الكلُّ في غزة ينزف حتى الصورةُ والقلم
التاريخ: 
11/08/2014
سلسلة خاصة: 
العدوان الإسرائيلي على غزة: حماس/إسرائيل: المواجهة الرابعة 2014/7/8 - 2014/8/31

 بينما كانت الحرب بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي تستعر ويزيد أُوارها، كان هناك حرب أُخرى لا تقل ضراوة وخطورة، هي حرب الكلمة.. حرب الحقيقة وسلاحها القلم، إذ حتى لحظة إعداد هذا التقرير سُجل استشهاد نحو 13 صحافياً في استهدافات مباشرة وغير مباشرة من طائرات الاحتلال الإسرائيلي، وإصابة 20 صحافية وصحافياً بإصابات متنوعة في غارات جوية إسرائيلية على القطاع، في حين دُمر 11 منزلاً يعود إلى عدد من الصحافيين نتيجة القصف الجوي، وتضرر 12 مكتباً ومؤسسة إعلامية بأضرار جسيمة، إمّا باستهداف مباشر، وإمّا بسبب مجاورتهم لما بات يعرف بالأهداف الإسرائيلية المرصودة، أو بأهداف الفرصة عبر طائرات الاستطلاع. 

بداية النهاية

في اليوم الـ 24 للحرب توجه محمود القصاص، وهو شاب في منتصف العشرينيات من العمر ويعمل مراسلاً لصحيفة "الاستقلال"، الصادرة في غزة وتوزع أيضاً في الضفة الغربية، برفقة زميليه، الشاب رامي ريان الذي يعمل مصوراً للشبكة الفلسطينية للإعلام، والصديق حامد الشوبكي، وثلاثتهم يعملون في المجال الصحافي وتغطية أخبار العدوان.

رامي الريان

يقول القصاص إن الاحتلال كاره للحقيقة ويحب الدماء. ويضيف: "جاءتنا إشارة باستهداف الاحتلال لمتجر شرقي غزة يعود إلى عائلة الحتو، وكذلك لمنزل مقابل لآل السلك عصر اليوم. وعلى الفور توجهنا في سيارة مدنية تحمل إشارات الصحافة، وذهبنا كلنا إلى الوجهة ذاتها، ثم افترقنا. واختار القصاص مخزن عائلة الحتو، بينما اختار صديقه رامي ريان منزل عائلة السلك.

ويؤكد القصاص، الذي أوضح أنه يعمل أيضاً مصوراً غير متفرغ لوكالة أنباء أميركية، أنه وبمجرد وول الطواقم الطبية والصحافية أطلق الاحتلال قذيفة مدفعية أُخرى أدت إلى مقتل ثلاثة مصورين على الفور، وكذلك إلى مقتل مصور قناة الأقصى الفضائية سامح العريان، مع أن الطواقم الصحافية كلها كانت تلبس الدروع الواقية وخوذ الرأس، لكن بلا جدوى.

ويتابع القصاص أنه حاول الابتعاد عن مكان الاستهداف، لكن قذيفة إسرائيلية عاجلته، فأصيب بشظايا في مختلف أنحاء جسمه، إلاّ إن هذا لم يمنعه من الزحف في محاولة أخيرة للخروج من المكان الذي صار يعج بعشرات الشهداء والجرحى، وبات يشعر هو بأن الدم ينزف من جميع أنحاء جسمه من دون أن يحدد درجة خطورة الإصابة، حتى تمكّن المسعفون من الوصول إليه وإسعافه ونقله إلى المستشفى.

مفترق طرق

على الرغم من إصابة القصاص فإنه لم يغب عن الوعي في إصرار مثير للدهشة، وأيضاً القذائف المدفعية لم تغب عن الميدان في إصرار مقيت على القتل الممنهج، بينما لم تغب كذلك الطواقم الطبية عن ساحة المجزرة في إصرار على إنقاذ ما يمكن إنقاذه، في تجمع ثلاثي فريد في نوعه.

محمود القصاص

ويمضي القصاص بالقول أنه وبعد إعياء شديد اضطر إلى ترك كاميرا التصوير الخاصة به، ونقلته الطواقم الطبية مع آخرين إلى مستشفى دار الشفاء في غزة، أي المستشفى الأم لمشافي القطاع كافة، وهناك تم إجراء عملية جراحية في رأسه واستخراج ما أمكن من الشظايا العالقة. وأوضح أن الأطباء لا يستطيعون استخراج شظايا أكثر من ذلك بسبب دقة موقع الإصابة وقلة الإمكانات، وأنهم بصدد إعداد الترتيبات له للسفر إمّا إلى تركيا، وإمّا إلى الأردن لاستكمال رحلة العلاج. أمّا صديقه المقرب رامي ريان الذي يبلغ 24 عاماً فقد استشهد في المكان بعد إصابته إصابة خطرة، وقد أكد القصاص أن صديقه كان يلبس الدرع الواقي والخوذة الصحافية. وأمّا الصديق الثالث حامد الشوبكي فبُترت قدماه وهو الآن في إستانبول لتلقي العلاج. وهكذا انتهت حكاية ثلاثة من الرفقاء بدأت بكلمة واختُتمت بالصورة.

