الحرب الإسرائيلية المتجددة على غزة... الشعب الفلسطيني هو "كابوسهم"
التاريخ: 
24/07/2014
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
العدوان الإسرائيلي على غزة: حماس/إسرائيل: المواجهة الرابعة 2014/7/8 - 2014/8/31

مرة أُخرى، يتحول قطاع غزة إلى حقل رماية لآلة الحرب الإسرائيلية بأشرس ما تملك من أسلحة وأشدها فتكاً وتدميراً. وعنوان الحرب الجديدة، هذه المرة، هو محاربة صواريخ حركة "حماس" وأنفاقها، وخصوصاً بعد أن اكتشفوا أنها باتت تصل إلى قلب مواقعهم. وكالعادة، فإن هذا العنوان، أو الذريعة، هو مجرد غطاء لمشروع حرب معدّة ومقررة سابقاً، ينتظر المسؤولون الإسرائيليون الوقت الملائم من وجهة نظرهم كي تحقق أهدافاً أُخرى غير معبّر عنها، ومعظمها داخلي له علاقة بالتنافس بين أطراف اليمين المتطرف الإسرائيلي الحاكم في شأن مَن هو أشد تنكيلاً وعداء للشعب الفلسطيني، وبالتالي أشد حرصاً على منع تحقيق الفلسطينيين أياً من أهدافهم وتطلعاتهم الوطنية، وبعضها تاريخي وطويل الأمد له علاقة بالموقف من حقوق الشعب الفلسطيني.

إن المستهدف في الواقع ليس حماس حصراً، ولا مجمل التيار الإسلامي في قطاع غزة، أو، قبل ذلك، أنصار هذا التيار في الضفة الغربية، في إثر مقتل ثلاثة من المستوطنين اليهود الإسرائيليين هناك، بل إن المستهدف هو الشعب الفلسطيني بمجمله، وكذلك تطلعاته الوطنية التحررية. فالعدو، والكابوس، بالنسبة إلى الطاقم الصهيوني الحاكم هو هذا الشعب الفلسطيني الذي لا ينفك يرفض الاستسلام منذ أكثر من سبعين عاماً، ويأبى الرضوخ لقدر السيطرة الصهيونية الإسرائيلية على كل فلسطين، والتسليم بواقع كونه بات مجرد ضيفٍ غير مرحب به، بالنسبة إلى الأجيال المتعاقبة من المستوطنين الصهيونيين، في الأرض التي يأمل معظمهم بأن يستيقظوا يوماً ليجدوا أن هؤلاء "العرب" قد اختفوا وغابوا نهائياً عن أنظارهم، وتركوا لهم كل الأرض التي يعتقدون أنهم كسبوها في مقامراتهم وحملاتهم الحربية المتتالية منذ ستة وستين عاماً وأكثر.

والمحزن أنه، في الوقت الذي يسقط الأطفال والنساء والمسنون، والمدنيون عامة، في قطاع غزة بالمئات، وأحياناً تباد عائلات كاملة، تحت قذائف آلة الحرب الإسرائيلية، نسمع أصوات مسؤولين كبار من بعض العواصم الغربية تتحدث، بنفاق وصلافة، عن "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"؟ ضد مَن؟ ضد الفلسطينيين الذين شردتهم إسرائيل من قراهم ومدنهم وحشرتهم في قطاع غزة، وحاصرتهم وجوعتهم، والذين لا يملكون من السلاح واحداً من المليون مما تملكه الدولة الإسرائيلية المدججة بجميع أنواع الأسلحة، بما فيها أسلحة الدمار الشامل، والمدعومة بلا حساب ولا حدود من مخازن الحرب ومن مراكز القرار الأميركية.

