolberg and Astri Suhrke and Sergio Aguayo, Escape from Violence: Conflict and the Refugee Crisis in the Developing World (Oxford: Oxford University Press, 1989).

[74] Liisa H. Malkki, “Speechless Emissaries: Refugees, Humanitarianism, and Dehistoricization”, Cultural Anthropology, vol. 11, no. 3 (August 1996), pp. 377–404.

[75] Hagar Kotef, “Objects of Security: Gendered Violence and Securitized Humanitarianism in Occupied Gaza”, Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East, vol. 30, issue 2 (August 2010), pp. 179–191.

[76] Dan Cohen, “In the Last Days of ‘Operation Protective Edge’ Israel Focused on its Final Goal-The Destruction of Gaza’s Professional Class”, “Mondoweiss”, 13/10/2014, https://mondoweiss.net/2014/10/protective-destruction-professional/

[77] Malkki, “Speechless Emissaries…”, op. cit., pp. 377–404.

[78] Arjun Appadurai, ed., The Social Life of Things Commodities in Cultural Perspective (Cambridge: Cambridge University Press, 1986).

[79] Ilana Feldman, “Gaza’s Humanitarianism Problem”, Journal of Palestine Studies, vol. XXXVIII, no. 3 (Spring 2009), pp. 22-37.

[80] Sebastian Conrad, German Colonialism: A Short History (Cambridge: Cambridge University Press, 2012).

[81] Louise Amoore and Marieke De Goede, “Governance, Risk and Dataveillance in the War on Terror”, Crime, Law and Social Change, vol. 43, issue 2–3 (April 2005), pp. 149–173; Louise Amoore, Marieke De Goede, Risk and the War on Terror (London and New York: Routledge, 2008); Leila Stockmarr, “Beyond the Laboratory Thesis Gaza as Transmission…”, op. cit.

[82] Eyal Weizman, Hollow Land: Israel's Architecture of Occupation (New York: Verso, 2017), chaps 4 and 5.

[83] Naomi Klein, “Losing the Peace Incentive: Israel as Warning”, in Naomi Klein, The Shock Doctrine: The Rise of Disaster Capitalism-part 7, chapter 21, p. 551 (New York: Naomi Klein, 2008).

[84] Oren Barak and Gabriel Sheffer, “Israel’s ‘Security Network’ and its Impact: An Exploration of a New Approach”, International Journal of Middle East Studies, vol. 38, no. 2 (May, 2006), pp. 235–261.

[85] Joseph Pugliese, “Forensic Ecologies of Occupied Zones and Geographies of Dispossession: Gaza and Occupied East Jerusalem”, Borderlands e-journal, vol. 14, no. 1 (2015).

[86] Ali Abunimah, “New UK Drones ‘Field Tested’ on Captive Palestinians”, “Electronic Intifada”, 13/11/2013, https://electronicintifada.net/blogs/ali-abunimah/new-uk-drones-field-tested-captive-palestinians

[87] Rania Khalek, “Israeli Drone Conference Features Weapons Used to Kill Gaza’s Children”, “Electronic Intifada”, 18/9/2014, https://electronicintifada.net/blogs/rania-khalek/israeli-drone-conference-features-weapons-used-kill-gazas-children

[88] Audrey Jane Roy, “Sovereignty and Decolonization: Realizing Indigenous Self-Determination at the United Nations and in Canada”, M.A. thesis in the Department of Indigenous Governance Programs at the University of Victoria in Canada, 2001.

[89] David Harvey, “The ‘New’ Imperialism: Accumulation by Dispossession”, Socialist Register (2004), pp. 63-87, https://socialistregister.com/index.php/srv/article/view/5811/2707.

[90] Scott Lauria Morgensen, “The Biopolitics of Settler Colonialism: Right Here, Right Now”, Settler Colonial Studies, vol. 1, issue 1 (2011), pp. 52-76.

[91] Giorgio Agamben, Homo Sacer: Sovereign Power and Bare Life, translated by Daniel Heller-Roazen (Stanford, California: Stanford University Press, 1998).

