عن إمكان الاعتراف بدولة فلسطينية في الأمم المتحدة
التاريخ: 
08/07/2011
سلسلة خاصة: 
"خريطة طريق" الدولة الفلسطينية المنتظرة: استحقاق بين الواقع والممكن

يستقطب المنحى الذي سيسلكه الموضوع الفلسطيني في الأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر المقبل اهتماماً واسعاً. وعلى النقيض ممّا ورد في جزء كبير من الكتابات عن الموضوع، فإن المسألة لا تتعلق بـ"إعلان" دولة فلسطينية، إذ سبق أن أعلنت "منظمة التحرير الفلسطينية" استقلال فلسطين سنة 1988، ومثل أمور عدة في الحياة، لا يمكن إعلان الاستقلال سوى مرة واحدة. فضلاً عن ذلك، لم تتمتع قط هذه الدولة الفلسطينية المعلَنة بالسيادة أو الولاية أو السيطرة على الأراضي التي تعتبرها تابعة لها، وكذلك "منظمة التحرير الفلسطينية" التي أعلنت هذه الدولة، والأمر نفسه بالنسبة إلى السلطة الفلسطينية. فالأخيرة هي سلطة موقتة تمارس حكماً ذاتياً (انتهت فعاليتها القانونية تقنياً سنة 1999 بموجب شروط اتفاقات أوسلو) وتخضع عملياً وبالكامل لسلطة إسرائيل. فإسرائيل هي الكيان الوحيد الذي يتمتع بأية صفة من صفات السيادة على أية جزء من الأراضي التي تقع ضمن ما كان يُعرف سابقاً بفلسطين الانتدابية، وذلك على الرغم من عدم امتلاكها أي حقوق سيادية معترَف بها دولياً في الأراضي المحتلة أو في أي جزء من القدس الشرقية أو الغربية. وبحكم الأمر الواقع على الأراضي المحتلة عملاً باتفاقية جنيف الرابعة (التي تهزأ بها إسرائيل باستمرار)، تمارس إسرائيل سلطة وسيطرة عسكريتين لا تخضعان سوى لأحكام الاتفاقات مع "منظمة التحرير الفلسطينية" التي تنتهكها إسرائيل على الدوام، إذ لا تشكل هذه الأحكام عائقاً أمام قدرة إسرائيل على التحرك بحرية. ومن الضروري تسليط الضوء على هذه النقاط لأنها تعني أنه بغض النظر عمّا سيحصل في الأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر المقبل، فإن دولة فلسطين ليست الآن دولة حقيقية بالمعنى الفعلي للكلمة، ولن تصبح كذلك في وقت قريب.

فإذا كان الأمر كذلك، ما هي إذاً النتائج التي يمكن أن تترتب على المناورات الدبلوماسية التي تقوم بها الآن "منظمة التحرير الفلسطينية"/السلطة الفلسطينية؟ على الأرجح أن فلسطين ستتقدم بطلب عضوية في الأمم المتحدة كدولة خاضعة للاحتلال تقع داخل حدود معينة، وهي خطوط هدنة 1949 التي ظلّ معمولاً بها حتى 5 يونيو/حزيران 1967. وعلى الرغم من إنكار قوة الاحتلال سيادة الدولة الفلسطينية، إلاّ إن هذه الدولة المفترَضة بدأت، منذ سنة 1988، تستوفي مزيداً من المرتكزات المطلوبة لقيام الدولة بحسب أحكام القانون الدولي، والتي نصّت عليها اتفاقية مونتيفيديو· لسنة 1933، فنذكر على وجه التحديد أن لهذه الدولة شعباً دائماً، وأرضاً محددة ضمن حدود 1967، وحكومة مجسدة في السلطة الفلسطينية، وقدرة على إقامة علاقات مع دول أخرى، وخصوصاً الدول الـ 120 التي تعترف بدولة فلسطين بالإضافة إلى 15 دولة أخرى تقيم علاقات دبلوماسية مع "منظمة التحرير الفلسطينية".

وقبل التصويت في الجمعية العامة على طلب العضوية الكاملة في الأمم المتحدة لدولة ما ـ مع الإشارة إلى أنه يجب أن تحصل على أكثرية الثلثَين من أصوات الدول الأعضاء (وعددها الآن 192) ـ يجب أن يوافق مجلس الأمن على هذا الطلب أولاً. ويبدو هذا الأمر مستعصياً، إذ من المؤكد أن إدارة أوباما ستستخدم حق الفيتو لإسقاط طلب العضوية قبل أقل من 14 شهراً من الانتخابات الرئاسية الأميركية، وذلك بغض النظر عن أحقية القضية (في المسألة الفلسطينية، لم يبالِ صانعو السياسات الأميركيون كثيراً بأحقية القضية منذ سنة 1947). فقد جرى التلويح باستخدام آلية "متحدون من أجل السلام" التي وُضعت عام 1950 في مرحلة الحرب الكورية، والتي تتيح إرسال قرار إلى الجمعية العامة للالتفاف على تعطيلٍ في مجلس الأمن من شأنه أن يهدد السلام العالمي، وطُرحت فكرة أخرى تقوم على اعتبار عضوية فلسطين مسألة إجرائية (لا يسري عليها الفيتو)، لكن أياً من هذين الطرحين لا يقدم بديلاً جدياً، إذ لم تُقبل أي دولة في الأمم المتحدة عبر هاتين الطريقتين. وفي مختلف الأحوال، قد لا يحصل طلب العضوية على أغلبية الأصوات في مجلس الأمن (يجب الحصول على 9 أصوات بغض النظر عن الفيتو).

