للأسرى يوم.. والأسرى كل يوم
التاريخ: 
17/04/2020
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
يوم الأسير الفلسطيني

إنه يوم الأسير الأول في العقد الأخير وأنا خارج السجن. وهكذا أكون قد عايشتُ ثلاث حالات للاحتفاء بيوم الأسير الفلسطيني:

قبل الاعتقال كنا هنا في الداخل الفلسطيني كما كل شعبنا في الضفة وغزة والشتات والقدس نحيي يوم الأسير بالعمل الشعبي سواء مقابل السجون أو في ساحات بلداتنا. وفي الحملات الإعلامية والتوعويّة المحلية والعالمية، وبالمطالبة بالحرية لأسرى الحرية.

في السجن كنا نحييه بصفته الحدث المركزي السنوي الجماعي للأسرى، وهو حدث جامع للكل الفلسطيني خارج حدود التجزئة سواء الطوعية منها أو القسرية. وهو يوم تحدٍ للسجان ودولته، ويوم للحفاظ على العهد بأنه حتى وفي أصعب الأوضاع العامة وأقساها بؤساً، يبقى الأمل سيد الموقف ما دام السجن سجناً، وعلى أمل أن يصبح الصبح "فلا السجن باقٍ ولا السجان" كما بشّرنا شاعر السودان والعرب. كان إحياء يوم الأسير رسالة حرية وصقل إرادة واعية. يوم الأسير هو يوم كفاحي في السجون يتمثل بالتثقيف الكفاحي، ولا سيما للأسرى الشبان، وبإرجاع وجبات الطعام وفي الامتناع عن الرياضة وألعاب التسلية. إنه أشبه بيوم حداد لكنه غضب، وربما أجواء حداد على حرية مؤجّلة باستثاء الحرية التي يحملها الأسير في مخزونه المعنوي ويشحنها من صبر أسرته وذويه الذي ينسيه صبره وليكبر فيه. إنه يوم للحفاظ على جذوة الحركة الأسيرة في الطريق إلى حرية الشعب.

اليوم وبعد الفرج، وإذ لا تكاد عائلة فلسطينية لم تعش الأسر والفرج لأحد أبنائها أو إحدى بناتها، وبعد أن غدوت جزءاً من هذه العائلة التي تعادل في سعتها شعباً، فقد أصبح ليوم الأسير وجوهاً وأسماء وقصصاً وعذابات وصبراً، إنه أبعد من أن يكون أرقاماً وجداول ضرورية لإظهار الكم وفضح المحتل، لكن هذا لا يفي بالوجوه.

لا تغيب عن بالي لحظة وداعي للأسرى في طريقي إلى الفرج قبل عام، وأكثر ما فيها من حضورٍ يلازمني كانت قسوة النظر في عيون الأسرى القدامى والمحكومين بالسجن مدى الحياة، ومعهم كبار السن والمرضى، الذين تصادر السنوات مساحات من الأمل فيهم، لكنهم قد يتنازلون عن المساحات كي يثبّتوا الأمل بقبضاتهم، حتى وإن بدا بعيداً فإنهم يرونه قريباً بروح مُلهِمِ هذا القول. واجهوني بالبسمة وواجهتهم بالبسمة الدامعة، لتبقى لغة العيون عهداً والتزاماً على أن حريتهم ليست أمانة في أعناقهم بل فينا جميعاً نحن الشعب الفلسطيني ومعنا كل المتضامنات والمتضامنين وقوى الحرية في العالم، وعالمنا لا يكتمل من دون الوطن العربي. إنها رسالة حق، إنها نداء استحقاق.

ينبّهنا يوم الأسير إلى أن هنالك من القصص أضعاف تعداد الأسرى الحاليين والسابقين، وتقع علينا جميعاً مسؤولية حمايتها من الاندثار بعد أن تعلمنا الدرس من نكبة الشعب والبلد ونكبة القصص التي لم ننجح في حفظها. إنها قصص الأسيرة أو الأسير، وقصص الأم والزوجة أو الزوج والأب والأخ والأخت والابن والبنت والجدة والجد والأصدقاء، وكل ما يجري في المعتقل وخارجه، إنها قصة الشعب التي تمتد فصولها على تشعبات الشعب والقضية. إنها صورة الألم، إنها شكل الصبر.

في يوم الأسير أذكر صورة التضامن الذي يستلهم من شعب فلسطين الإرادة، ويقابله بالشراكة في إحقاق الحق والحرية. وأذكر تلك البطاقات النَيْسَانِية المتضامنة التي كانت تبعث الروح والأمل بأننا لسنا منسيين، بل إن رسالتنا قد وصلت إلى كل بقاع الارض.

ذات يوم كنت في جدل مع الأسير صالح (رشدي) أبو مخ، والذي دخل حالياً عامه السادس والثلاثين في السجن، وقد دار النقاش حول الدفعة الرابعة المتعثرة ضمن مئة وثمانية أسرى التزمت إسرائيل لإدارة أوباما بالإفراج عنهم ضمن مساعِ لتجديد المفاوضات مع السلطة الفلسطينية. فقد واجه أبو مخ محاججتي له بوهم التوقعات في حينه بإطلاق سراح قدامى أسرى الـ 48، بمقولته التي تحضرني دائماً ولا يستطيع جَدْلَ خيوط معانيها إلاّ الأسير الصابر على الصبر اضطراراً، إذ قال: "أن أعيش على الوهم لمدة شهر، خير من أن أعيش شهراً من دون أمل.!!"

الصبر مفتاح الفرج وبالذات الصبر الواعي، والشعب ولاّد الأمل ... وللأسرى أمل..

عن المؤلف: 

أمير مخول: أسير سابق.

المدونات التابعة لملف "يوم الأسير الفلسطيني"

Read more