[92] David Lloyd, “Settler Colonialism and the State of Exception: The Example of Palestine/Israel”, Settler Colonial Studies, vol. 2, issue 1 (2012), pp. 59-80.

[93] Giorgio Agamben, State of Exception (Chicago: University of Chicago Press, 2005), p. 35

[94] Adi Ophir, “A Time of Occupation”, in The Other Israel: Voices of Refusal and Dissent, edited by Roane Carey and Jonathan Shainin (New York: The New Press, 2002), pp. 51–66.

[95] Mbembe, “Necropolitics”, op. cit., pp. 11-40.

[96] Joseph-Achille Mbembe, “Metamorphic Thought: The Works of Frantz Fanon”, African Studies, vol. 71, issue 1 (2012), pp. 19-28.

[97] Mbembe, “Necropolitics”, op. cit., p. 25

[98] Puar, “The ‘Right’ to Maim…”, op. cit.

[99] Albert Memmi, The Colonizer and the Colonized, introduction by Jean-Paul Sartre (Boston: Beacon Press, 1967), pp. 70, 74.

[100] Lloyd, “Settler Colonialism and the State of Exception…”, op. cit., pp. 59-80.

[101] Edward Said, Orientalism (London: Penguin Books, 1978).

[102] Thomas Barnett, “The Pentagon’s New Maps”, Esquire, vol. 139, no. 3 (2003), pp. 174–175, 227–228.

[103] Anthony C. Thiselton, The First Epistle to the Corinthians (Grand Rapids, Michigan: Eerdmans, The New International Greek Testament Commentary/NIGTC, 2000), pp. 359–60.

[104] Joseph Owen, “States of Emergency, Metaphors of Virus, and COVID-19”, “Verso”, 31/3/2020, https://www.versobooks.com/blogs/4636-states-of-emergency-metaphors-of-v...

[105] David Lloyd and Laura Pulido, “In the Long Shadow of the Settler: On Israeli and U.S. Colonialisms’, American Quarterly, vol. 62, no. 4 (December, 2010), pp. 795-809.

[106] Mike Moffitt, “Israel Says COVID-19 Vaccine is Only Weeks Away”, “SFGATE”, 28/2/2020, https://www.sfgate.com/science/article/COVID-19-coronavirus-vaccine-Israel-15093659.php

[107] Ido Efrati and Chaim Levinson, “Israeli Research Center to Announce It Developed Coronavirus Vaccine, Sources Say”, Haartez, 18/3/2020, https://www.haaretz.com/israel-news/.premium-coronavirus-vaccine-israel-biological-research-institute-develope-1.8665074

[108] Aaron Reich, “Novel Coronavirus Vaccine Being Tested on Rodents in Israel. The Institute's Director Told Prime Minister Benjamin Netanyahu That the Vaccine was Being Readied for Testing in Animals”, The Jerusalem Post, 2/4/2020, https://www.jpost.com/health-science/israeli-researchers-made-significant-progress-in-coronavirus-vaccine-623133

[109] “COVID-19 Vaccine Two-Third Ready, Claims Israeli Scientist”, “The Week”, 20/4/2020, https://www.theweek.in/news/health/2020/04/20/COVID-19-vaccine-two-third-ready-claims-Israeli-scientist.html

[110] Memmi, “The Colonizer and the Colonized…”, op. cit., p. 53.

[111] Joshua Mitnick, “In Israeli War on Coronavirus, Arab Doctors Rush to the Front”, “The Christian Science Monitor”, 16/4/2020, https://www.csmonitor.com/World/Middle-East/2020/0416/In-Israeli-war-on-coronavirus-Arab-doctors-rush-to-the-front

[112] Lloyd, “Settler Colonialism and the State of Exception…”, op. cit., pp. 59-80.

[113] Gedeon Levy, “Israel After Coronavirus: One Crisis, One State – and That Includes the Palestinians”, Haaretz, 6/5/2020,

https://www.haaretz.com/israel-news/.premium-israel-after-coronavirus-on...

[114] Ibid.