ومشهد الحرب الجديدة التي تخوضها إسرائيل ضد قطاع غزة الضيق المساحة (أقل من 400 كيلومتر مربع)، والمتواضع الإمكانات الطبيعية، والمحروم من أبسط مقومات الحياة العادية، يذكّر بالحروب كلها التي خاضتها حكومات وزعامات "متخمة" من الدول الاستعمارية ضد الشعوب المستعمَرة الفقيرة ومحدودة القدرات في أنحاء العالم. إنها، حقاً، حرب المتخمين وأثرياء النهب الممنهج للأرض والموارد ضد "المستضعفين" و"البؤساء في الأرض" الذين ليس لهم ما يخسرونه، كما قيل، سوى قيودهم وسجونهم، الكبيرة والصغيرة، وعذاباتهم وانتهاكات حقوقهم وكرامتهم التي لا تنتهي، والذين لا يجدون في عالم ما زالت تحكمه صيغة متطورة من شريعة الغاب، مَن يردع أولئك المتخمين، على الرغم من ادعاءات الحضارة والديمقراطية كلها، واحترام حقوق الإنسان.

ولأن أهل غزة ليس لديهم ما يخسرونه، فإنهم يستبسلون في القتال ضد المعتدين بصدورهم العارية وسلاحهم الفردي البسيط، ويخوضون حرباً غير متكافئة. وهي حرب غير متكافئة لا في الميدان وعلى الأرض فحسب، بل في بعض الساحات الإعلامية أيضاً، التي ما زالت تقدم صورة مشوهة لهذه المواجهة غير المتكافئة كأنها حرب بين "اليهود المساكين" و"الغوييم المعادين للسامية"، أو بين الإسرائيليين "المتحضرين" والعرب والمسلمين "المتوحشين" و"الإرهابيين"، مع أن المشاهد والشهادات المباشرة والإحصاءات المعلنة حتى الأسبوع الثالث من الحرب تؤكد، وباعتراف جميع الأوساط المراقبة الجادة والمؤسسات الدولية المعنية، أن الضحايا الفلسطينيين هم، في أغلبيتهم، من المدنيين العزّل، والإصابات من الجانب الإسرائيلي هي كلها تقريباً من العسكريين. 

كم من الظلم الإضافي يجب أن يتحمل شعب فلسطين كي يتوصل الى إقرار دولي، فعلي غير نظري، بأن له الحق في الحياة الكريمة والحرة على أرض الوطن، الذي ليس له وطن غيره! 

المشكلة، في الواقع، هي استمرار أصحاب القرار والنفوذ في إسرائيل في إنكار أي حق للشعب الفلسطيني في وطنه، وخصوصاً حقه في الاستقلال والتحرر من قيود الاحتلال وإذلالاته.

فإذا كان أريئيل شارون قد سحب قواته ومستوطنيه من قطاع غزة في سنة 2005، فإنه لم يهدف من ذلك سوى إلى التخلص من كتلة بشرية لا يريد لها أن تدخل ضمن الحسابات الديموغرافية للأراضي التي تسعى إسرائيل للاحتفاظ بها تحت سيطرتها، بحيث لا تصل الأمور في وقت قريب إلى أن يتجاوز عدد العرب الفلسطينيين في مساحة فلسطين كلها بحدود ما قبل سنة 1948 (والتي يسمونها هم "أرض إسرائيل"!)، عدد اليهود الإسرائيليين. لكن شارون لم يرد بقراره هذا، قرار "الفصل الأحادي الجانب"، ترك قطاع غزة يتدبر شؤونه ويدير حياته، وإنما أراد إبقاءه محاصراً وتحت الرقابة والسيطرة الدائمة، براً وبحراً وجواً، وتحت سيف القصف والاغتيال والعقاب الجماعي، وخصوصاً إذا ما واصل تضامنه مع بقية شعبه، في أنحاء وطنه الأُخرى كما في أقطار اللجوء والشتات.

اختار شارون الخيار الأقل تكلفة، بشرياً واقتصادياً، للتحكم في قطاع غزة من خارجه، ولم يسلّم، طبعاً، بأي من حقوق الشعب الفلسطيني في وطنه. ونحن نعلم بأنه كان، طوال عقود طويلة، من أشد المتحمسين لنظرية "الوطن البديل" للفلسطينيين في الأردن. وكان يصرح بهذا علناً، بينما لم يكن غيره، من بعض أصحاب القرار في إسرائيل، يجرؤ على التصريح به: لا تنوي إسرائيل التخلي عن القدس الشرقية، ولا عن الضفة الغربية كلها، ولا تنوي أيضاً التخلي عن استمرار التحكم في مصير قطاع غزة. وإذا صرّح أحدهم بغير ذلك، وإذا ما سلّم حتى بنيامين نتنياهو بلفظة "الدولة الفلسطينية" في أحد خطبه، فذلك فقط في سياق التمويه والتغطية على النوايا الحقيقية، ولكسب مزيد من الوقت لمضاعفة أعداد المستوطنين اليهود الإسرائيليين في القدس الشرقية وأنحاء الضفة الغربية، بحيث يصبح الضم أمراً واقعاً غير قابل للرجوع عنه، وينتهي العرب والعالم، كما يأملون، بالتسليم بواقع لا قدرة لهم على التصدي له، ولا رغبة لديهم في تغييره.

