مَن المنتصر في هذه الجولة؟
التاريخ: 
14/08/2014
المؤلف: 
سلسلة خاصة: 
العدوان الإسرائيلي على غزة: حماس/إسرائيل: المواجهة الرابعة 2014/7/8 - 2014/8/31

 

*   تمتعت إسرائيل في الحرب العدوانية على قطاع غزة ("الجرف الصامد") بإجازة قتل من الدول الكبرى بدءاً بالولايات المتحدة الأميركية مروراً بأوروبا الغربية وانتهاء بروسيا. حملت الإجازة شعار "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" التي استلهمها باراك أوباما من بنيامين نتنياهو وسوّقها، مع مساعده جون كيري، لدى زملائه قادة العالم: فرنسوا هولاند، وديفيد كاميرون، وأنجيلا ميركل، وفلاديمير بوتين، الذين لم يشرحوا لشعوبهم معنى حق دولة محتلة في الدفاع عن نفسها إزاء شعب يقع تحت احتلالها. فمن البديهي أن المحتل هو الطرف الأقوى وأن الشعب تحت الاحتلال هو الطرف الأضعف، وله في القانون الدولي والإنساني، حقوق على دولة الاحتلال أضاف إليها قادة الدول الكبرى حق "التأديب" على شكل قدر من القتل والتدمير.

لكن، غير واضح "حد القتل والتدمير" الذي يجب أن تلتزم به الدولة المحتلة في بطشها ضد الشعب الذي تحتله: مثلاً: تدمير ألف، ألفي مبنى؟ قتل ألف، ألفي مدني؟ كم طفل؟ كم امرأة؟

ليس هناك حد مرسوم سلفاً (ضمن ما يسمى قواعد اللعبة!) لكنه يبدأ بالتكوّن بالتزامن مع ارتفاع أصوات مجالس حقوق الإنسان الأممية وتظاهرات الشجب الشعبية في عواصم العالم الخ. وصادف أن سُمعت "أصوات الشعوب" عندما بلغ عدد القتلى في غزة نحو ألفين، وعدد الجرحى نحو عشرة آلاف بلغ عدد الأطفال والنساء منهم رقماً قياسياً، وعدد المباني المهدمة نحو عشرة آلاف منزل تدميراً كاملاً و 30,000 منزل تدميراً جزئياً.

*   في هذا الوقت، أي بعد 27 يوماً من حملة "التأديب الإسرائيلية" للشعب الفلسطيني (قطاع غزة) وكانت قد سبقتها "زيارة خاطفة" للجيش الإسرائيلي إلى مدن الضفة والقدس سقط فيها أكثر من أربعين شهيداً، ونقل العشرات "لاستضافتهم" في السجون الإسرائيلية حيث "وجبات التأديب" متنوعة وبعضها جديد ومبتكر. رأى نتنياهو وأركانه وزير الدفاع موشيه يعالون ورئيس الأركان بني غانتس أن من مصلحة الجيش الإسرائيلي أن يتموضع على أطراف القطاع وأن يراقب حركة صواريخ "حماس" لصدها إذا عادت إلى العمل بواسطة طواقم "القبة" المستنفرة. في هذا الوقت يكون أهالي غزة قد خرجوا ليروا هول ما حدث فـ "يكتوي وعيهم". وإذا احتاجوا إلى جرعات أخرى، تنطلق المقاتلات الإسرائيلية لتقنع مَن لم يقتنع بعد. وهذا ما حدث بين 8 و 10 آب/أغسطس بين وقفين لإطلاق النار، فارتفع عدد القتلى وعدد المشردين وعدد الأبنية المدمرة في القطاع إلى أرقام جديدة.

*   صمت السلاح، فانطلق رجال الفكر والبحث في سباق حماسي: مَن انتصر ومَن فشل في هذه الجولة من الحرب الإسرائيلية المفتوحة لـ "كي وعي" الشعب الفلسطيني حتى بلوغ استسلامه. ولم يقل الإسرائيليون في أي وقت للعالم الذي لم يسألهم بدوره: لنفترض أن الشعب الفلسطيني استسلم، ماذا ستفعلون به؟ الإسرائيليون لم يتفقوا على: ماذا نفعل بالفلسطينيين بعد استسلامهم؟ يدور الكلام على مشاريع عديدة ينقصها الوضوح والتحديد وتتراوح بين "توزيع الأشلاء المتبقية" بعد حروب القتل على الوجه التالي: اللاجئون يبقون في شتاتهم، دولة فلسطينية في غزة وبعض سيناء، توزيع ما يتبقى على الدولة الأردنية (بعض الضفة) ومصر (القطاع) ولم  يستقر الإسرائيليون على رأي. لكن بعض المفكرين الإسرائيليين ينتبهون إلى أن مسلسل الحروب على الشعب الفلسطيني لا يكوي وعي الفلسطينيين وحدهم، بل وعي الإسرائيليين أيضاً، وأن كل هذه الحروب، بكل ما تحمل من مآس وكوارث تنتهي إلى عبثية بطش السلاح، وأن التسوية السياسية وحدها تريح أفرقاء الصراع. انتصر الإسرائيليون (بحسب منطقهم) في كل الحروب ولم يحلوا المشكلة سبب الصراع بل عمّقوا تشوّهات شعبهم (ارتفاع ملحوظ في أمراض العنصرية، والعدوانية، والتطرف)، وحقق الفلسطينيون انتصارات جزئية في هذه الحروب أو تلك (بحسب منطقهم أيضاً) لكن إسرائيل لا تزال دولة مزدهرة وقوية وذات أنياب نووية.

ما الحل إذن؟ مزيد من القتل والتدمير من جانب إسرائيل؟ ومزيد من الصواريخ والأنفاق من الجانب الفلسطيني؟  أم تسوية سياسية تمنح الفلسطينيين حقهم المشروع في دولة؟

*   شنت إسرائيل عدوانها، الذي لا يزال قائماً، على الشعب الفلسطيني لهدف رئيسي وأهداف ثانوية. ويعنيني الآن وهنا الهدف الرئيسي: إفشال وحدة الضفة وغزة والقضاء على حكومة الوفاق الوطني. ينتصر الشعب الفلسطيني في هذه الحرب إذا خرج منها وقد تحولت الوحدة بين الضفة وغزة إلى أقوى مما كانت عليه قبل الانفصال عام 2007 وتحولت حكومة الوحدة الوطنية إلى حكومة وحدة حقيقية تبسط سلطتها الكاملة على كامل الضفة والقطاع. أن ينتخب الشعب ممثليه، وأن يحيي مؤسساته وأن يعهد إليها أن تقرر أشكال نضاله السلمي والمسلح حتى يحقق هدفه في إقامة دولته المستقلة على كامل الضفة والقطاع وعاصمتها القدس الشرقية، دون انتقاص، أو مبادلة. وسوف ينتصر عندما يكوي نضاله وعي الشعب الإسرائيلي فيسلّم بأن استعماره، الوحيد في العالم، إلى زوال.

وتذهب تضحيات الشعب الفلسطيني في هذا العدوان الهمجي المدمر هدراً، إذا ما عاد الوضع إلى ما كان عليه عند بدء العدوان، أي حكومة وحدة وطنية شكلية فيما يبقى الانفصال بين الضفة والقطاع على حاله.

عن المؤلف: 

محمود سويد: مدير عام مؤسسة الدراسات الفلسطينية ورئيس تحرير "مجلة الدراسات الفلسطينية".

اقرأ المزيد