خريف "الخيانة الأميركية" و"الغزو التركي": تدشين الحقبة الروسية في الشرق الأوسط
نبذة مختصرة: 

مثل الانسحاب الأميركي من شمال سورية، وغض النظر عن الاجتياح التركي لمناطق سيطر عليها الأكراد هناك. طعنة أميركية - ليست الأولى - ضد الأكراد، أطاحت بأي ثقة بصدقية الولايات المتحدة مع حليفاتها في المنطقة. ومع وقوع المنطقة ضمن النفوذ الروسي، فإن مستقبلها لا يزال غامضاً، في انتظار ما يمكن أن تراكمه هذه العودة الروسية.

النص الكامل: 

في مقابلة حصرية مع شبكة تلفزيون أميركية رئيسية تُبث عبر الكابل والأقمار الصناعية، عبّر الرئيس العراقي برهم صالح عن خيبة أمل عميقة إزاء التدخّل العسكري التركي في شمال شرق سورية بتواطؤ من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وقال إن "القوة الحالية للولايات المتحدة هي محل شك بصورة جدية للغاية... وحلفاء أميركا قلقون بشأن إمكان الاعتماد على الولايات المتحدة."

لقد قرر ترامب في 6 تشرين الأول / أكتوبر 2019، وبعد محادثة هاتفية مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان، التخلي عن الأكراد السوريين، أكثر حلفاء الولايات المتحدة الموثوق بهم في قتال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في ساحة المعركة السورية. لقد كان أردوغان يلوح منذ أكثر من عام بإرسال جيشه الذي هو ثاني أكبر جيش لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو) لمواجهة الأكراد على الجانب الآخر من الحدود المشتركة الطويلة بين تركيا وسورية. وصنّف قوات سورية الديمقراطية (أغلبية مقاتليها من الأكراد، وتسيطر على ما يقرب من ثلث أراضي سورية) على أنهم "إرهابيون" لا يختلفون عن "داعش" بما أنهم على صلة بمتمردي حزب العمال الكردستاني في تركيا. لقد كان مصمماً على إخراجهم من منطقة يصفها بأنها "منطقة آمنة" تسعى تركيا للسيطرة عليها، وتمتد نحو 480 كيلومتراً في محاذاة الحدود التركية - السورية من الغرب إلى الشرق، وبعمق 32 كيلومتراً.

كانت الولايات المتحدة، حليفة تركيا في حلف الناتو وشريكتها في ساحة المعركة السورية، وحدها قادرة على حماية الأكراد من غضب أردوغان. غير أن تأييد ترامب الضمني للعملية العسكرية التي نفذتها تركيا من خلال سحب العسكريين الأميركيين إلى خارج منطقة القتال، أطلق يد أردوغان ليفعل ما يشاء بالأكراد السوريين. وكان الرئيس التركي قد أعلن فعلاً مشروعه لإعادة توطين نحو مليوني لاجىء سوري، من أصل 3,6 ملايين لاجىء سوري في تركيا، في "المنطقة الآمنة" التركية التي سيتم إنشاؤها بعد الغزو العسكري التركي، وربما عن طريق تشريد السكان الأكراد الأصليين المقيمين في المناطق الواقعة شرقي الفرات. إن نيّات أردوغان بالنسبة إلى كل مَن لديه فهم بالتاريخ والذاكرة، شبيهة بنيّات حزب البعث في إنشاء "حزام عربي" في شمال شرق سورية من خلال ترحيل الأكراد من تلك المناطق.

لهذا السبب أكد رئيس العراق برهم صالح، وهو كردي ويُعدّ صديقاً للأميركيين، عندما طرح بمرارة مسألة "الاعتماد" على الولايات المتحدة، أن الآثار المترتبة على الانسحاب الأميركي من سورية هائلة، إذ "أطلق الغزو التركي ديناميكية جديدة خطرة حقاً." وعبّر برهم صالح عن قلقه بشأن التهديدات التي تواجه الأكراد السوريين، مضيفاً أنه "قلق إزاء حدوث تطهير عرقي. فهذا ما حدث عبر التاريخ، التاريخ المأسوي للشعب الكردي، وهو أمر خطر ومأسوي."

وللمفارقة، وعند قراءة كلماته، لم يسعني سوى أن أتذكر محادثتي معه في بغداد، في آذار / مارس 2019، في أعقاب زيارته لتركيا. فقد بدا مفتوناً نوعاً ما بعظمة قصور أردوغان، وبالمعاملة الودية التي لقيها من الرئيس التركي، وعبّر عن أمله بأن تؤدي تركيا دوراً إيجابياً في مستقبل الشرق الأوسط.

