غزة: معركة بحجم حرب
التاريخ: 
25/07/2014
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
العدوان الإسرائيلي على غزة: حماس/إسرائيل: المواجهة الرابعة 2014/7/8 - 2014/8/31

 

مغامرة هي الكتابة عن حدث جارٍ ومتغير ويحمل مفاجآت على مدار الساعة. غزة تحت عدوان "الجرف الصامد" في لغة الإسرائيلي، و"العصف المأكول" في تسمية المقاومة الفلسطينية، وهو معركة أُخرى في سلسلة من الاعتداءات، لكن هذا العدوان يرقى إلى حرب بأهدافه الإسرائيلية كما الفلسطينية، ويحمل في يومياته الدموية مفاجآت غير محسوبة لكل من:

1 - إسرائيل التي ترتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية على مدى 18 يوماً منذ عدوانها على القطاع (حتى تاريخ كتابة هذه النص)، والتي أعلنت أهداف معركتها/حربها أنها لن تقبل، كما يصرح مسؤولوها، بأقل من تجريد المقاومة من سلاحها؛ وبالخفاء، في مسعى لتصفية القضية الفلسطينية عبر تجريد القطاع من وسائل قوته بعدما خمدت الضفة الغربية تحت وهم "سلام أوسلو" و"بناء أسس الدولة/الوهم".

2 - المقاومة التي استعدت للمعركة بصبر وهدوء وعزيمة، طوال 9 أعوام من الحصار المحكم على قطاع غزة، متجاوزة سلسلة اعتداءات بدأت بـ "الرصاص المسكوب" (27 كانون الأول/ديسمبر 2008 إلى 18 كانون الثاني/يناير 2009)، و"عمود السحاب" (14 تشرين الثاني/نوفمبر إلى 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2012)، وغيرهما من عمليات الاغتيال (المستهدِفة) والقصف المحدود، بين كل عملية من العمليات الكبرى ضد القطاع، وما ينتج من ذلك من قتل الإنسان الفلسطيني جسداً ومعيشة يومية، وهي لن تقبل بأقل من رفع الحصار الكامل عن قطاع غزة.

3 – القيادة السياسية للشعب الفلسطيني التي انتقلت من فكرة الدولة (المفترضة)/المقاومة إلى فكرة الدولة (الموهومة) بعيداً عن أي مقاومة، حتى الشعبية منها، والتي بدأت في الجولة الجديدة هذه بالوساطة لدى دول إقليمية للضغط على المقاومة في غزة لقبول "المبادرة" المصرية.

4 - القوى العربية والإقليمية المشغولة بإعادة ترتيب الوضع الداخلي بعد اضطرابات "الربيع العربي" المغدور؛ أو بحروب تمتد من سورية إلى العراق فليبيا واليمن، وليس انتهاء بأفغانستان، وهي قوى إمّا أنها دعمت ضمناً الاعتداء الإسرائيلي، أو لم تناصر الفلسطينيين، وإمّا اكتفت بخطابات التأييد للفلسطينيين والتنديد بالإسرائيليين!!

5 – المجتمع الدولي الذي منحت حكوماته إسرائيل في عدوانها، الجارية فصوله، غطاء شاملاً لم تحصل عليه تل أبيب في أي من معاركها وحروبها السابقة: الشاملة منها، والمحدودة، أملاً بكسر المقاومة الفلسطينية التي لم يعد في المنطقة ممانع غيرها لسياسة الغرب العاملة على تفتيت الدول العربية وشرذمتها.

I

إسرائيل:

السبب الذي تذرعت به إسرائيل للتمهيد لعدوان "الجرف الصامد" مماثل لذاك الذي شهرته في سنة 1982 كذريعة لاجتياح لبنان (عملية السلام للجليل)، وتمثل في زعم أن الفلسطينيين حاولوا اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن، وهو ادعاء ظهر سريعاً أنه كاذب ومفتعل من جانب "الموساد". والسبب الأخير كان مقتل 3 مراهقين إسرائيليين واكتشاف جثثهم في منطقة الخليل في الضفة الغربية، لكن من دون أن تعلن أي جهة فلسطينية مسؤوليتها. واللافت أن قناة التلفزة الألمانية “ZDF” بثت أخيراً تقريراً فحواه أن قتل المراهقين الإسرائيليين كان عملية جنائية ليس لها أي بعد قومي، وأن جهاز الاستخبارات الإسرائيلية الداخلي "الشين بيت" يعرف ذلك.

