يوم الأسير الفلسطيني 17 نيسان... نعم لن نموت، لكننا.. سنقتلع الموت من أرضنا
التاريخ: 
17/04/2020
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
يوم الأسير الفلسطيني

17 نيسان/ أبريل هو يوم الأسير الفلسطيني، هذا التاريخ الذي اعتمده وتبناه المجلس الوطني الفلسطيني في سنة 1974 ليكون يوماً وطنياً وعالمياً لمساندة ونصرة الأسرى وحقوقهم العادلة في الكرامة والحرية والانعتاق من قيود الاحتلال.

 17 نيسان ارتبط تاريخياً بانطلاق وتفجر الثورة الفلسطينية في 17 نيسان 1936، والإضراب والعصيان الشامل الذي نفذه الشعب الفلسطيني لمدة 6 أشهر ضد سياسة الانتداب البريطاني الداعمة للعصابات الصهيونية واعتداءاتها على فلسطين، والداعمة للهجرة الصهيونية إلى فلسطين تجسيداً لوعد بلفور المشؤوم.

 17 نيسان هو يوم مشهود لأطول إضراب وتمرد وعصيان مدني في التاريخ الحديث ضد السياسة الاستعمارية البريطانية والحركة الصهيونية، بعد أن طفح الكيل من فظائع وممارسات ومخاطر تهدد الوجود الفلسطيني من مذابح وهدم بيوت واعتقالات وإعدامات وسلب للأراضي لمصلحة اليهود ومشروعهم الاستعماري.

 17 نيسان هو رجع الصدى لنداء الأسرى المشنوقين في سجن عكا في عهد الانتداب البريطاني، والصوت التاريخي لإنسان الحرية في الدفاع عن إنسانيته وأرضه وفاء لمن استشهدوا وقاتلوا في سهول فلسطين وجبالها، ولمن تحملوا العذابات والآلام في سجون الانتداب وزنازينه الموحشة.

 17 نيسان هذا العام يذكر العالم أن مليون فلسطيني زُجوا في السجون منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي، وأن كفاح الشعب الفلسطيني لا يزال متواصلاً من أجل الاستقلال والحرية، وأن الأسرى ما زالوا يسقطون في المعسكرات والزنازين قهراً وتعذيباً ومرضاً وقتلاً، وأن الإرادات الفلسطينية مهما اشتدت الصعاب لا تزال تقرع على جدران السجون وتهتف للحرية وكسر القيود.

 17 نيسان هو التاريخ الذي لم يتوقف، هو الزمن الذي لم يتجمد، هو المناضل المشتبك بلحمه وجوعه ولم يأخذ إجازة، هو المواجهات المستمرة، الإضرابات الجماعية والفردية التي شهدتها ساحات السجون ولا تزال جذوتها مشتعلة، هو الشعب الفلسطيني الذي يسعى للخلاص من براثن الاحتلال، هو كل أم وطفل وفتاة وشاب وعجوز، هو كل بيت وحارة وصرخة ووجع، هو الأغنية ونافورة الدم، هو الحقيقة التي تكشف الوجه البشع لدولة الاحتلال وجرائمها المنظمة ضد شعبنا الفلسطيني.

 17 نيسان هو صرخة آلاف الأسرى المطالبين بحمايتهم وإنقاذهم من وباء الكورونا المستجد، من كارثة إنسانية قد تقع في أية لحظة، من الاستهتار الإسرائيلي المتعمد بحياتهم وصحتهم وعدم قيامه بإجراءات السلامة لمنع تفشي المرض في صفوفهم. فليكن يوم الأسير يوماً عالمياً لإطلاق الحملات الدولية المناصرة للإفراج عن الأسرى، ولا سيما المرضى والأطفال والنساء والقدامى، والضغط لكي تتحمل حكومة الاحتلال المسؤولية القانونية والأخلاقية والسياسة عن أرواح أبنائنا في السجون.

 17 نيسان هو التجلي الأعلى لإنسانية الإنسان الفلسطيني الذي يتصدى لسياسة تجريده من إنسانيته، ولسياسة التعامل معه كأنه ليس من بني البشر، وهو القيمة المقدسة للإنسان وللإنسانية وللقيم الأخلاقية والعدالة الكونية، لهذا فهو صوت كل حر في كل مكان، صوت كل شعب يسعى لحق تقرير مصيره ورفع الظلم والاضطهاد عن كاهله.

 17 نيسان هو يوم الحرية والشرف وانتصار الكرامة، لا تفاوض على نسبة الكرامة، لأن الكرامة لا تُعطى على جرعات، فإمّا كرامة كاملة وإمّا المواجهة، إّما الحرية وإمّا الموت، لا مساومة على كرامة الإنسان وحقوقه المشروعة، لا شيء يعوض عن خسارة الكرامة، لا الأكل ولا وفرة العيش ولا الطعام ولا التحسينات الشكلية، فالسجن هو السجن، والجلاد هو الجلاد، فألف يوم من الجوع بكرامة أفضل من يوم واحد في السجن تحت السياط والإهانة.

 17 نيسان هو عودة الأرواح التي تبحث عن السلام الحقيقي، أرواحنا تقف عند هذا الحاجز أو ذاك مقتولة ذبيحة معدومة، أرواحنا مشبوحة ومصلوبة في ساحة المسكوبية وفي غرف التحقيق، أرواحنا محجوزة في مقابر الأرقام، أرواحنا قلقة متمردة تنتظر بصبر أن يُحاكم القتلة والجلادون.