 نزعة قومية معادية للأكراد

بالنسبة إلى أولئك الذين يمتلكون تحليلاً سليماً لطبيعة حكم أردوغان الاستبدادي في تركيا، فإن توقّع أن تؤدي تركيا، أو أن تسعى لأداء دور حميد في المنطقة، ليس سوى حلم بعيد المنال. فتركيا في عهد أردوغان شهدت، منذ خريف سنة 2015، انعطافة حادة في اتجاه مغالاة في النزعة القومية يصاحبها خطاب عنيف مناهض للأكراد يُستخدم بمثابة عنصر موحِّد بين مختلف القوميين المشاركين في السلطة. وفعلاً، تبنّت "الدولة العميقة" في تركيا استراتيجيا تقوم على عدم السماح لإيران أو الأكراد بالوصول إلى البحر الأبيض المتوسط وعبور الأراضي السورية الممتدة من حدودها مع العراق إلى البحر، كما أن ظهور حكم ذاتي في الجوار في شمال وشمال شرق سورية يقوده أولئك الأكراد السوريون الذين تجمعهم صلة بحزب العمال الكردستاني، والذين أقاموا في الوقت نفسه شراكة عسكرية قوية مع الولايات المتحدة، صار كابوساً لا مثيل له بالنسبة إلى تركيا.

لقد تعيّن على تركيا أن تمنع بأي ثمن قيام جيب كردي مجاور كبير في شمال شرق سورية، آخذة في الاعتبار إمكان اتحاد هذا الجيب مع الأغلبية الكردية جنوب شرق تركيا، وربما يوماً ما مع إقليم كردستان العراق شبه المستقل الذي عبّر عن توقه إلى نيل استقلاله. وكان أردوغان الذي يمثل رجل تركيا القومية المتشددة القوي أكثر ممّا يمثل رئيساً شبه إسلامي، مهووساً بإحباط تطلعات الأكراد في سورية.

بدأ أردوغان أولاً بإنهاء عملية السلام مع الأكراد في تركيا الذين تعرّضوا لمستوى من القمع لا يمكن تصوره في العقد الأخير الذي عُلقت الآمال عليه. وتزامن هذا القمع مع تحركات عسكرية استهدفت الأراضي السورية.

متسلحاً بتأييد روسي، نفذ أردوغان تصميمه على منع ظهور حكم ذاتي كردي على طول الحدود التركية عن طريق إرسال القوات المسلحة التركية مع المقاتلين السوريين الموالين لها، والذين ينتمون أساساً إلى مختلف الجماعات والفصائل السلفية، إلى سورية في آب / أغسطس 2016. وبالنتيجة، استحوذت تركيا على أراضٍ تمتد من جرابلس إلى الباب لتقطيع أوصال المناطق التي يحكمها الأكراد، والتي تمتد من منطقة الجزيرة في أقصى شرق البلد إلى جيب عفرين ذي الأغلبية الكردية، في أقصى الطرف الشمالي الغربي من سورية. وفي سنة 2018، احتلت تركيا عفرين خلال ثلاثة أشهر، وأيضاً بتأييد روسي، وانتهت العملية العسكرية التركية التي نفذها أيضاً مقاتلون سوريون موالون لتركيا، بنزوح نصف سكانها الأكراد تقريباً.

حوّل أردوغان بعد ذلك انتباهه إلى شرق الفرات، وكان هدفه فرط عقد الشراكة الأميركية – الكردية، وإنهاء الحكم الذاتي الكردي. وكي يحقق ذلك، فإن التأييد الروسي لم يكن كافياً، مثلما كان عليه الأمر مع جرابلس والباب (2016) وعفرين (2018)، بل إن تخلّي الأميركيين عن الأكراد كان شرطاً لتحقيق مشروع أردوغان، وهذا ما حدث بالضبط.

وبفضل قرار ترامب سحب جنوده، شنّت تركيا ووكلاؤها السوريون الهجوم على الأكراد في سورية من جبهة واسعة بطول 120 كيلومتراً بين تل أبيض ورأس العين، وهي منطقة سكانها العرب أكثر من سكانها الأكراد، وتوغلت تركيا 32 كيلومتراً جنوباً، حتى الطريق السريع أم 4 الذي يربط حلب السورية بالموصل في العراق. غير أن وقفاً لإطلاق النار بوساطة أميركية لمدة 120 ساعة في 17 تشرين الأول / أكتوبر، منع القوات التركية من السيطرة على منطقة أوسع. وقبل ساعات من انتهاء وقف إطلاق النار، وقّع فلاديمير بوتين وأردوغان مذكرة تفاهم في مدينة سوتشي الروسية في 22 تشرين الأول / أكتوبر نصّت، وإن موقتاً، على الحفاظ على المكاسب العسكرية التركية مع التحقق من أهدافها القصوى واحتوائها في شمال شرق سورية.