[115] Ephraim Lavie, Meir Elran, Khader Sawaed, Morsi Abu Mokh, Maisalon Dallashi, “Israel’s Arab Society and the Coronavirus Challenge”, “INSS Insight”, no. 1288 (31/3/2020), https://www.inss.org.il/publication/coronavirus-and-the-israeli-arabs/

[116] Wolfe, “Settler colonialism and the elimination …”, op. cit., pp. 387-409.

[117] Mitnick, “In Israeli War on Coronavirus…”, op. cit.

[118] Ibid.

[119] Dina Craft, “Meet the Majadlas: An Arab Family of Doctors on Israel's Coronavirus Front Lines”, Haaretz, 21/4/2020, https://www.haaretz.com/israel-news/.premium-an-arab-family-of-doctors-on-israel-s-coronavirus-front-lines-1.8786492

[120] Frederick E. Hoxie, A Final Promise: The Campaign to Assimilate the Indians, 1880-1920 (Nebraska: University of Nebraska Press, 2001), p. 34.

[121] Patrick Wolfe, “Recuperating Binarism: A Heretical Introduction”, Settler Colonial Studies, vol. 3, nos. 3-4 (2013), pp. 257-279.

[122] Aaron, “The Idolatry of Force (Part II)…”, op. cit., P. 58.

[123] Jonathan Lis, “Netanyahu Mulls End to Shin Bet Tracking of Coronavirus Patients, Official Says”, Haaretz, 30/4/2020, https://www.haaretz.com/israel-news/.premium-netanyahu-mulls-end-to-shin...

[124] Gedaliah Afterman and Maya Shabi, “What Asian States Can Teach Israel About Coronavirus Surveillance Tech”, Haaretz, 13/4/2020, https://www.haaretz.com/israel-news/.premium-what-asian-states-can-teach...

[125] David M. Halbfinger and Isabel Kershner and Ronen Bergman, “To Track Coronavirus, Israel Moves to Tap Secret Trove of Cellphone Data”, New York Times, 16/3/2020, https://www.nytimes.com/2020/03/16/world/middleeast/israel-coronavirus-cellphone-tracking.html

[126] Ronen Bergman, “Israelʼs Not-So-Secret Weapon in Coronavirus Fight: The Spies of Mossad”, New York Times, April 12/4/2020, https://www.nytimes.com/2020/04/12/world/middleeast/coronavirus-israel-mossad.html

[127] Michael Bachner, “Mossad Officer Describes Covert Global Battle to Obtain Ventilators at All Costs”, The Times of Israel, 1/4/2020, https://www.timesofisrael.com/mossad-officer-describes-covert-global-battle-to-obtain-ventilators-at-all-costs/

[128] Sean Lawson, “Coronavirus Lessons For National Cybersecurity. It’s The Boring Stuff, Stupid”, “Forbes”, 28/4/2020, https://www.forbes.com/sites/seanlawson/2020/04/28/coronavirus-lessons-f...

[129] Joseph Marks and Tonya Riley, “The Cybersecurity 202: Privacy Experts Fear a Boom in Coronavirus Surveillance”, Washington Post, 14/4/2020, https://www.washingtonpost.com/news/powerpost/paloma/the-cybersecurity-2...

[130] “Israeli Cyber-Intel Firms Pitch Governments on Spy Tools to Trace the Coronavirus”, Haaretz, 2/5/2020, https://www.haaretz.com/israel-news/business/israeli-cyber-intel-firms-pitch-governments-on-spy-tools-to-trace- navirus-1.8805775

[131] Maxime Rodinson, Israel: A Colonial-Settler State? (New York: Monad Press, 1973), p. 76.