بغض النظر عن المزاعم، فإن الثابت هو العملية العسكرية التي يشنها الجيش الإسرائيلي بغطاء دولي قلّ نظيره، وبتأييد كبير من الشارع الإسرائيلي افتقدته أي من العمليات العدوانية السابقة. وربما دفع هذان العنصران الحكومة الإسرائيلية إلى رفع سقف الاستهدافات إلى حد الإصرار على نزع سلاح القطاع. وتتدرج العملية العسكرية في ثلاث مراحل: قصف تدميري يقوض القوة الصاروخية للمقاومة؛ اجتياح بري على مرحلتين: التوغل في المناطق غير الآهلة والتمركز حولها لقطع أوصال القطاع، ثم الانقضاض على المناطق الآهلة لضرب قدرة المقاومة القيادية.

في اليوم السابع عشر للعدوان، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعالون، الدخول في المرحلة الثالثة من عملية "الجرف الصامد". وفي اليوم نفسه كان الجيش الإسرائيلي يعترف بسقوط 3 جنود قتلى، ليصل عددهم إلى 32 جندياً وفق الرواية الإسرائيلية و55 جندياً، على الأقل، وفق إحصاءات المقاومة، لكن في المقابل، كانت الصواريخ لا تزال فعّالة، وقد تسببت بإغلاق الأجواء الإسرائيلية، وبوقف رحلات شركات الطيران الدولية على الرغم من تدخل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لدى وزير الخارجية الأميركية جون كيري للطلب من الشركات الأميركية استئناف رحلاتها إلى مطار بن - غوريون.

وفي اليوم الثامن عشر، بدت صورة التضامن الداخلي الإسرائيلي متخلخلة، تعكسها تعليقات ومقالات وتقارير وسائل الإعلام، على الرغم من الرقابة العسكرية المفروضة، فتبدو يائسة من إمكان تحقيق أهداف العدوان، وهي عملياً كانت تحدثت في اليوم السابع عشر عن "فشل" العملية العسكرية، الأمر الذي غطى على الصور التي تم تداولها في اليومين الخمس عشر والسادس عشر في وسائل الإعلام الاسرائيلية، لمستوطنين جالسين باسترخاء قبالة قطاع غزة، يتفرجون على حمم النيران تحرق أجساد أطفال الشجاعية.

على الرغم من ذلك، فإن قرار الحكومة الإسرائيلية، حتى اليوم الثامن عشر، كان الذهاب بالمعركة حتى نهايتها، وتحقيق الأهداف المعلنة منها، إذا لم يكن في الإمكان تحقيق الأهداف المضمرة للعدوان.

II

المقاومة الفلسطينية:

أظهرت المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة قدرة مميزة على تصميم دفاعات تحت أرضية وفوق أرضية لمواجهة العدوان الإسرائيلي، وبفارق سنتين عن آخر عملية عسكرية كبيرة كانت شنتها قوات الاحتلال على القطاع. وثمة من يقول إن الأنفاق التي حفرها مهندسو "كتائب عزالدين القسام" يبلغ عمق بعضها 25 متراً، وهي تتسع لتحركات عسكرية كبيرة، وجرى ربطها بعضها ببعض، وحُفرت أنفاق تتفرع من الرئيسية، بحيث بات قطاع غزة قطاعين: أحدهما فوق الأرض يمكن لإسرائيل مسحه من الوجود، والدليل على ذلك تصريحها بأنها استخدمت في قصف حي الشجاعية 150 قنبلة ثقيلة من عيار طن؛ أي 150 طناً من المتفجرات كانت كفيلة بإزالة ثلث الحي تماماً، وبتدمير وإلحاق أضرار كبيرة بالثلثين الآخرين؛ "القطاع" الثاني هو تحت الأرض، وقد فشلت إسرائيل في تعطيل حركته على الرغم من اكتشافها بضعة أنفاق "هجومية" على حدود القطاع مع الأراضي المحتلة منذ سنة 1948. أمّا القوة الصاروخية التي بنيت قواعدها المتحركة تحت الأرض، فإنها أثبتت قدرتها على إزعاج الإسرائيليين على امتداد فلسطين، من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، وتمكنت المقاومة من استخدامها حتى بعد توغل قوات الاحتلال داخل القطاع، وقد فرضت إقفال الأجواء الإسرائيلية ودفعت شركات الطيران المدني العالمية إلى وقف رحلاتها إلى إسرائيل.