إن الانسحاب الأميركي، إلى جانب تمكين تركيا من إنهاء الحكم الذاتي الكردي فعلياً، قدّم سورية بمجملها إلى روسيا، القوة التي استعادت نفوذها لترتقي وتصير القوة الأكثر نفوذاً في الشرق الأوسط. غير أن الأمر لم يكن مجرد تحوّل في مركز النفوذ من الولايات المتحدة إلى روسيا، وإنما كان للخيانة التي وقعت على الأكراد السوريين تداعيات عالمية زعزعت الثقة بالقوة العظمى الوحيدة في العالم، وبلبلت السياسة الداخلية الأميركية، وكان لها وقع الصدمة في العلاقات الدولية ككل.

 خيانة أميركية ليست الأولى

لقد ذاق الأكراد طعم خيانة الولايات المتحدة عدة مرات في السابق، وهذه الحلقة الأخيرة في تلك الملحمة الطويلة يجب ألّا تكون مفاجأة لهم، إذ لا تزال ماثلة في الأذهان خيانة نضال أكراد العراق بقيادة الملا مصطفى البرزاني في سنة 1975، والتي نُسبت إلى هنري كيسنجر عبر شاه إيران، والقمع الوحشي لانتفاضتهم على يد صدام في سنة 1991 في إثر تحريض من جورج بوش. ولا تزال ماثلة أيضاً بصورة خاصة، حالة الملا مصطفى البرزاني، الزعيم القومي الكردي التاريخي الذي نُقل عنه قوله أنه "لا يثق بأي قوة كبرى أُخرى"، وأنه إذا انتصرت قضيته، فسيكون مستعداً لأن تصير كردستان "الولاية الأميركية الحادية والخمسين".

سيكون من الظلم بالنسبة إلى الأكراد السوريين أن نفترض أنهم كانوا ساذجين أو غير قادرين على استخلاص عِبَر الماضي، بحيث أنهم سمحوا للولايات المتحدة بأن تخدعهم بوعودها.

بادىء ذي بدء، لم يكن هناك اتفاق رسمي بين واشنطن والأكراد السوريين، ولا التزام سياسياً حقيقياً من الأميركيين تجاههم. ففي أثناء مقابلة أجريتُها مع زعيم كردي يحمل رتبة عسكرية عالية، مباشرة قبل تحرير الرقة من تنظيم الدولة الإسلامية، كنت قد جادلت بأن الأكراد في سورية، يجب أن يأخذوا في الاعتبار أن الأميركيين يمكن أن يبيعوهم، أو أنهم ربما يصبحون ضحية عملية بيع أميركية روسية مزدوجة. وقد قال لي حينها أنه لا يستبعد أياً منهما.

ومع ذلك، فإن سقوط الرقة في رأيه الذي عبّر عن تصور القيادة الكردية، كان سيؤدي إلى السيطرة على أكثر من 30% من الأراضي السورية، الأمر الذي ربما يُلزم الأميركيين بإعادة تقييم سياستهم ومصالحهم فيما يتعلق بسورية.

لقد ثبتت صحة نظرته. فمنذ تحرير الرقة في تشرين الأول / أكتوبر 2017 حتى وقت قريب جداً، تعززت العلاقات بين الأميركيين والقوات الكردية السورية ميدانياً. ومثلما أشار تحليل إخباري لصحيفة "نيويورك تايمز" بعد النكبة التي حلّت على الأكراد في شمال شرق سورية، فإنه "بالنسبة إلى القوات التي يقودها الأكراد، لم يكن انسحاب القوات الأميركية من سورية هو ما آذاهم، فهم كانوا يعرفون أن هذا سيحدث في نهاية المطاف، وإنما الذي آذاهم هو قيام ترامب بعد خمسة أعوام من القتال والموت إلى جانب القوات الأميركية في المعركة ضد داعش، بإنهاء العملية بصورة مفاجئة من دون أن يكونوا مستعدين لما حدث بعد ذلك. وقد وصفت نسرين عبد الله، المتحدثة باسم وحدات حماية الشعب الكردية ما حدث بقولها: 'إنها طعنة في الظهر'."