 17 نيسان هي المعركة الدائمة ضد دولة تحولت إلى دولة فاشية عنصرية جنودها صاروا وحوشاً برية، ممارسات بهيمية وبربرية، دول بلا أخلاق ونوازع إنسانية، تمارس جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، دولة طاغية متوحشة في المنطقة، تحركها خطابات الكراهية العنيفة والدعوات إلى القتل وإلغاء الآخرين من الوجود، دولة المعسكرات والمستوطنات والسجون والإعدامات الميدانية، الأخطر الآن على السلام والأمن في العالم.

 17 نيسان هي قوتنا العنيدة في مواجهة دولة القراصنة والدفاع عن مكانة أسرانا وشهدائنا وجرحانا، عن رموزنا الوطنية، فالأسرى والشهداء والجرحى أغلى ما نملك، قالها الرئيس أبو مازن، وأسرانا هم شهداء مع وقف التنفيذ، قالها الرئيس أبو عمار، وهي امتحان الجدارة لكل مقومات المجتمع الدولي للتحرك بوضع حد للتشريعات والقوانين العنصرية المتصاعدة المعادية لحقوق شعبنا وحقوق الإنسان ولكل القيم النبيلة.

 17 نيسان هذا العام هو المعركة الفاصلة على شرعية نضال الأسرى ومكانتهم القانونية، فالإسرائيليون يسعون لتجريد الأسرى من مشروعية مقاومتهم للاحتلال ووصمهم بالإرهابين والمجرمين، فالدفاع عن الأسرى أصبح دفاعاً عن مسيرة وتاريخ ونضال الشعب الفلسطيني أحياءً وشهداء، وتصدياً للقرصنة والاستهداف الإسرائيلي بتجريم كفاحنا الوطني ضد الاحتلال.

 17 نيسان هو أطول تاريخ مسجون في العالم، هو كريم يونس وماهر يونس ونائل البرغوثي والعشرات الذين يقضون أكثر من ربع قرن في السجون، فمن يحرر هذا التاريخ؟ ومن يطلق سراحه في ربيع اللوز والزعتر والأرض العطشى للحب والفأس والمطر وللسماء الواسعة بلا سياج؟

17 نيسان هو التابوت المفتوح على الأبد، للمئات من الأسرى المرضى والمشلولين والمعاقين الذين يصارعون الموت في السجون بسبب الإهمال الطبي والجرائم الطبية التي تُمارس بحقهم، فمن يوقف الموت في السجون ويحرر 17 نيسان من حبل المشنقة وسياسة القتل البطيء التي تجري على أرواح المعتقلين وأجسادهم؟ من يعطي 17 نيسان الهواء والدواء والشمس التي لا تغيب؟

 17 نيسان هو الطفولة المأسورة للأولاد والصغار المكبلين المعذبين المهانين المرعوبين المصدومين، هو صوت جنود الاحتلال في منتصف الليل، الاعتقالات الهمجية، الاعتداءات، الترويع، الدعس على أجساد الأطفال بالبساطير المدببة، الضرب والإذلال والإهانات، طفولة مقيدة، طفولة لا تحلم ولا تبتسم ولا تذهب إلى المدرسة.

 17 نيسان هو غياب العدالة في محاكم الاحتلال، هذه المحاكم التي صارت قناعاً لتغطية الجرائم تحت شعار القانون، لا محاكمات عادلة، هم قضاء وجلادون وسجانون في آن واحد، محاكم حربية لتعميق وتكريس الاحتلال والمعاناة تحت غطاء وهمي زائف يُسمى القضاء.

17 نيسان هو هذا الاعتقال الذي لا نهاية له، اعتقالات إدارية تعسفية، مصير مجهول لمئات الأسرى، أعمار في السجون محجوزة إلى آخر الآخرة، عقاب جماعي، نزعات انتقامية، دولة فوق القانون مستهترة بالعالم وبالاتفاقيات الدولية.

 17 نيسان على الرغم من أنه صرخة ألم إنساني، فهو ثورة حياة، ثورة إرادة، ثورة إنسانية واسعة وممتدة لشعب يستحق الحياة، فالجوع وحبات الملح والشفاه الناشفة انتصرت على الدولة المسلحة وترسانتها وأساليب قمعها المتعددة، هاهي نطف منوية تخرج من السجون، أولاد وبنات يخلقون ويولدون ويكبرون، ثورة حب لم يستطع السجن ولا الحديد ولا الحرمان والغياب من إطفاء شعلتها المتقدة، فالتحرر مثل عملية الولادة وإن كانت ولادة مؤلمة، لكن الذي يتمخض عنها هو إنسان جديد يطل على أيامه القادمة.

 17 نيسان هو نشيدنا الأول المتصاعد في الأرض والسماء:

 نعم لن نموت، نعم سوف نحيا

ولو أكل القيدُ من عظمنا

ولو مزقتنا سياط الطغاة

ولو أشعلوا النار في جسمنا

نعم لن نموت لكننا

سنقتلع الموت من أرضنا

عن المؤلف: 

عيسى قراقع: وزير شؤون الأسرى والمحررين السابق.

المدونات التابعة لملف "يوم الأسير الفلسطيني"
عبد الناصر فروانة
عبد الناصر فروانة
أمير مخّول

Read more