بداية النزيف

باكورة استهداف الصحافيين وغيرهم من الطواقم العاملة، بخلاف المقاومة، كانت في 9 تموز/يوليو، أي في اليوم الثاني للعدوان، إذ استشهد سائق سيارة وكالة ميديا 24 حامد شهاب وأصيب 10 آخرون في استهداف سيارة للوكالة قرب ميدان الجندي المجهول في وسط غزة. وعلى الرغم من أن السيارة تحمل شعارات الصحافة وإشاراتها، فإن الاستهداف كان مباشراً بواسطة طائرة مقاتلة بلا طيار أدت إلى استشهاد شهاب على الفور.

استمرت أيام العدوان حتى لحظة إعداد هذا التحقيق، وتواصل معها القصف الذي طال كل جوانب الحياة في قطاع غزة، بدءاً بالمستشفيات والمساجد وليس آخرها المؤسسات العامة، أو المدارس ومراكز الإيواء.

استهداف الفجر

ويتّبع الاحتلال وفق شهود عيان أكثر من طريقة في شن هجماته. ففي الحالة التي يرغب هو في تصفية أحد المطلوبين لديه لا يقوم، بحسب مراقبة الغزيين[1]، بالتحذير، بل يوجه ضربات مباشرة. أمّا إن كان يرغب في تكبيد غزة خسائر غير بشرية، فهنا يتواصل الجيش مع أحد السكان الموجودين في المنطقة. وقد لا تنطبق القاعدة هذه في كثير من الاستهدافات، ولا تُعرف حقيقة الاستهداف.

وفي السياق ذاته، يؤكد مازن البلبيسي، مراسل قناة الاتجاه السعودية ومدير قسم الفيديو في الوكالة الوطنية للأنباء، والذي كان موجوداً في برج الشروق الذي يعد من أكبر الأبراج السكنية في غزة ويضم عدداً كبيراً من المؤسسات الإعلامية، أنهم في اليوم الـ 17 للعدوان كانوا يواصلون العمل حتى ساعات الصباح الأولى، وكان هناك، بحسب البلبيسي، أكثر من 30 صحافياً وصحافية داخل المبنى، وتفاجأ الجميع بصاروخ من طائرة استطلاع يتجه نحو الشقة المجاورة لهم مباشرة، وهي مركز ضحى للدراسات والأبحاث، الأمر الذي أدى إلى تدمير الشقة بالكامل، وإحداث أضرار بالمبنى قُدّرت بـ 6 آلاف دولار. ولم يكد العاملون يتركون الموقع حتى عاجلتهم الطائرات الإسرائيلية بصاروخ آخر أدى إلى تدمير جزء من مكتب الوكالة، بالإضافة إلى إصابة المصور محمد شبات (42 عاماً) بالشظايا في وجهه وبطنه ورأسه، ولم يتمكن العاملون من نقله إلى المستشفى إلاّ بعد أن أطلق الاحتلال صاروخاً ثالثاً، وكان مضى على إصابة شبات أكثر من نصف ساعة وهو ينزف.

يقول شبات الذي يسكن في بيت حانون أن "الاحتلال لم يكتف بتدمير منزلي الكائن في أقصى شمال القطاع بالكامل، بل لاحقني حتى في مكان عملي، حيث أُصبت بعدة إصابات، وعالجني طبيب من الخارج قدم إلى غزة ضمن الوفود الطبية المساعدة." وأخبره الأطباء أن ثمة شظايا في أنحاء الجسم تحتاج إلى إمكانات غير متوفرة في القطاع، ولا سيما خلال الحرب.

شبكة الأقصى الإعلامية

كان الاستهداف الأكبر من نصيب شبكة الأقصى الإعلامية، أكبر المؤسسات الإعلامية العاملة في القطاع، والتي ضمت خمسة مقار (دمرها الاحتلال جميعاً)، منها: مقران لقناة الأقصى الفضائية ومقران لإذاعة صوت الأقصى، ومقر لتلفزيون الأقصى الأرضي الذي يُعرف غزياً بـ"مرئية الأقصى".