لكن، وربما الأكثر تأثيراً في دعم صمود المقاومة كونها تبنت مطالب الغزيين، وليس العكس.

قالت الصحافية الاستقصائية المستقلة، ميسرة شعبان، في اتصال هاتفي مع كاتب المقالة هذه، والتي كانت موجودة وسط عائلات مهجرة في إحدى المدارس بمدينة غزة، إن أهل غزة ملّوا من أن تشن إسرائيل عدواناً كل عامين، وأن يبقوا في حالة حصار دائم. وتضيف، صحيح أن حجم الخسائر البشرية والمادية هائل، لكن الناس يصرون على أن الموت أقل هولاً من العودة إلى حالة الحصار والتعرض الدائم للاعتداءات، وأنهم هم من دفعوا المقاومة إلى تبني هدف رفع الحصار كاملاً عن غزة، أو لا هدنة.

III

القيادة الفلسطينية:

تخلّت القيادة الفلسطينية، منذ تولي الرئيس محمود عباس زمامها (منظمة وسلطة)، عن فكرة المقاومة كمكون أساسي لعقيدتها، وبات التفاوض وسيلة تطورت لتصبح استراتيجيا بحد ذاتها: فالبديل من التفاوض.. التفاوض!! كما صرح غير مرة رئيس السلطة، وبالتالي تخلت عن عنصر قوة، ولم تنتج في السياسة ما يعوض عن تخليها هذا. فإسرائيل غير المستعدة لإعطاء حد أدنى من طوق نجاة لتلك القيادة، جعلت من العملية السياسية مجرد حفاظ على هياكل إدارية في الضفة الغربية يشغلها أكثر من 100,000 موظف يعتمدون على الهبات الدولية والعربية وقليلاً من مردودات الرسوم الجمركية التي تتحكم إسرائيل في حركتها. فارتبط الموقف السياسي للسلطة بإرادة المانحين الدوليين والعرب وأهوائهم السياسية، وجزئياً وبدرجة أقل كثيراً بعائدات الضرائب المتحكم فيها إسرائيلياً. فضلاً عن ذلك، فإن تلك القيادة اصطفت سياسياً وراء "الاعتدال" العربي، وإن حافظت جزئياً على هامش مع "الممانعة"، وخصوصاً من خلال حيادها في المسألة السورية (المائل قليلاً نحو نظام بشار الأسد)، وفي تطورات "الربيع العربي" التي شهدت صعوداً سريعاً للإسلام السني السياسي، وهبوطاً أكثر سرعة له، ولا سيما في مصر، إذ كانت مجموعة الرئيس عباس تتوجس من حكم الإخوان المسلمين الذي دعم "حماس" كجزء من حركة الجماعة الدولية، وبالتالي فإنها ارتاحت لإسقاط حكمهم ووصول العسكر مجدداً إلى سدة الحكم.

وسط هذه الأجواء والتطورات، جاء عدوان "الجرف الصامد" فاتخذت هذه المجموعة موقفاً تبنت بموجبه، المبادرة المصرية التي جوهرها تقويض المقاومة في غزة، باعتبارها مطلباً فلسطينياً، معتقدة أن العدوان سيحقق أهدافه خلال فترة قصيرة. لكنها تنبهت بعد أيام قليلة إلى أن المقاومة في غزة كانت مستعدة، وأنها لن تُكسر بسهولة، وأن الرأي العام في قطاع غزة، والذي كان يميل وهو تحت الحصار، أكثر إلى "فتح" (كحزب معارضة في القطاع)، وفي الضفة الغربية (الرافضة لتكرار تجربة غزة)، بات يصب في مصلحة المقاومة، بل إن القاعدة الجماهيرية العريضة لحركة "فتح" باتت عاملاً ضاغطاً على القيادة لتبني مطالب المقاومة في غزة. عند هذه النقطة، مضافاً إليها عدم استعداد مصر لتعديل مبادرتها، تحوّل الخطاب الرسمي في رام الله من منتقد لـ "حماس" إلى متبنٍ لمطالب المقاومة، إلى جانب مطالب أُخرى، كإطلاق الدفعة الرابعة من الأسرى وفق اتفاق تمديد المفاوضات، وهو اتفاق لم تلتزمه إسرائيل.