إن حيثيات العلاقة بين الأميركيين والأكراد السوريين لم تكن تنذر بالخيانة، ولا سيما أنها بُنيت في إبان الدفاع عن بلدة كوباني الحدودية (عين العرب) في تشرين الأول / أكتوبر 2014 عندما كانت تخضع لحصار مقاتلي داعش، وقد سجّل الأكراد فيها مقاومة ملحمية استحقت وصفها بأنها "ستالينغراد الأكراد". وهنا تجدر الإشارة إلى النقاط المشار إليها في التحليل الإخباري الذي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" في 28 تشرين الأول / أكتوبر:

لقد دفعتهم [الأكراد] الولايات المتحدة إلى نقل المعركة ضد داعش إلى مناطق خارج مناطقهم التقليدية، الأمر الذي كلفهم كثيراً من الأرواح. كما أنها ردعتهم عن التفاوض على تسوية مع الحكومة السورية، بقولها لهم إن بقاءهم إلى جانب الولايات المتحدة سيجعلهم يفوزون بحصة في مستقبل البلد...

وإذا كانت المعارك خدمت أجندة أميركية، فإن الأكراد هم الذين ماتوا من أجلها. لقد قُتل أقل من عشرة أميركيين خلال حملة القتال ضد داعش في سورية، مقارنة بأحد عشر ألف مقاتل في صفوف القوات التي يقودها الأكراد.

وقال مسؤول أميركي كان يعمل في سورية: "لقد جعلناهم يموتون من أجلنا"، و"في النهاية طلبنا منهم تسليم كل ما ناضلوا من أجله: أمن معقلهم ومشروعهم السياسي وشعبهم. لقد عملنا على أن يموت هؤلاء الأحد عشر ألفاً من دون مقابل."

وفي محاولة لاسترضاء تركيا، أقنعت الولايات المتحدة الأكراد بتدمير دفاعاتهم، وتخفيفها قبل شنّ هجوم تركي... وعندما هددت تركيا بغزو شمال سورية لطرد القوات الكردية من المناطق المجاورة لها، نفذت الولايات المتحدة خطة تتطلب من الأكراد تفجير الأنفاق وتدمير الخنادق ونبش مخابىء الذخيرة التي وضعوها في أماكن تؤهلهم للدفاع ضد أي هجوم تركي محتمل.

 استناداً إلى هذه الحقائق كلها، فإن الخيانة الأميركية للأكراد، وإن لم تكن الأولى، إلّا إنها الأكثر إثارة للصدمة حتى هذا التاريخ، كما أن رئيس الولايات المتحدة نفسه هو الطرف المتهور غير المتوقع. وهكذا حطم ترامب بغتة الشراكة الأميركية القوية الممتدة على خمسة أعوام.

 النفوذ الروسي والمستقبل الغامض

من السابق لأوانه الخروج باستنتاج دقيق بشأن العواقب الكاملة لقرار ترامب الانسحاب من سورية، وتسليم منطقة نفوذ حيوية إلى روسيا، وإعطاء رجب طيب أردوغان ضوءاً أخضر لغزو أجزاء من الأراضي السورية.

غير أن كثيرين من منتقدي ترامب الأميركيين يرون أنه من الصعب بالمعنى الاستراتيجي تخيل نتيجة وخيمة أكثر من تلك بالنسبة إلى الولايات المتحدة والأكراد وحلف شمال الأطلسي وربما تركيا نفسها. فبوجود روسيا صاحبة النفوذ الجديد، وإطلاق العنان للدينامية الجديدة، فإن مستقبل سورية والأكراد وتركيا ربما يكون أكثر غموضاً ممّا هو عليه اليوم

لقد أسفرت رئاسة ترامب عن نتائج كارثية للفلسطينيين في أحد طرفَي الشرق الأوسط، وكانت وبالاً على الأكراد في الطرف الآخر، وبدا أنه لا يمكن الاعتماد عليها بالنسبة إلى حلفاء الأميركيين في الخليج، الأمر الذي أحدث عدم ثقة كاملة بإمكان الاعتماد على الولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم. وحتى إن نجح النظام الأميركي في إزاحة ترامب عن سدة الرئاسة، فإن الضرر وقع فعلاً، ودخل سجلات التاريخ.

وفي حقبة جديدة من عدم اليقين في الشرق الأوسط، فإن الوقت حان لمشاهدة ومتابعة ما سيؤول إليه الوضع في ظل الحقبة الروسية.

 

* مقالة خاصة بـ "مجلة الدراسات الفلسطينية"، وهي باللغة الإنجليزية بعنوان:

“An October of 'American Betrayal', 'Turkish Invasion' and Inauguration of the Russian Times in the Middle East”.

ترجمة: صفاء كنج.

اقرأ المزيد