إذاً حتى لو سلكت "منظمة التحرير الفلسطينية" هذا المسار، ستفشل على الأرجح في الحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة بسبب التعطيل في مجلس الأمن من جانب الولايات المتحدة، وربما حليفتيها بريطانيا وفرنسا. عندئذٍ، سيكون على المنظمة أن تتحرك بطريقة مختلفة بعد فرض فيتو على طلب العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة، هذا إذا طُرح الطلب أصلاً على التصويت. ويقودنا هذا إلى التساؤل عن الهدف الذي يكمن خلف ممارسة من هذا القبيل، فإذا كان الهدف هو صدور قرار آخر غير فاعل وغير قابل للإنفاذ عن الجمعية العامة بشأن الرغبة في استقلال دولة فلسطينية وعضويتها في الأمم المتحدة، فإن تحقيقه يغدو ممكناً بكل تأكيد، إذ يمكن حتى قبول الدولة الفلسطينية بصفة "دولة مراقبة" في الأمم المتحدة لأن هذا يقتضي الحصول فقط على أغلبية بسيطة في الجمعية العامة.

بيد أن المسألتين اللتين لا تقلاّن إلحاحاً ويتعيّن على الجمعية العامة النظر فيهما لإصدار قرارات بشأنهما، هما التوسع المستمر للمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، والوضع الخطر والمتدهور في القدس التي  تشهد نشاطاً استيطانياً خطراً ومتسارعاً في أحياء الشيخ جراح وسلوان وأبو ديس العربية، وأعمال حفر وتنقيب تحت الأرض تؤدي إلى تشويه معالمها، وأعمال بناء جديدة في المدينة القديمة في جوار الحرم الشريف بما في ذلك عند باب المغاربة المؤدي إلى الحرم، ومزيداً من التعدّيات على مقبرة مأمن الله، المقبرة الإسلامية الأقدم في المدينة، إذ أُعطي الإذن مؤخراً ببناء "مركز الكرامة الإنسانية/متحف التسامح" الضخم في موقع المدافن التي تعود إلى القرن الثاني عشر على أقل تقدير، فدمّرت جرافات بلدية القدس مزيداً من شواهد القبور القديمة في 25 و26 حزيران/يونيو 2011.

لا شك في أن الحصول على قرارات من الجمعية العامة بشأن كل هذه المسائل وبأغلبية كبيرة من الأصوات تشمل أصوات الدول الأوروبية وسواها من الدول التي تدعم إسرائيل عادة، هو هدف يستحق العناء. لكن إذا كان الهدف تحقيق ما هو أبعد من ذلك، عندئذ يجب عدم الاكتفاء بطرح عضوية فلسطين في الأمم المتحدة والمسألتَين المذكورتَين آنفاً على الجمعية العامة للنظر فيها، بل يجب عرضها أيضاً على مجلس الأمن حتى ولو كانت ستواجه، حكماً، فيتو أميركياً، وهذا ما يجب فعله إذا كانت الغاية إعلان الاستقلال عن "عملية سلام" مفلسة وخاضعة لسيطرة أميركية ـ إسرائيلية. فعملية السلام هذه، البعيدة كل البعد عن إحلال السلام والتي هي اسم على غير مسمى إلى درجة نافرة جداً، أسفرت طوال 20 عاماً عن تفاقم الاحتلال والاستيطان وإرجاء تسوية المسألتَين الجوهريتين وهما القدس واللاجئين، في حين سمحت لإسرائيل بأن تفعل ما في وسعها لفرض أمر واقع يحول دون الوصول إلى تسوية عادلة.

إذا كان هذا النوع من إعلان الاستقلال هو الهدف الأساسي، فإن الفوز بأغلبية الأصوات في مجلس الأمن تأييداً لقرارات يجري صوغها بدقّة وعناية، ودفع الولايات المتحدة نحو فرض فيتو عليها، هو أمر منطقي جداً. ولا شك في أن هذه الفيتوات ستلحق ضرراً كبيراً بالولايات المتحدة في العالم العربي، وحتى في علاقاتها مع بعض حلفائها المقرّبين (تجدر الإشارة في هذا الإطار إلى المقال الذي نشرته مؤخراً صحيفة "واشنطن بوست" بقلم الأمير السعودي تركي الفيصل والذي يتضمّن انتقادات شديدة اللهجة للسياسة الأميركية في فلسطين)، لذلك فإنها ستسخّر كامل نفوذها من أجل الحؤول دون رفع هذه القرارات إلى مجلس الأمن. ويكفي أن يتمكن هذا المسار الديبلوماسي من توضيح حقيقة الوضع، وانتزاع ثمن صغير من الولايات المتحدة لقاء انصياعها المخزي للرغبات الإسرائيلية، كي تكون جديرة بأن تُطرح جدياً على بساط البحث.