بدأت أولى الاعتداءات من خلال اختراق بث قناة الأقصى، ووضع رسائل وصفت بالحرب النفسية على الفلسطينيين في غزة، وأنهم عبر احتضانهم المقاومة (على حد تعبير الاحتلال) ستُهدم بيوتهم فوق رؤوسهم ويفقدون أحبابهم، وأن حركة "حماس" وقيادتها تختبئ في المشافي، وسرقت الأموال وتركت الشعب وحيداً يواجه الموت. وطوال أيام العدوان تواصلت هذه الرسائل التحريضية بين الفينة والأُخرى، ولوحظ وفق مراقبين انخفاض نسبة الاختراق في الأيام الأخيرة من العدوان، ويرجع الخبراء هذا إلى تدني نسبة مشاهدة القناة جراء انقطاع التيار الكهربائي المستمر حتى اللحظة، وبالتالي عدم جدوى الاختراق.

وفي سياق متصل، وفي فجر اليوم الـ 27 للعدوان أغارت الطائرات الحربية على كل مقار الشبكة "المقربة من 'حماس'"، والمصنفة من واشنطن كمنظمة راعية للإرهاب*، ودمرتها بالكامل مع تحذير للجيران في المنطقة، حيث أكد ناهض طلال (40 عاماً)، ويعمل شرطياً في حكومة غزة السابقة وهو أحد جيران الإذاعة، أن "الاحتلال حذرنا فجراً عبر اتصال هاتفي بضرورة إجلاء المنازل المحيطة بإذاعة صوت الأقصى لنية الجيش استهدافها"، في حين أكد الحاج أيمن شعبان (50 عاماً)، ويعمل ميكانيكي سيارات وهو جار القناة، أن الاحتلال فاوضه في شأن الوقت الذي يجب أن يُسمح به قبل إجلاء المكان، وقد قرر في النهاية إعطاءه عشر دقائق بعد أن طالب شعبان بـ 15 دقيقة، وفق قوله.

في تلك الليلة، شن الاحتلال فجراً أربع غارات دمرت أربع مقار لشبكة الأقصى، بينما كان قد دُمر المقر الخامس في وقت سابق، ولم يقع أي إصابات في هذه الاستهدافات نظراً إلى إجلائها منذ بداية الحرب. ونتيجة القصف توقف بث الإذاعة لساعات قبل أن تعاود البث، في حين لم يتوقف بث القناة الفضائية قبل القصف أو بعده.

أعلنت شبكة الأقصى الإعلامية، من جهتها، أن استهداف قوات الاحتلال "الإسرائيلي" لـ 5 من مقارها في قطاع غزة لن يثنيها عن المضي قدماً في نقل معاناة الشعب الفلسطيني وصموده إلى العالم أجمع. واعتبرت الشبكة، في بيان مقتضب آنذاك، أن "استهداف الاحتلال لمقارها دليل على إفلاسه وتخبطه"، بحسب تعبيرها، مؤكدة أن ما حدث يمثل انتهاكاً صارخاً لحرية الرأي والتعبير. وصرحت بأن "استهداف مقارها يتطلب وقفة جادة من كل المؤسسات الحقوقية والصحافية العالمية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية."

وغير بعيد عن ذلك كله، أعلنت قناة الجزيرة إجلاء كل طواقمها العاملة في المقر الرئيسي في غزة في برج الجلاء في وسط المدينة. وأكد مدير المكتب هناك وائل الدحدوح أن طاقم القناة في غزة اضطر إلى مغادرة المكتب الذي تعرض لطلقات رصاص لم تسفر عن وقوع إصابات، مضيفاً أن الطاقم يرابط في الشارع أمام المبنى الذي يضم مكتب الجزيرة، وهو مصمم على مواصلة عمله في تغطية العدوان الإسرائيلي على غزة من دون خوف من التهديدات، حيث سيواصل عمله انطلاقاً من سيارة البث، فضلاً عن فريق يعمل مع سائر أفراد الطاقم الصحافي.

وأضاف مدير المكتب أن استهداف المكتب كان مقصوداً، وأن الجيش الإسرائيلي أكد تعرض المكتب لما سماه "إطلاق نار تحذيرياً". وأشار الدحدوح إلى أن الرصاصات ربما تكون صادرة عن مروحية أو دبابة بحكم علو المكان الذي يقع فيه المكتب، مؤكداً أن التجارب السابقة تفيد بأن الرصاص لا يطلق عادة للتحذير.