لذلك يواجه شعب غزة الصامد والصابر والمكلوم، ومناضلوه ومقاوموه المقدامون الشجعان، في هذه الأيام الصعبة والمؤلمة والمجيدة، في آن واحد، مشروع الإلغاء الصهيوني كله، وجميع محاولات زعماء إسرائيل لإعادة إلغاء ما تحقق للشعب الفلسطيني من اعتراف مبدئي ونظري بالحقوق الوطنية في أنحاء العالم وفي المؤسسات الدولية، ولمواصلة الحؤول دون تحوّل هذا الاعتراف النظري إلى واقع فعلي على الأرض في أي أمد قريب.

طبعاً، لم تعد الأوضاع في العالم تتقبل كلاماً من نمط تصريح غولدا مئير الشهير لصحيفة "صنداي تايمز" في أواسط سنة 1969 بأن ليس هناك شيء اسمه شعب فلسطيني، أو كلام مناحم بيغن في أواخر سبعينيات القرن الماضي بأنه هو نفسه فلسطيني، وأن الآخرين، أي العرب الفلسطينيين، هم "عرب أرض إسرائيل"، وهو التعبير الذي أصر على تضمينه في نصوص وملاحق اتفاق كامب ديفيد قبل أكثر من ربع قرن.

لكن، للأسف، وعلى الرغم من جميع ما حققته نضالات الشعب الفلسطيني وتضحياته المتواصلة منذ أكثر من أربعة عقود، فإنه ما زال ممكناً إنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية بالممارسة وعلى الأرض، مع الادعاء، علناً ولفظياً فقط، بالإقرار بأي شكل من أشكالها: الموقف ليس موقف إسرائيل وحدها، بل إنه موقف الكتلة المسيطرة على القرار والنفوذ في الدولة الأقوى في العالم، والحليف الأول للدولة الإسرائيلية، الولايات المتحدة أيضاً. ولذلك تستمر عذابات الشعب الفلسطيني، وتتواصل المذابح التي يتعرض لها، بالجملة والمفرق، في قطاع غزة، كما في القدس الشرقية، فضلاً عن عذابات ومآسٍ لا نهاية لها لتجمعات المشردين الفلسطينيين خارج وطنهم، إلى جانب الاضطهاد القومي والعنصري المتزايد ضد العرب الفلسطينيين الذين بقوا في مدنهم وقراهم وفوق أرضهم عندما أقامت الحركة الصهيونية دولتها في سنة 1948.

 لذلك، وعلى الأغلب، لن تكون حرب صيف سنة 2014 على شعب غزة الأخيرة ضد القطاع، أو ضد تجمعات الشعب الفلسطيني الأُخرى. وستتواصل حرب الإبادة السياسية (والبشرية بين حين وآخر) للشعب الفلسطيني ما دام هناك أطراف دولية مؤثرة ما زالت تنظر إلى الطرف المعتدي والمتجبّر على أنه "يدافع عن نفسه"، ولا تنظر إلى جموع الفقراء والبؤساء في قطاع غزة، وغيرهم من تجمعات الشعب الفلسطيني، إلاّ بنظرة "المتخمين" الذين يعتقدون أن صدقاتهم المحدودة تشتري لهم صمت هؤلاء الناس وخنوعهم، الذين تحمّلوا ما يكفي من الظلم والمهانة طوال عقود طويلة، والذين لا بد من التعامل معهم كبشر لهم حقوق، ولهم كرامة، ولهم حق في الحياة الحرة في أرض وطنهم، كغيرهم من شعوب العالم.

عن المؤلف: 

داود تلحمي: كاتب وصحافي فلسطيني.

اقرأ المزيد