لا شك في أنه ستكون لهذه الاستراتيجيا سلبياتها، إذ ستنتقم إدارة أوباما حكماً من الفلسطينيين والعرب على السواء لأنهم تجرأوا على سلوك مسار مستقل، ومن المؤكد أن الكونغرس سيتفوق على الإدارة الأميركية في تعبيره عن الغضب ومطالبته بالثأر. كذلك ستنتقم إسرائيل كالمعتاد وترد على أي إجراء لا يروقها بفرض مزيد من "الوقائع على الأرض"، وعقوبات على السلطة الفلسطينية. لكن ينبغي ألاّ يكون هذا العقاب مدعاة للتفجّع والقنوط، وإنما يجب انتهاز الفرصة لإظهار مزيد من التضامن الفلسطيني والعربي، وبذل مزيد من التضحيات رداً على العقوبات المادية التي ستُفرض لا محالة.

وقد يتيح ذلك فرصة لانطلاق أول محاولة جدية منذ إعلان بلفور لشرح القضية الفلسطينية شرحاً وافياً وصحيحاً للعالم بأسره. لذا، يجب ألاّ تتم هذه المحاولة في إطار التفصيلات القانونية المبهمة وغير المفهومة لما يسمّى بـ"عملية السلام"، وإنما عبر عرض المقوّمات الأساسية للقضية الفلسطينية التي يدعمها القانون الدولي، والتي صُمّمت هذه العملية بحنكة شديدة بهدف طمسها. وتتمثل هذه المقوّمات في الحاجة إلى: إحقاق العدالة إنصافاً لضحايا التطهير الإثني قبل 63 عاماً وذلك عبر منح اللاجئين حقوقاً غير قابلة للتصرّف؛ تحرير القدس من السيطرة التمييزية والحصرية لدولة إسرائيل المستبدة كي تصبح ملكاً لكل مَن يعيش ويمارس طقوس العبادة فيها ويعتبرها عاصمته؛ وضع حد نهائي للاحتلال والاستعمار في الأراضي المحتلة بعدما دخلا عامهما الخامس والأربعين؛ منح الفلسطينيين حق تقرير المصير بعد طول انتظار وتأجيل.

 

  • وقعت معاهدة مونتيفيديو في مونتيفيديو، الأوروغواي، في 26 كانون الأول/ديسمبر 1933 خلال المؤتمر الدولي السابع لدول القارة الأميركية لتحديد حقوق الدول وواجباتها، وهي الاتفاقية التي أسست لإنشاء تعريف موحد للدولة بموجب مقتضيات القانون الدولي.

ونصت الاتفاقية على أن كل الدول هي وحدات متساوية من حيث السيادة، على أن تتألف الدولة من سكان دائمين، وحدود برية محددة، وحكومة، والقدرة على عقد الاتفاقيات مع الدول الأخرى، وشددت على أن اعتراف الدول بالدول الأخرى غير مشروط وغير قابل للتراجع.

واتفقت الدول الموقعة على رفض تدخل أي دولة في الشؤون الداخلية أو الخارجية لدولة أخرى، كما على رفض الاعتراف بأي مكتسبات على الأرض تتحقق نتيجة استخدام القوة، وعلى تسوية النزاعات بالطرق السلمية.

وكان من أهم ما أعلنته هذه المعاهدة هو أن الاستقلال السياسي للدول يختلف عن الاعتراف بها. فالاعتراف هو مجرد القبول بشخصية الدولة. وأن جميع الدول تقع على قدم المساواة قانونياً مع بعضها البعض، إضافة إلى رصانة الحقوق الأساسية للدول وعدم إمكانية انكشافها أو تعرضها للتأثير من أي سلوك ما، وأن تمتع الدول بهذه الحقوق يكون نتيجة بديهية لبقائها كدول.

وقد وقع على المعاهدة، التي دخلت حيز التنفيذ في العام 1934، كل من الأرجنتين وإلسلفادور وإيكوادور وأوروغواي وباراغواي والبرازيل  وبنما وبيرو وجمهورية الدومينيكان وشيلي وغواتيمالا وفنزويلا وكوبا وكولومبيا والمكسيك ونيكاراغوا وهاييتي وهندوراس والولايات المتحدة الأميركية.

عن المؤلف: 

رشيد الخالدي: أستاذ كرسي إدوارد سعيد للدراسات العربية في كلية التاريخ في جامعة كولومبيا، ورئيس تحرير مجلة الدراسات الفلسطينية (Journal of Palestine Studies) الصادرة بالإنكليزية في واشنطن.

اقرأ المزيد