وتابع الدحدوح أن الرصاص - وهو من النوع المتفجر - أدى إلى تحطم الزجاج في المكتب الذي يقع في الطابق الـ11 من مبنى الجلاء، مشيراً إلى أن الاستهداف كان مقصوداً، ولم يكن عشوائياً، ولا سيما أن المكاتب المجاورة - بما فيها مكتب وكالة أنباء أميركية - لم تتعرض لأذى. وصرح أحد المنتجين، فضّل عدم الكشف عن اسمه، داخل المكتب لمراسلنا أن الرصاصات قاتلة، وأنها كادت تصيب أحد العاملين بمقتل، مؤكداً أن "إدارة الجزيرة في مكتب القدس قامت بإبلاغ الاحتلال بإحداثيات المكتب أكثر من 17 مرة، لكن فيما يبدو أن الاحتلال استخدم تلك الإحداثيات لاستهداف المكتب وليس لتجنبه."

صحافيون مواطنون

وفي موازاة ذلك وطوال أيام العدوان، لا يكاد يخلو يوم من دون تسجيل إصابة، أو هدم منزل يقطنه صحافي، هو وعائلته. وأشارت تقارير صحافية وحقوقية إلى استشهاد 13 صحافياً وصحافية، وإلى هدم أكثر من 11 منزلاً يعود إلى صحافيين، وإلى أضرار جسيمة ومتفاوتة في 12 مكتباً ومؤسسة إعلامية.

عبد الله فحجان

وفي هذا السياق، يقول زاهر البيك، رئيس قسم التحرير في صحيفة "الرسالة"، عن الشهيد محمد ظاهر (25 عاماً) الذي كان يعمل في الصحيفة نفسها أنه استشهد هو وابنته شهد وجميع أفراد أسرته، بينما تقبع زوجته في وحدة العناية المركزة، وأن الاحتلال استهدفه وهو في منزله في حي الشجاعية فأصيب بإصابات خطرة أدت إلى استشهاده بعد أيام، في حين مكث أفراد عائلته تحت أنقاض المنزل لخمسة أيام متواصلة إلى أن تمكن الدفاع المدني والطواقم المختصة من انتشالهم خلال إحدى اتفاقات وقف إطلاق النار.

كذلك استشهدت الناشطة الإعلامية على مواقع التواصل الاجتماعي نجلاء الحاج مع عائلتها نتيجة استهداف منزلها بشكل مباشر من دون إنذار من الطيران الحربي الاسرائيلي في مدينة خان يونس جنوبي القطاع. واستشهد الصحافي خالد حمد الذي يعمل في وكالة كونتينيو للأفلام الوثائقية في حي الشجاعية خلال تغطيته المجزرة التي ارتكبت بحق أهالي الحي على الرغم من ارتدائه درع الصحافة وشعارها. وبالإضافة إلى ذلك، بقي الصحافي ومعد البرامج في قناة الكتاب عبد الرحمن أبو هين (24 عاماً) تحت الأنقاض بعد أن استهدفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي منزله في القصف المكثف لحي الشجاعية. واستشهد أبو هين مع شقيقه أسامة (34 عاماً) وعمه المسن حسن أبو هين (70 عاماً). وفي الأثناء استشهد مراسل فضائية الكتاب الرياضي عاهد زقوت في إثر غارة شنها الطيران الحربي الإسرائيلي على شقته في البرج الإيطالي في حي النصر وسط المدينة. ولقي الصحافي عبد الله فحجان، الذي يعمل في موقع صدى الملاعب والأقصى الرياضي، حتفه جراء قصف إسرائيلي جوي على مدينة رفح جنوبي القطاع. كما استشهد الصحافي شادي حمدي عياد، وهو صحافي حر، مع والده المزارع حمدي عياد في غارة جوية أطلقت خلالها طائرة استطلاع إسرائيلية صاروخاً على الأقل في اتجاه منزله في حي الزيتون جنوبي شرقي المدينة، وأُعلن استشهاد الصحافي محمد نور الدين الديري، مصور الشبكة الفلسطينية للصحافة والإعلام، والذي عثر على جثمانه بعد أن كان قد أصيب في مجزرة سوق الشجاعية ومنعت قوات الاحتلال من إسعافه وإنقاذ حياته في حينه، ليفارق الحياة لاحقاً. وما زال النزيف مستمراً.

 

[1]    شهدت الحرب إبادة عائلات بأكملها من دون تحذير، إذ قام الاحتلال بتدمير البيت فوق رؤوس ساكنيه (عائلة نجم، والبطش، وأبو جامع وغيرها، وصل العدد إلى أكثر من 60 عائلة بحسب الإحصاءات).

* تم إغلاق بث قناة الأقصى الفضائية على قمر النايل سات بسبب اتهام المركز الفرنسي للقناة بأنها تحرض على الإرهاب وتعادي السامية، وعاودت القناة البث على قناة احتياطية تحمل اسم سراج الأقصى.

 

عن المؤلف: 

نور أنور الدلو: صحافي – غزة.

اقرأ المزيد