[132]Dire Shortage Forces Hospital Staff to Make Do-It-Yourself Masks”, “Bloomberg”, 29/3/2020,

https://blinks.bloomberg.com/news/stories/Q7E3F4T0AFB6

[133] Lisa Rosenbaum, “Facing Covid-19 in Italy — Ethics, Logistics, and Therapeutics on the Epidemic’s Front-Line, The New England Journal of Medicine, 18/3/2020, https://www.nejm.org/doi/full/10.1056/NEJMp2005492

[134] Ali Abunimah, “Did the US Just Supply a Million Face Masks to the Israeli Army?”, “The Electronic Intifada”, 8/4/2020, https://electronicintifada.net/blogs/ali-abunimah/did-us-just-supply-million-face-masks-israeli-army

[135] “100 Ventilators Arrive to Israel from the US”, The Jerusalem Post, 15/4/2020, https://www.jpost.com/breaking-news/100-ventilators-arrive-to-israel-from-the-us-624718

[136] Barak Ravid, “Scoop: Netanyahu Rejected U.K. Plea for Ventilators”, “Axios”, 15/4/2020, https://www.axios.com/israel-ventilator-export-uk-coronavirus-outbreak-a5ea85f5-0dd8-46ee-8bb9-edd986f9b9f3.html

[137] Lloyd, “Settler Colonialism and the State of Exception…”, op. cit., pp, 59-80.

[138] Jacqueline Rose, The Question of Zion (Princeton: Princeton University Press, 2005), pp. 33, 42-43.

[139] Noa Shpigel, “Missiles Out, Ventilators In: Israeli Defense Contractors Answer the Coronavirus Call”, Haaretz, 15/4/2020, https://www.haaretz.com/israel-news/.premium-missiles-to-ventilators-isr...

[140] Netta Ahituv, “Israeli Health Minister's Cure for COVID-19? The Messiah”, Haaretz, 26/3/2020, https://www.haaretz.com/israel-news/.premium-israel-coronavirus-health-cure-1.8703719

[141] Haneen Maikey and Hilary Aked “How Eurovision has Turned into a ‘Pinkwashing’ Opportunity for Israel”, Independent, 3/3/2019,

https://www.independent.co.uk/author/haneen-maikey-and-hilary-aked

[142] “Israel's Health Minister Gets Coronavirus; Top Officials Isolate: Health Minister Yaakov Litzman and His Wife Being Treated after Contracting COVID-19 as PM Netanyahu Quarantines”, “Aljazeera”, 2/4/2020, https://www.aljazeera.com/news/2020/04/israel-health-minister-coronavirus-top-officials-isolate-200402110043764.html

[143] Gideon Levy, “Israel Trading in Ventilators for Helpless Gazans is Inhumane”, Haaretz, 15/4/2020, https://www.haaretz.com/opinion/.premium-israel-trading-in-ventilators-for-helpless-gazans-is-inhumane-1.8768709

[144] Owen, “States of Emergency, Metaphors of Virus…”, op. cit., https://www.versobooks.com/blogs/4636-states-of-emergency-metaphors-of-virus-and-covid-19

[145] Agamben, Homo Sacer..., op. cit.

[146] “WHO Chief Calls COVID-19 ‘Enemy Against Humanity’ ”, “Channel News Asia/CAN”, 19/3/2020, https://www.channelnewsasia.com/news/world/coronavirus-covid-19-who-enemy-against-humanity-12554256

[147] Noa Shusterman and Udi Dekel, “The Coronavirus in Gaza: Insights from a War Game”, “Institute for National Security Studies, Tel Aviv University - Special Publication”, 13/4/2020, https://www.inss.org.il/publication/coronavirus-and-gaza/

[148] Yohanan Tzoreff and Kobi Michael, “The Corona Pandemic and the Palestinian Arena: Significance for Israel”, “Institute for National Security Studies, Tel Aviv University”, 6/4/2020, https://www.inss.org.il/publication/coronavirus-gaza-and-the-west-bank/

[149] Tamara Nassar, “Gaza Has Barely Any Coronavirus Test Kits”, “The Electronic Intifada”, 14/4/2020, https://electronicintifada.net/blogs/tamara-nassar/gaza-has-barely-any-coronavirus-test-kits

[150] Levy, “Israel Trading in Ventilators…”, op. cit.

[151] Wolfe, “Recuperating Binarism…”, op. cit., pp. 257-279.

السيرة الشخصية: 

غسان أبو ستة: بكالوريوس في الطب والجراحة وزميل كلية الجراحين الملكية (جراحة التجميل).

اقرأ المزيد