IV

القوى العربية والإقليمية:

انقسمت المنطقة بين منتقد لـ"حماس" والمقاومة يحملهما المسؤولية عما يجري من نهر دماء في غزة، وبين داعم لفظي لهما وغارق في أوحال الحروب الداخلية العربية - العربية، أو مزاود ينتهز فرصة لنيل بعض المكاسب بعدما فقد كثيراً من تأثيره بسبب التطورات في المنطقة العربية.

وبينما كانت التصريحات السياسية واضحة في هذا المضمار، إلاّ إن انعكاس المواقف بيّنته وسائل الإعلام كما يلي: مغالاة في تصوير انتصارات المقاومة على قناة "الجزيرة"؛ شبه تجاهل، بل تحميل غزة المسؤولية عن المذابح على قناة "العربية"، ومؤيدة علناً لإسرائيل مثل بعض القنوات الفضائية الخاصة المصرية.

ربما كان طرفا المعادلة الإقليمية ووسائل إعلامهما يعتقدان أن المعركة ستضع أوزارها في بضعة أيام، فيكمل أحدهما ملاحقة المقاومة في غزة لإنهائها سياسياً، ويمجد ثانيهما المقاومة ويشهر الوضع سلاحاً في معركته مع الأول... كما جرت العادة. لكن قدرة المقاومة على الاستمرار في المواجهة الميدانية المباشرة، بل قدرتها على المبادرة في القتال الأرضي، فضلاً عن تمكنها من مواصلة إطلاق الصواريخ على أهداف بعيدة المدى، وتوحد الرأي العام الفلسطيني مجدداً خلفها، دفع المنتقدين إلى تخفيف انتقاداتهم، والعودة إلى إبراز أخبار غزة في مقدمة النشرات الإخبارية "المعتدلة"، وما قد يعنيه ذلك من احتمال تغيير في الموقف السياسي لاحقاً أيضاً.

V

المجتمع الدولي:

ربما هي المرة الأولى التي تصطف حكومات الغرب كلها، وحتى بعض حكومات الشرق، ضد الفلسطينيين في معركة بادرت إليها إسرائيل. ولم توجد حتى دولة واحدة تنتقد "الرد غير المتوازن" لإسرائيل على المقاومة الفلسطينية. إذ أعلنت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وقوفها خلف إسرائيل بلا تحفظ، ودانت الأمم المتحدة إطلاق الصواريخ وحمّلت فصائل المقاومة الفلسطينية المسؤولية، وحايدت روسيا في موقفها، لكن بميل قليل نحو إسرائيل، وجاهر الكل بدعم مطلب إسرائيل تجريد غزة من السلاح.

كان الغرب يعتقد، مثل إسرائيل وكل الإقليم، أن في الإمكان حسم المعركة سريعاً، وأن الانشغال العربي بحروب "داحس والغبراء" في سورية وليبيا واليمن والعراق، وبزوغ نجم التطرف "الإسلامي" ممثلاً بـ"داعش" وممارساتها القذرة بحق المدنيين وطردها المسيحيين من الموصل في العراق، أمور كلها ستساهم في أن الرأي العام الغربي لن يناصر هذه المرة الفلسطينيين.

تلك الرهانات خابت: فلا إسرائيل حسمت؛ ولا "داعش" وممارساتها غطت على الدم الفلسطيني والانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان في غزة وجرائم الحرب المرتكبة. وفي فرنسا التي منعت حكومتها التظاهرات المؤيدة للفلسطينيين، تحدى الفرنسيون والعرب الحظر وتظاهروا بالآلاف في مختلف المدن، وأجبروا الحكومة على التراجع عن قرارها بمنع التظاهر. كما نُظمت تظاهرات في لندن وواشنطن ونيويورك وسيدني والعواصم الاسكندنافية ووارسو، تنديداً بجرائم إسرائيل وبتأييد الحكومات جرائم الاحتلال.

VI

خلاصة:

يبدو طرفا معركة "الجرف الصامد" أو "العصف المأكول" أمام واقع لا يسمح لأحدهما بالتراجع عن كل أهدافه:

فتراجع إسرائيل عن هدف تجريد غزة من السلاح، في حين هي تحظى بغطاء دولي غير مسبوق، يعني انكساراً استراتيجياً إسرائيلياً، ونهاية حقيقية لـ "الجيش الذي لا يقهر" ولـ "الاستراتيجيات العسكرية التقليدية" المعتمدة على التفوق التكنولوجي. وهذا أمر يستدعي تغيير العقائد العسكرية لكل الجيوش الحديثة التي تعتمد على التفوق التكنولوجي. كما أن ذلك يعني خسارة ما حققته إسرائيل من تراكم انتصارات تاريخية على القيادة الفلسطينية الرسمية عبر عزلها عن فكرة المقاومة من جهة، وعزل الضفة الغربية عن غزة، وتدجين للفلسطينيين في الضفة الذين باتوا يرتبطون بوظائفهم بالسلطة الفلسطينية ويتمسكون بها كقدرهم من جهة أُخرى. وبالتالي فإن ذلك قد يعيد إلى الفلسطينيين الأمل بأن المقاومة قادرة على تحقيق ما عجزت عنه السياسة، ويتوحدون أخيراً حولها كأحد الخيارات الضروية، إلى جانب أي من الخيارات الأُخرى، بحيث لا يطغى واحد فيها على الآخر.

إن انكساراً إسرائيلياً في غزة، سيعيد خلط الأوراق الداخلية في إسرائيل، وقد يفاقم، بصورة خاصة، التجاذبات بين اليمين المتطرف الحاكم واليمين الأكثر تطرفاً في اتجاه تناحر سياسي، كما قد يخلق تجاذبات ضمن المجتمع الإسرائيلي الذي يبدو متماسكاً بفعل الضعف الفلسطيني والتشرذم العربي.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن عدم قدرة إسرائيل على تحقيق هدف نزع سلاح غزة، فضلاً عن توحد الفلسطينيين مجدداً وراء خيار المقاومة، يعطي أملاً بالمستقبل لشعوب المنطقة المتشرذمة نتيجة ارتدادات الغزو الأميركي للعراق في سنة 2003 و"الربيع العربي" الذي ساد المنطقة في سنة 2011، وغُدر به اعتباراً من سنة 2013، عبر التخلي عن "الثورة السورية" وتسليمها إلى "التطرف الإسلامي" وعودة "حكم العسكر" إلى مصر، واستشراء الظاهرة "الداعشية" و"الطوائفية" في العراق، ويمنح من لا يزال يتمسك بفكرة "الأمة العربية" و"الوطنية" و"التحرر" أملاً جديداً. ووضع كهذا لا يلائم إسرائيل، ولا الدول الغربية الداعمة لها.

في المقابل، فإن انكسار غزة لن يترك أثره في القطاع الذي ستتفاقم معاناة أهله فحسب، بل سيؤدي أيضاً إلى تصفية نهائية للقضية الفلسطينية، لأن غزة هي المتراس الأخير، وبعده لن تقوم قيامة للقضية، وستصبح المسألة مجرد علاج موضعي دولي لقضية اللاجئين في دول الجوار: عبر توطينهم أو هجرتهم!!

في المقارنة بين المأزقين، فإن غياب أي مخرج للفلسطينيين يدفعهم إلى التمسك بمطالبهم، لأن من دون تحقيقها ثمة تصفية وجودية لهم بكل معنى الكلمة؛ بينما تمتلك إسرائيل كثيراً من المخارج، ولا سيما أنها غير مهددة بوجودها، إنما بوجهتها السياسية الداخلية اليمينية المتطرفة.

عن المؤلف: 

أنيس محسن: سكرتير تحرير "مجلة الدراسات الفلسطينية".

اقرأ المزيد